الاتحاد

ألوان

لغة القرآن والعلم والحضارة.. غريبة في بلادها

أحمد مراد(القاهرة)
أكد علماء الأزهر حاجة اللغة العربية إلى عناية لحمايتها من محاولات التهميش التي تتعرض لها، مشددين على أن حماية لغة القرآن فرض وواجب.
وأوضح العلماء أن أهم التحديات التي واجهت اللغة العربية استبدال العامية بالفصحى، والهجوم على الحروف العربية، والدعوة إلى استعمال الحروف اللاتينية، وإسقاط الإعراب في الكتابة والنطق، وإغراق العربية بسيل من الألفاظ الأجنبية بدعوى المعاصرة، ومحاولة تطبيق مناهج اللغات الأوروبية بدلا من العربية.
وأشار العلماء إلى أن اللغة العربية قادرة على استيعاب ومواكبة تغيرات ومستجدات العصر في شتى المجالات، وبإمكاننا تسخيرها لخدمة مصالحنا، والاعتماد عليها بدلاً من الاعتماد على لغة غريبة، لا تمت لهويتنا وتراثنا وثقافتنا بأي صلة.
يرى المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة، عضو مجمع البحوث الإسلامية أنه ليس هناك لغة تضارع العربية في التعظيم والتقديس، ويكفي أنها لغة أهل الجنة، ولغة القرآن الكريم، ودستور الحياة لكل عربي ومسلم، والأمر يتطلب المحافظة عليها، ومواجهة ما تتعرض له من تهميش وإهمال.
لغة العلم
ويقول: ظلت العربية لغة العلم العالمي لأكثر من عشرة قرون، وإليها ترجمت المواريث الثقافية والحضارية السابقة على ظهور الإسلام، وبها تمت المراجعة والتصحيح لهذه المواريث، وبها كتبت الإبداعات العلمية التي أضافت إلى هذه المواريث وطورتها، ومنها أخذت أوروبا إبان نهضتها الحديثة التراث اليوناني، والمنهج التجريبي، والإضافات العربية الإسلامية في العلوم الطبيعية وتطبيقاتها، لكن الكارثة التي تعيشها لغة القرآن الكريم اليوم جعلت التدريس للعلوم الطبيعية وتقنياتها وأحياناً العلوم الإنسانية والاجتماعية يتم باللغات الأجنبية، مما جعل العربية غريبة في بلادها، موضحاً أن المشكلة بدأت مع بدء الغزوات الاستعمارية الحديثة لوطن العروبة وعالم الإسلام، تلك الغزوة التي لم تقنع باحتلال الأرض ونهب الثروة، وإنما أرادت احتلال العقل أيضاً، ويكفي أن نقرأ شهادات واعترافات القناصل الفرنسيين في القرن التاسع عشر، حيث تحدثوا عن مدارس الإرساليات التبشيرية التي أقامتها فرنسا العلمانية في المشرق العربي.
ويوضح أن هذه الشهادات اعتبرت مدارس البعثة اليسوعية الفرنسية في لبنان تصنع فتحاً بواسطة اللغة.
ويضيف: لقد أحيت إسرائيل لغة ميتة، لتصبح لغة علمية حية تدرس بها جميع العلوم وكذلك تفعل الصين واليابان مع أصعب لغات الدنيا، ونحن أصبحنا في كثير من جامعاتنا ندرس العلوم الطبيعية بغير لغة القرآن الكريم، مع أن تجارب تدريسها بالعربية أعطت نتائج كبيرة.
فكر ناطق
ويقول الشيخ محمد زكي الأمين العام السابق لمجمع البحوث الإسلامية: للغة العربية قيمة جوهرية كبرى، فهي الأداة التي تحمل الأفكار، وتنقل المفاهيم، فتقيم بذلك روابط الاتصال بين أبناء الأمة الواحدة، وبها يتم التقارب والتشابه والانسجام بينهم، كما أن القوالب اللغوية التي توضع فيها الأفكار، والصور الكلامية التي تصاغ بها المشاعر والعواطف لا تنفصل عن مضمونها الفكري والعاطفي، فاللغة فكر ناطق، والتفكير لغة صامتة، واللغة هي معجزة الفكر الكبرى.
ويضيف: حمل العرب الإسلام إلى العالم، وحملوا معه لغة القرآن العربية،واستعربت شعوب غرب آسيا وشمال أفريقيا بالإسلام، فتركت لغاتها الأولى وآثرت لغة القرآن، أي أن حبهم للإسلام هو الذي عربهم، فهجروا ديناً إلى دين، وتركوا لغة إلى أخرى، وقد شارك الأعاجم الذين دخلوا الإسلام في عبء شرح قواعد العربية وآدابها للآخرين فكانوا علماء في علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، ومع هذه المنزلة العالية تعرضت اللغة العربية لكثير من محاولات الطعن التي اتخذت أشكالا ومظاهر شتى، تارة الطعن في الأدب القديم وصحته، وتارة الثورة على القديم والدعوة إلى التجديد، فالبعض ينادي بالتمرد على الأسلوب العربي القديم، والبعض الآخر يقول بضيق العربية وقصر باعها عن مواكبة الحضارة، وهناك طرف ثالث يطالب بهجر الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، ومن داع إلى تغيير القواعد، ودعا آخرون إلى اللهجات المحلية وتشجيع دراسة تلك اللهجات باسم البحث العلمي في علم اللغة وفقهها، كما دعوا إلى العامية ودراستها. ويوضح أن من أهم التحديات التي واجهت اللغة العربية استبدال العامية بالفصحى، ومحاولة تطويرها حتى تقترب من العامية، والهجوم على الحروف العربية، والدعوة إلى استعمال الحروف اللاتينية، وإسقاط الإعراب في الكتابة والنطق، والدعوة إلى إغراق العربية في سيل من الألفاظ الأجنبية بدعوى المعاصرة، ومحاولة تطبيق مناهج اللغات الأوروبية على اللغة العربية ودراسة اللهجات والعامية.
الضعف اللغوي
ويعرب أمين عام مجمع البحوث الإسلامية السابق عن أسفه للتردي في الضعف اللغوي الذي لم يقتصر على عامة الناس فقط بل شمل بعض العلماء والفقهاء حتى إن الكثيرين ليعجزون عن كتابة رسالة، بريئة من الركاكة، بل إن دروس الفقه والدين والنحو والبلاغة تلقى بلغة تشوبها العامية.
ويؤكد أن موقف اللغة العربية الراهن يلقي أمام العرب مشكلة النهوض بها، وقدرتها على الوفاء بحاجات أهلها في العالم المعاصر سواء في ميدان العلوم أو الفن أو الأدب بأغراضه وآفاقه الحديثة، أو في ميدان الحياة العملية بما فيها من مستحدثات لا ينقطع سيلها.


