سجلت شرطة دبي منذ عام 2010 وحتى العام الماضي 15 حادث اعتداء بشري على أجهزة ضبط السرعة «الرادارات» على طرق الإمارة، توزعت أضرارها بين بالغة ومتوسطة، وهو ما يسلط الضوء على جرائم الاعتداء على الممتلكات العامة، على الرغم من كونها لم تصل بعد حد الظاهرة. أوضح بطي أحمد بن درويش الفلاسي مدير إدارة الإعلام الأمني في شرطة دبي أن 12 حادثاً كان الفاعل فيها مجهولاً، وثلاثة حوادث تم الكشف عن المخربين. وتشهد إمارات أخرى حوادث مماثلة تتعلق معظمها بإتلاف الرادارات وطمس لوحات إرشادية وتخريب أسيجة وقطع أشجار وكتابة على جدران. وتلقى هذه التصرفات رفضاً من المجتمع، الذي رأى فيها جريمة بحق الدولة ككل، ودليلاً على ضعف الانتماء لها، مطالباً بالتشدد في معاقبة مرتكبي هذه الأفعال. وتنظر الجهات الشرطية إلى هؤلاء المخربين على أنهم خارجون عن القانون تجب ملاحقتهم، وتقديمهم إلى العدالة، كما اعتبر أطباء نفسيون وعلماء اجتماع أن من يقدم على تخريب ممتلكات عامة هو شخص غير متزن نفسياً، ويعاني خللاً واضحاً في الشخصية. وأكد العميد مهندس حسين الحارثي مدير مديرية المرور والدوريات بشرطة أبوظبي أن إتلاف الممتلكات العامة للدولة هي عبارة من الجرائم ذات الخطر العام، وهي تشكل شروعاً في ارتكاب جريمة، ويعاقب عليها القانون. ومن وسائل العقاب التي نتخذها في من يتلف الممتلكات العامة بما نص عليه القانون بمعاقبة كل من ينزع عمداً إحدى الآلات أو الإشارات اللازمة لمنع الحوادث أو كسرها أو إتلافها أو جعلها غير صالحة للاستعمال أو عطلها بأية وسيلة كانت بالحبس المؤقت. وأضاف: في حالة ضبط شخص ارتكب أو حاول أن يرتكب فعلاً تخريبياً، يتم تحويله فوراً إلى النيابة العامة لاتخاذ شؤونها معه، وإحالته عقب ذلك للمحكمة المختصة». وتلجأ مديرية المرور والدوريات إلى اتخاذ عدد من التدابير الوقائية لحماية الممتلكات العامة بشكل عام، والرادارات والإشارات والآليات الخاصة بالطرق بشكل خاص، من خلال متابعة الدوريات العاملة لأماكن تركيب الأجهزة وأدوات التحكم المرورية وتفقدها بصفة مستمرة للتأكد من صلاحيتها وعدم العبث بمحتوياتها، وتوجد أيضاً أنظمة للمراقبة وحماية الرادارات من أعمال التخريب، عبر الاستعانة بأحدث التقنيات وتطبيق أفضل الممارسات الدولية المستخدمة في الأجهزة وأدوات التحكم المرورية بما يضمن سلامة هذه الأدوات وديمومة استخدامها. ولفت إلى أن المديرية تنظم نشاطات تثقيفية لتوعية الجمهور وتحفيز الوقوف إلى جانب الشرطة في منع كل ما من شأنه مخالفة القانون. انحدار سلوكي اعتبر أحمد جاسم المنصوري، طالب في جامعة الغرير تخصص قانون سنة ثالثة، أن إتلاف الممتلكات العامة دليل على انحدار السلوك التربوي، وعدم احترام الأنظمة التي سنتها الدولة، واللامبالاة بممتلكات الدولة، ما يسهم في تشويه المنظر الحضاري. وطالب المنصوري المسؤولين بالتقصي لمعرفة أسباب هذا العنف، ولماذا يتجه بعض الشباب إلى هذا الأسلوب، بهدف تعديل هذا السلوك ومحو أية سلبيات يحملها الشاب في ذهنه. وقالت مريم الشحي إن الاهتمام بالممتلكات العامة واجب ديني وأخلاقي، ومن باب الحرص على الوطن هذا أقل ما نقدمه، ولا بد من أن نحترم قوانينه وأنظمته، ومثلما نحافظ على ممتلكاتنا الخاصة يجب أن نحافظ على ممتلكات الوطن العامة. واختتمت قائلة: لا خير في شخص كسر في دولته قانوناً. وأشار الطالب سلطان ناصر حسن في جامعة عجمان تخصص علاقات عامة إلى أن قيم الشخص نفسه هي مقياس سلوكه، لافتاً إلى أن إتلاف الممتلكات العامة تهور، لأن هذه الممتلكات ليست ملكاً للشخص ذاته، بل هي ملك للجميع، داعياً المدارس والجامعات إلى الاضطلاع بدورها في التوعية بسلبيات هذا السلوك. وقال نايف عبدالعزيز جكه من إمارة رأس الخيمة وهو موظف حكومي، إن هدر الممتلكات العامة أمر يسيء للشخص نفسه، ويعكس تربية الأهل، مبيناً أن من الواجب الحفاظ على مكتسبات الدولة، والمساهمة في نشر الوعي حول كيفية