الاتحاد

الملحق الثقافي

المولود الأول·· إجهاض متكرر

يواجه الأدباء الشبان في مصر واقعاً عبثياً، فالواحد منهم يكتب عمله سواء كان شعراً أو قصة أو رواية ثم يطبعه على نفقته أو يساهم في طباعته لدى ناشر خاص، وبعد أن يصدر يشتري منه نسخاً يهديها لأشخاص وزملاء ربما يقرأونها أو لا يقرأونها· أما إذا أراد الأدباء الشبان النشر في مؤسسات الدولة فعليهم أن يخضعوا لشروط وقيود المنع والمصادرة وثوابت المجتمع والانتظار في قوائم وطوابير قد تمتد أعواماً· وهذه شهادات عدد من أحدث الأجيال الأدبية في مصر عن تجاربهم في النشر·
خدعة الأدب الأبيض
يقول الروائي حسن عبد الموجود: اكتشفت مبكراً لحسن الحظ أن الأدب الذى تنشره المؤسسات الرسمية يندرج تحت ما أسميه ''الأدب الأبيض''، فلا شيء في هذا الأدب يمكنه جرح الذائقة التقليدية، لا اشتباك مع المحرّمات، ولا رغبة لدى أصحابه فى الخروج على الإطار الذى حدده المسؤولون بناء على تعليمات مسؤولين أعلى يعرفون جيداً أنّ هناك من يتربّص بالإبداع، فلماذا إثارة المشاكل؟ ولماذا خسارة المناصب؟ كانت لي مجموعة قصصية في سلسلة ''إبداعات'' لم أصدرها في التوقيت الذي وقعت به أزمة ''الروايات الثلاث''، واتصلت برئيس تحرير السلسلة لأستطلع رأيه فيما يحدث ووجدته يتفق مع وزارة الثقافة في تراجعها المؤسف، وقال لي أن هناك ثوابت للأمة لا ينبغي تجاوزها·
سألته عن هذه الثوابت فأخبرني بأنها المقدّسات والقيم والمعايير وأنه على استعداد لحذف قصة كاملة من مجموعة لو أنها تخدش حياء أحدهم· وفي الوقت الذى رأيت فيه أحد مؤلفي ''الروايات الثلاث'' يرتدي بدلة أنيقة ويصوّر مع إحدى القنوات التليفزيونية اتخذت قراراً بسحب المجموعة، واتصلت برئيس تحرير السلسلة مجدّداً وطلبت منه عدم نشرها· وخلال السنوات التي تلت ذلك الموقف اكتشفت مأساة النشر في المؤسسات الحكومية، وكيف يتم استدعاء مبدعين أو مدعين لحذف فقرات كاملة من نصوصهم ولم تعد مشكلة النشر صعبة في مصر بهذا المنطق، ولكن لحسن الحظ أن دوراً مهمّة دخلت على الخط لتصلح ما أفسده أصحاب الضمير الميّت·
في المخازن
أما الشاعر إبراهيم السيد فيقول: تم نشر ديواني الأول ''كيف يقضي ولد وحيد الويك إند'' هذا العام عن دار نشر ''ميريت'' الخاصة غير انه لا توجد أي اسباب أيديولوجية وراء ابتعادي عن المؤسسة الثقافية الحكومية في النشر، لكن السبب الرئيسي أزمة الثقة في المؤسسة الرسمية! مع النشر الخاص أنت متأكد من أن عملك الأول لن ينتظر سنين طويلة في قائمة تتحرك حسب الوساطة او الحظ، أو سيتم طبعه وركنه في المخازن في انتظار الفرج، غير أن النشر في هيئة مثل قصور الثقافة يتيح ميزة أن تصل لجمهور بائعي الصحف في كل انحاء مصر بسعر مناسب جداً بعيداً عن مشاكل التوزيع والأسعار في دور النشر الخاصة·
رعب وشجاعة
وتؤكد الروائية نهى محمود أنها لم تكن متحمسة في البداية للنشر الحكومي لبطء الآلية التي يعمل بها وقلة منافذ البيع وخامة الورق والأغلفة وألوف الكتب المكدسة في المكتبات والمخازن·
