الاتحاد

تقارير

«لينكولن» ولعبة الصحافة!

قد يشعر الناس بالذهول أو الضيق -أو كليهما- في بعض الأحيان من «قوة وسائل الإعلام» في الوقت الراهن. ويشمل هذا الشعور وسائل الإعلام في مجملها، مع تدفق الأخبار والآراء على مدار اليوم ليس فقط من الصحف المطبوعة، ولكن أيضاً من القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية ووسائل الإعلام الاجتماعي ورسائل البريد الإلكتروني. وقد تجعلنا هذه العاصفة المعلوماتية من المصادر الإخبارية نقلل من أهمية قوة الصحافة في القرن التاسع عشر عندما لم تكن هناك سوى وسيلة إعلامية واحدة هي الصحف، بطبعاتها المتعددة وإصداراتها المختلفة. وجل المعلومات التي كانت تنقلها تلك الصحف كانت متحيزة بشكل سافر. وكان رؤساء التحرير يختارون مرشحيهم، بل وربما ترشحوا هم أنفسهم لشغل المناصب السياسية، وفي كثير من الأحيان، كانوا يستمرون في عملهم بالصحف، إلى جانب المناصب الأخرى. وكان السياسيون يدركون ذلك، وقد أسسوا صحفاً خاصة لأحزابهم، بصفتهم مالكين ومحررين، وربما تشاركت الأحزاب وصحفها الموظفين فيما بينهم، وللحفاظ على ولائهم كان السياسيون في أميركا يومها يغدقون على الصحفيين وظائف اتحادية أو محلية عند فوزهم.
وبالطبع كانت هذه لعبة قذرة بالمعايير الحديثة، ولم يلعبها أحد أفضل من الرئيس الأميركي الأسبق أبراهام لينكولن، الذي ابتكر حيلاً جديدة مع تحوله من مواطن عادي إلى مرشح رئاسي. ومن دون التخلي عن أساليبه القديمة، استحدث أخرى أكثر فعالية أو بالأحرى أشد تشكيكاً مكنته من السيطرة على ما يُكتب عن شخصه وسياساته وخصومه.
وفي كتابه الجديد المعنون: «لينكولن وقوة الصحافة: حرب الرأي العام»، يسعى هارولد هولزر، الأستاذ المتخصص في الثقافة السياسية في عصر الحرب الأهلية الأميركية، إلى تسليط الضوء على قدرة لينكولن على التلاعب بالصحافة والاستفادة منها لخدمة مصالحه السياسية. وقد اتّسعت اهتمامات لينكولن مع صعوده سلم السلطة، فخرج من الطرق المحلية في ولايته، حيث الصحف المنافسة في سبرنجفيلد وشيكاغو، إلى مركز قوة الصحف في نيويورك. وفي واشنطن تعامل لينكولن مع مجموعة كبيرة من مكاتب الصحف هناك. وطور مهارات مختلفة لكل مرحلة توسُّع في رحلته المهنية.
وفي هذا السياق أشار «هولزر» إلى أن لينكولن عندما كان يتحسس خطواته الأولى إلى عالم السياسة، كان يفتقر إلى حماية العالمين الصحافي والسياسي. وبينما أصبح عضواً في حزب «الأحرار»، دخل إلى اللعبة عن طريق كتابة مقالات مجهولة المصدر كي يروج لنفسه ولأصدقائه ويهاجم خصومه ومنافسيه. وعندما أصبح لينكولن رئيساً بات أشد حذراً بشأن كتاباته بأسماء مستعارة، ولكنه جعل مساعده جون هاي يكتب سراً، وقد سرّبت ماري تود، شريكة الرئيس كتاباتها إلى الصحافة من البيت الأبيض.
ويقول «هولزر» إنه في حين أصبحت تلك الكتابات بأسماء مستعارة غير كافية للينكولن، ساعد على إنشاء صحيفة خاصة به. وقد كان داعماً أساسياً لصحيفة «أولد سولجر»، التي بدأت دعم مرشح حزب «الأحرار» في عام 1840، ويليام هنري هاريسون. ولكن الصحيفة انتهت بعد الانتخابات وفوز مرشح لينكولن، ولكنه لم يكتف بذلك عندما بدأ سعيه للوصول إلى البيت الأبيض. ومع إدراكه لأهمية الأصوات الألمانية، موّل لينكولن سراً صحيفة «إلينوي ستاس أنزيجر» لجذب تلك الشريحة.
وبمجرد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة، وضع لينكولن اتفاقات جديدة للتعامل مع الصحافة، وأعدّ خطابه الافتتاحي سراً رئيس تحرير صحيفة «إلينوي ستيت جورنال»، التي نشرت تقريراً عن تصريحاته في محطة القطار أثناء مغادرته إلى واشنطن. ولفت المؤلف إلى أنه في حين حاول لينكولن استغلال سلطته في تعيين وزراء وضباط في الجيش من أطياف سياسية واسعة طالما أنهم سيتعاونون معه، استخدم أيضاً صلاحياته في استقطاب موالين من مالكي الصحف ورؤساء التحرير والمراسلين المخلصين على نحو واسع النطاق. وأصبحت الصحافة هي أقصر الطرق كي يصبح الشخص سفيراً أو مفتشاً في الموانئ أو موظفاً في البيت الأبيض، وتمت الاستعانة بعشرات ممن لطخت أيديهم بالأحبار لإنقاذ الفيدرالية الأميركية.
غير أن الأمر لم يقتصر على التعاون مع الصحف، لاسيما أن قوة الصحافة دوماً سلاح ذو حدين. فاضطر لينكولن إلى تقييد حريات أخرى في زمن الحرب، فعمد إلى تعطيل الصحف التي صعّبت مهمته. ويصف «هولزر» قمع لينكولن بأنه كان نشاطاً خفياً بدرجة كبيرة، وبدأ بتعمد الجنرالات سحق الصحف المعارضة في المناطق التي كانوا يسيطرون عليها، أو إسكات المراسلين في الشمال الذين كانوا يفصحون عن أماكن أو تحركات القوات. ومن حاول من الصحفيين كسر الرقابة كان يمكن أن ينتهي به المآل ليصبح أسير حرب مع أسرى آخرين.
وائل بدران

الكتاب: «لينكولن وقوة الصحافة: حرب الرأي العام»
المؤلف: هارولد هولزر
الناشر: سيمون آند شوستر
تاريخ النشر: 2014

اقرأ أيضا