الحفاظ عليها. وأضاف أن هناك من يتهاون مع هذه السلوكيات التي تتنافى مع عاداتنا وتقاليد ديننا الحنيف وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتؤثر سلباً على التنمية المستدامة في أي بلد تكثر فيها هذه الظاهرة السلبية، وتؤثر أيضاً في حضارة هذا البلد. وقال شهاب شكيل أحمد من إمارة أبوظبي خريج قانون من جامعة العين للعلوم والتكنولوجيا إن مثل هؤلاء الأشخاص لا توجد لديهم الثقافة الكافية، ولا الإدراك بالعمل الذي يقومون به، لأن الفعل نفسه إتلاف الممتلكات الخاصة أو العامة على حد سواء ليس من مظاهر الحضارة والتطور. قوانين رادعة وقال الإعلامي سعيد المعمري إن الممتلكات العامة هي خدمات قدمتها الدولة لنا كمواطنين ومقيمين، بهدف تحسين طرق العيش في الإمارات، موضحا أن أي فرد يرتكب هذه الأفعال يخالف القانون والقيم السمحة التي تسود المجتمع. وأبدى المعمري انزعاجه من مشاهد الكتابة على الجدران أو وقوف السيارات على الرصيف، لأن هذه السلوكيات خاطئة وتشوه المظهر الحضاري الذي تمتاز به دولة الإمارات. ودعا إلى سن قوانين رادعة لكل من يتعمد إتلاف ممتلكات الدولة، لأن الحفاظ عليها واجب وطني لكل من يعيش على هذه الأرض الطيبة. كذلك أشار الإعلامي أحمد الشيراوي إلى أن من يقدم على ارتكاب هذه المخالفات، ربما لا يملك الفكرة الكاملة عن القوانين المعمول بها في الدولة، والتي تجرم هذه السلوكيات، مطالباً بتكثيف التوعية والرقابة. وأضاف: يجب احترام الممتلكات العامة والحفاظ عليها، فالممتلكات العامة للجميع دون سواء. وقال سالم عبدالرحمن آل علي موظف حكومي في مدينة أبوظبي: يجب المحافظة على الممتلكات العامة ونظافتها، فقد وفرت الدولة هذه المرافق لاستخدام المواطنين والمقيمين على أرضها. كما أنها تضيف قيمة جمالية للمدينة، وبالتالي فإن المحافظة عليها واجب مقدس، ويعبر عن انتماء حقيقي للوطن، ويجب محاسبة كل من تسول له نفسه باستخدام هذه المرافق بطريقة سلبية ومحاولة إتلافها. وقال الطالب راشد صالح راشد الطنيجي في جامعة العين للعلوم والتكنولوجيا فرع أبوظبي تخصص قانون إن تخريب الممتلكات العامة عمل غير أخلاقي وغير حضاري، وواجبنا الحفاظ على هذه الممتلكات التي أعطتنا إياها الدولة، وأن نكون على قدر الثقة والمسؤولية، فالممتلكات العامة للجميع وليست للفرد الواحد، ولكل من على أرض الدولة أن كان مواطنا ًأو أجنبيا ًوبالتالي لكل فرد حق الانتفاع منها سواء كانت حدائق عامة أم أرصفة وغيرها. وذكّر بأن الله حرم الفساد وجعل للمفسدين عقاباً شديداً، حين قال سبحانه وتعالى: «والله لا يحب المفسدين»، وكل عبث يضر بالممتلكات العامة هو فساد مهما كان حجمه صغيراً أو كبيراً. علي الهاشمي: التعدي من باب الفسوق والعصيان وجحدان النعمقال سماحة السيد علي آل هاشم مستشار الشؤون القضائية والدينية إنه لا يجوز شرعاً التعدي على الأموال والممتلكات العامة والخاصة، لأن الله سبحانه وتعالى ينهى عن العدوان، والإنسان العاقل يجب عليه أن يتجنب ما نهى الله عنه، لأن التعدي هو من باب الفسوق والعصيان، وجحدان النعم. وتابع: من واجب رجل العلم في مواجهة هذه الظاهرة توعية المجتمع، بأن ذلك لا يجوز والله سبحانه وتعالى يغار على نعمه بأن تُداس، وهذه النعم يسأل العبد عنها يوم القيامة. قال تعالى: «ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم». وفي آية أخرى «إنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً»، حيث أشار السيد علي الهاشمي إلى أن هذه الآيات تلزم المؤمن على السير في الطريق السليم، بما أن الله منَ على الإنسان بنعمة العقل. ولذلك يجب على الإنسان أن يبتعد عن الظلم والتعدي على الممتلكات العامة أو الخاصة أو على البيئة، حيث قال تعالى: «وَعِبآدُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يمْشُونَ عَلَى آلأرضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبهُمُ الجاهلون قَالُوا سَلاماً». ولفت