وتضيف: وبحكم اطلاعي على الكتابات الجديدة وكل ما ينشر تقريباً لفت انتباهي عدد معين من الدور لما تقدمه من كتابات مميزة ومضمون أثق به، لكني كنت استبعد أن يصدر عملي الأول من دار خاصة لأني لا أعرف أحداً هناك ولا أعرف كيفية تقديم الأعمال لديهم وجعلني ذلك اتخبط لمدة شهرين أو ثلاثة في محاولات غير جادة للنشر الخاص، كأن أطبع الكتاب بنفسي في مطبعة كما يفعل العديد من الكتاب الشبان لكني لم اهتد لطريق في ذلك وأخيراً جاءتني الشجاعة واتصلت بدار نشر خاصة وسألت عن تفاصيل تقديم الأعمال·
وفي اليوم التالي ذهبت بمخطوطة الرواية وبعد أسابيع عدة أجازتها لجنة النشر ومرت بفترة التجهيز ورسم الغلاف وصدرت بعد 6 أشهر· وأعتبر نفسي محظوظة لأنها فترة تعتبر قياسية بالنسبة للناشر الخاص في مصر الآن!
صراع العاصمة
ويتذكر الروائي محمد زهران حكايته مع النشر فيقول: في عام 1981 وأنا طالب في المدرسة الثانوية، كنت أتجول في بلدتي ''فارسكور'' مزهواً بالانتصار الذي حققته، والذي كان عبارة عن مقالة بحجم صفحة، نشرت لي بمجلة ''روزاليوسف'' تبعتها مجلة شبابية اسمها ''هو وهي'' نشرت لي قصة قصيرة، وأرسلوا لي حوالة بريدية بقيمة خمسة جنيهات· وأشعرني نشر المقال والقصة بالتميز، فكان الأمر البديهي الذي طرحته على نفسي، إذا كان هذا الإنجاز قد تم وأنا في بلدتي البعيدة، فماذا سيحدث، عند انتقالي للقاهرة؟
وانتقلت للقاهرة ومنذ اليوم الأول لوصولي بدأت البحث عن منافذ لنشر مجموعة قصصية متواضعة كانت محصلة خبرات سنواتي التي تقترب من العشرين· سمعت عن نادي القصة وندوة جريدة ''الجمهورية''··
فبدأت الانتظام في الحضور واستمعت لتجارب الآخرين، ثم بدأت أتجرأ تدريجياً، بقراءة بعض قصصي وأثار بعضها ضجة ومناقشات، خاصة وأنني في هذه السن·
ذهبت للأستاذ محمود العزب في مكتبه بالهيئة المصرية العامة للكتاب لأنه مسؤول عن سلسلة تهتم بنشر إبداعات الشباب· فقال ''تعال بعد شهر أو اثنين لتعرف إن كانت قصتك ستنشر أم لا ''· وعدت بعد شهرين، وكانت الإجابة أن المجموعة بها محاذير دينية وجنسية·
ونصحني الرجل بأن أبحث على دار نشر خاصة ، فحملت مخطوطتي للرجل الذي أشتري من عنده الصحف والكتب في وسط البلد· ثم لعدد من الناشرين واعتدت الإجابة الأولى: اتركها شهرا أو اثنين· وقابلني الحاج مدبولي، وأخبرني بأن ما أكتبه لا يتماشى مع سياسة دار النشر الخاصة به· واستغرقت هذه الغزوة الفاشلة سنوات الدراسة الجامعية· لاحقاً كتبت روايتي ''بشارة الأربعين'' وكنت من بعيد أتابع تجربة دار نشر مغامرة اسمها ''ميريت''، وأسمع عنها الأعاجيب، فحملت روايتي على استحياء وذهبت وأصبحت خبيراً بالطقوس وفوجئت بالموافقة على نشر الرواية·
العبء الأكبر
وتقول الكاتبة صفاء عبدالمنعم: مازالت هناك عوائق كثيرة تواجه عملية النشر خصوصاً بالنسبة لمبدع شاب يتلمس طريقه، وأول المعوقات أن ازدهار النشر لم يؤد إلى أزدهار موازٍ في توزيع الكتاب، والمبدع يتحمل العبء الأكبر في طباعة كتابه ونشره منذ كتابته حتى وصوله للناس، ومع ظهور وكالات ومؤسسات مهمتها تسويق الكتاب وترويجه، تضاعفت الاعباء التي يتحملها المؤلف ففوق تكاليف الطباعة يتحمل تكاليف الدعاية لعمله، وهي حوالي خمسة آلاف جنيه مصري·
ومن ناحية أخرى فإن السلاسل الأدبية التي تصدرها المؤسسات الحكومية تعاني عوائق المجاملة والمحسوبية والانتظار سنوات حتى يصدر الكتاب كما أن معظمها يرفع لافتة ''للكبار فقط'' بغض النظر عن قيمة العمل وجودته·

اقرأ أيضا