فاز المرشح إيمانويل ماكرون بالانتخابات الرئاسية الفرنسية بنسبة تجاوزت 65.5% من مجمل أصوات الناخبين، فيما حصلت منافسته مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان على 34.5%. وفي أول خطاب له بعد انتخابه رئيساً لفرنسا، وعد ماكرون الفرنسيين بأن يعمل كي يكون أهلاً لثقتهم، فاتحاً صفحة جديدة هي صفحة الأمل والثقة المستعادة. وأكد ماكرون التزام فرنسا بأن تكون في الخط الأمامي لمواجهة الإرهاب وأولاً على أرضها. وقال «سأعمل على تعزيز التضامن بين الفرنسيين وسأدافع عن أوروبا ووحدة المصير». جرت الانتخابات الرئاسية في جو من الخوف الذي يعيشه الفرنسيون اليوم، وهو ينقسم إلى شقّين. الأول متعلق بالأوضاع الداخلية في البلاد. كالبطالة، والضرائب، والمطالبات بسياسات تجارية حمائية، والاتهامات المتبادلة التي وصلت إلى حد تبادل الإهانات بين إيمانويل ماكرون ومنافسته مارين لوبان. فيما يتعلق الشق الثاني بالخشية من تنامي الإرهاب وامتداده إلى الداخل الفرنسي، وأسلوب التعاطي معه. ولهذان الشقان ارتباط وثيق وتأثير على العلاقة مع أوروبا، ومع أميركا، ومع دول الشرق الأوسط. ويبدو أن هذا الشرخ الكبير مرشح للاستمرار إلى ما بعد الانتخابات. فالملفات المشتعلة في الطريق إلى الإليزيه، كانت شبيهة إلى حدٍ كبير بتلك التي أثيرت في الطريق إلى البيت الأبيض. ومهام الرئيسين الأميركي والفرنسي تفرض نهجاً مختلفاً حيال القضايا الداخلية من جهة، ومكافحة الإرهاب من جهة ثانية. أمام الرئيس الفرنسي الجديد سنتان على الأقل ليبدأ عهده فعلياً بإحداث تأثيرات ملموسة، أي بعد أن تجري الانتخابات البرلمانية. والأسباب كثيرة غير مرتبطة بنتائج المعركة الانتخابية فحسب، بل إنها نتاج مسار وصلت إليه البلاد، وغيرها من الدول الغربية التي وجدت نفسها في السنوات الأخيرة في حالة انعدام توازن، له بدوره أسباب عديدة. فماكرون الذي يطمح إلى إحداث نقلة نوعية في حكم البلاد، دخل السباق من خارج المسار التقليدي إلى الإيليزيه بين اليسار واليمين، وهو بسبب ذلك يحتاج أولاً إلى تمتين رئاسته بعماد الكتلة البرلمانية التي ينتظر تشكلها بنتيجة الانتخابات المقبلة، إلى جانب تدعيم ذلك في الحكومة المنبثقة عن تلك الانتخابات. بالمقابل، هو في الداخل أيضاً، أمام معضلة اقتصادية تتمثل بحاجة الفرنسيين إلى عشرات آلاف الوظائف الجديدة بصورة عاجلة، مع حماية المنتجين الفرنسيين من المنافسة الأجنبية، وهو ما شددت عليه لوبان، ويشبه إلى حد كبير ورقة ترامب الرابحة خلال الانتخابات الرئاسية التي أوصلته إلى المكتب البيضاوي. لن تكون مهمة ماكرون سهلة. فمن المتوقع بعد الانتخابات الرئاسية أن لا يحصل على غالبية مريحة في الانتخابات التشريعية، وعندها سيواجه معارضة من ثلاثة اتجاهات. فالجبهة الوطنية قد ضمنت لها منبراً دوريّاً. واليمين، سيستعيد قواه بعد استبعاد فيون. كما سيفعل أيضاً الحزب الاشتراكي الذي غيّر وجهه. وعندها سوف يبرز فراغ البرنامج في النهاية. الزواج بين القط والفار سيترك أثره بسرعة، ما قد يقود الرئيس الجديد الذي يصف نفسه بالتقدمي، نحو الفشل. وهنا تبرز إلى الواجهة تساؤلات كبرى حول الولاية الرئاسية الجديدة، فأي قضايا سوف تحوز أولوية الاهتمام بالنسبة للرئيس الجديد؟ وأي اتجاه ستسلكه فرنسا بخصوص أوروبا؟ ما هي السياسة التي سينتهجها الرئيس الجديد تجاه الحليف الأقوى في واشنطن؟ وأي استقلالية للقرار الفرنسي في ما يتعلق بالشؤون العالمية أبعد من حدود القارة العجوز؟ وأهم من هذا كله، كيف ستكون سياسة فرنسا في السنوات المقبلة تجاه سوريا وفلسطين والعراق وقضايا الشرق الأوسط المشتعلة؟ مهمة الرئيس الفرنسي الجديد لن تكون سهلة بأي حال من الأحوال. فالشرق الأوسط حسمت الأدوار فيه للقوى العالمية، أميركا وروسيا، والحصص الأخرى المختلف عليها حتى اللحظة تتصارع عليها الدول الإقليمية الكبرى المؤثرة هناك، والتي تعتبر أنها الأولى بالنفوذ في مناطقها، خاصة تلك التي تشترك مع فرنسا في محالفة الولايات المتحدة الأميركية. ويبقى ملف مواجهة الإرهاب والتطرف وتمدده إلى قلب الغرب، مسألة فائقة الأهمية، ومع النشاط المتنامي للشبكات الإرهابية وتنفيذها أعمالاً متكررة في المدن الغربية، يرجح أن تحدد هذه الملفات مستقبل الرئيس الفرنسي الجديد. فأما السقوط أو النجاح، كلاهما سيكون مدوياً. نصّار وديع نصّار