إلى أن الاسلام عقيدة وشريعة يرشد المؤمن لأن يكون ضمن هدايات الله عز وجل متمسكاً بسنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ومن شكر النعمة العمل بطاعة الله عز وجل وأن يستعين المؤمن بنعم الله على طاعته، وأن يضع نعمة الله في مواضعها التي يحبها الله. عقوبة الفاعل يعتبر كسر أو إتلاف الرادار أو أجهزة المراقبة المرورية جريمة إذا ما وقعت عمداً من شخص ما، وتندرج تحت الجرائم ذات الخطر العام، وهي المنصوص والمعاقب عليها طبقاً لنصوص وأحكام قانون العقوبات لدولة الإمارات العربية المتحدة، القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 1987، حيث خصص لها الفصل الأول من هذا الباب وهو الاعتداء على وسائل المواصلات والمرافق العامة، حيث نصت المادة 294 من القانون، سالف البيان، على أنه «يعاقب بالحبس كل من نزع عمداً إحدى الآلات أو الإشارات اللازمة لمنع الحوادث أو كسرها أو أتلفها أو جعلها غير صالحة للاستعمال أو عطلها بأية كيفية كانت، وتكون العقوبة السجن المؤقت إذا نشأ عن الجريمة كارثة». ونص القانون على أنه، كل من نزع عمداً، أي أن القانون اشترط توافر القصد الجنائي في تلك الجريمة وحدد لها هذه العقوبة المغلظة إذا كانت جريمة عمدية، أي انصرفت نية الجاني إلى إحداث وارتكاب الفعل والعمل المادي المكون لتلك الجريمة، هذا مع الأخذ في الاعتبار توافر المسؤولية الجنائية، بمعنى ألا يكون مرتكب الجريمة لديه مانع من موانع العقاب، كفقد الإدراك أو الإرادة لجنون أو عاهة في العقل أو غيبوبة ناشئة عن عقاقير أو مواد مخدرة تناولها قسراً عنه أو بغير علم منه بها، أما إذا تناولها بعلمه وباختياره عوقب على تلك الجريمة، بل إنها تعد من الظروف المشددة إذا كان قد تناول تلك المخدرات بقصد ارتكاب الجريمة. علم النفس: إتلاف الممتلكات له أبعاد نفسية شديدة بيّن الدكتور أحمد الألمعي استشاري ورئيس قسم الطب النفسي للأطفال بمدينة الشيخ خليفة الطبية أن هناك عدة نواحٍ لهذا السلوك من الناحية القانونية فهو سلوك إجرامي، ومن الناحية الاجتماعية فهو سلوك غير مقبول، سواء ارتكب في مجتمع مسلم أم غير ذلك. وأوضح أنه من الناحية النفسية، فإن إتلاف الممتلكات له أبعاد نفسية شديدة، وبعضها تدل على سلوكيات بسيطة مثل السلوك الشخصي. واعتبر الدكتور الألمعي أن تخريب الممتلكات العامة أو الخاصة عقاب لكل من المجتمع والذات، لأن الشخص هو أحد من أفراد المجتمع، وسلوكياته التدميرية تنعكس عليه ضمن انعكاسها على الجميع. ولفت إلى أن كلاً من البيت والمدرسة والشارع معنيين بسلوك الشخص، فالبيت مسؤول بترسيخ الأفكار في ذهن الطفل منذ صغره بالمبادئ والقيم وتقوية وازعه الديني، وتأدية واجباته اتجاه وطنه، ومساعدة الطفل لينشأ شخصاً راشداً، وأيضاً للشارع دور سلوك الشخص، «فالصاحب ساحب»، ولا يمكن إغفال الأصدقاء في تكوين الشخصية، إضافة إلى دور المدرسة التربوي والتعليم، خصوصاً أن الطفل يقضي فيها جل وقته. علم الاجتماع: تخريب الممتلكات خلل في التنشئة الاجتماعية أكد عمر مبارك الناجم اخصائي اجتماعي أن تخريب الممتلكات العامة ناتج عن خطأ أو خلل في التنشئة الاجتماعية، سواء من أسرته التي لم تعلمه أهمية الملكية العامة، أو من جانب المدرسة. وأوضح الناجم أن من أسباب العنف الرئيسية هي الألعاب الإلكترونية التي اقتحمت منازلنا اليوم مثل البلاي ستيشن وما شابهها، وهو ما ولد عند الطفل العنف، إضافة إلى ابتعاده عن الجلسات العائلية وعدم انخراطه في المجتمع. ورجح الناجم أن يكون وراء تخريب الممتلكات العامة رغبة في الظهور وإثبات للذات، خصوصاً في مرحلة المراهقة، وهي طريقة سلبية تعبر عن خلل في شخصية الشخص. وحث الناجم على تشديد العقوبة بحق المخربين ليكونوا عبرة لغيرهم، خصوصاً أولئك الذين يستهدفون الرادارات، كون تخريبهم لها يكون هدفه الانتقام، على الرغم من أن ما يضبطه الرادار هو نتيجة لأخطائهم المتمثلة في القيادة بسرعة.