تعلم العربية فرض واجب
يؤكد الدكتور طه أبوكريشة أستاذ اللغة العربية بجامعة الأزهر أنها بحاجة إلى عناية واجبة من قبل اللغويين والنفسيين والتربويين والاجتماعيين، ومن وزارات التربية والجامعات ومراكز البحوث والدراسات ومجامع اللغة في مختلف الدول العربية، مفضلا عن المعنيين بالأسرة والطفولة. ويوضح أن اللغة العربية لغة معظمة، لأنها لغة القرآن، ولغة العبادة والثقافة الإسلامية، وهي اللسان المشترك بين المسلمين جميعاً، حتى قال الإمام الشافعي في كتابه «الرسالة» على كل مسلم أن يتعلم من لسان العربية ما بلغه جهده حتى ينطق بالشهادتين، ويتلو بها كتاب الله، ويقرأ الفاتحة والتشهد، والأشياء التي تتطلبها العبادة، وقال ابن تيمية إن فهم الكتاب والسنة واجب، ولا يفهم الكتاب والسنة إلا بالعربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن هنا ندرك أن تعلم العربية فرض واجب، على الأعيان أحياناً، على الكفاية أحيانا، وبعض الناس يجب أن يتعلموا اللغة ليتبحروا في علوم الشريعة، فتعلم العربية جزء من الدين.

اقرأ أيضا