القاهرة (الاتحاد)

شرّف الله البيت الحرام، فهو أول بيت وضعه للناس في الأرض ليكون متعبداً لهم، يأتي إليه الناس رجالاً وعلى كل ضامر من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، جعل الله الحج إليه عبادة مفروضة على كل قادر، وجعل الطواف حوله عبادة، وتقبيل الحجر الأسود الذي هو ضمن بنائه عبادة، ولا يوجد لبيت سواه في الأرض ما له من المزايا والخصائص، أجمع كثيرون على أن الملائكة هم أول من بنوا الكعبة، ثم عاد آدم وبناها ومِن بعده ابنه شيث، جعله الله مأمناً للخائفين ومشاعاً بين المسلمين والمؤمنين.
مدحه الله بكونه مبارك، كثير الخير دائمه، كثير النفع لمن حجه أو اعتمره أو اعتكف فيه، أو طاف حوله، بسبب مضاعفة الأجر، وإجابة الدعاء، وتكفير الخطايا لمن قصده بإيمان وإخلاص.
قال البغوي إن اليهود قالوا للمسلمين، بيت المقدس قبلتنا، وهو أفضل من الكعبة وأقدم، وهو مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)، «سورة آل عمران: الآيات 96 - 97»، وليس شيء من هذه الفضائل لبيت المقدس.
قال أبو ذر، قلت يا رسول الله أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ : الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ : قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ : الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى. قُلْتُ : كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ : أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ».
وقال العلماء: هو أول بيت بني في الأرض، وأن الله وضع تحت العرش بيتاً، وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به، ثم أمرهم أن يبنوا في الأرض بيتاً على مثاله وقدره، فبنوه، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.
وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام، وكانوا يحجونه، فلما حجه آدم، قالت الملائكة بر حجك يا آدم حججنا هذا البيت قبلك بألف عام، وقال ابن عباس: أراد به أنه أول بيت بناه آدم في الأرض، وقال الضحاك: أول بيت وضع فيه البركة، وقيل: أول بيت وضع للناس يحج إليه، وقيل: أول بيت جعل قبلة للناس، وقال الحسن والكلبي: معناه أول مسجد ومتعبد وضع يعبد الله فيه.
قال ابن كثير: يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس، أي لعمومهم، لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به ويصلون إليه ويعتكفون عنده، للذي ببكة، يعني الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام، عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه، ولهذا قال «مباركاً وهدى للعالمين»، وقال القاسمي، المراد أول بيت وضع مسجداً، كما قال علي رضي الله عنه: كانت البيوت قبله، ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله.
وقال السعدي: يخبر تعالى عن شرف هذا البيت الحرام، وأنه أول بيت وضعه الله للناس، يتعبدون فيه لربهم، فتغفر أوزارهم، وتقال عثارهم، ويحصل لهم به من الطاعات والقربات ما ينالون به رضى ربهم والفوز بثوابه والنجاة من عقابه، فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية، كما قال تعالى: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىَ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ...)، «سورة الحج: الآية 28»، هدى في المعرفة والعمل، وما جعل الله فيه من أنواع التعبدات المختصة به، وبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق.