ثقافة

الاتحاد

حضور الذات في الشعر الإماراتي

من المصدر

من المصدر

«ذات الشاعر» هي حقيقته وهويته الشخصية، وما يشكل ذاته سلسلة من التنظيمات التي أوجدتها ضرورات الاجتماع البشري ليرث أوضاعا اجتماعية سابقة على وجوده، منها ما يرجع للأسرة ومنها ما يرجع إلى مجتمع الحي أو القرية أو المدينة التي يعيش فيها، ومنها ما يرجع إلى الأمة أو الجنس البشري بعامة. وهذه الأوضاع منها ما هو اقتصادي وما هو سياسي وما هو ثقافي وما هو نفسي وما هو لغوي، وكلها تتشابك وتتداخل بحيث يجد نفسه فيما يشبه المتاهة وفي جهة أخرى لا يزال ذاتا متفردة، لها عالمها الخاص، فلكيلا يبتلعه ذلك الخضم من القوى الخارجية يلزمه أن يعيد بناء ذاته بصورة مستمرة. وعند الذات الشاعرة نجد الجزء المنشق عن الكل، المتطلع دوما إلى تجاوز وضعه، بمعنى قد نجده واقعيا ويرفض الواقع وتاريخيا ويرفض التاريخ أو خاضعا ويتمرد على الخضوع، فحين تصبح الذات شاعرة فإنها تصبح ذاتا أخرى عرضية، حادثة متموضعة في الحالة أو في الزمن.
إن العمل الفني يحمل بطبيعته أفكارا ومعطيات تترسب في العمل، وتخلق جمهوراً معيناً من المتلقين، ويحمل أفقين: أفق يحمله العمل نفسه، وأفق يوجد في وعي المتلقي، الأول موجود في النص والثاني عند القارئ، فالناقد القديم/‏‏ المتلقي كان يخضع في عملية تلقيه النصوص الإبداعية إلى مؤثرات ثقافية تثق في السائد والمألوف، وإن استدعاء الفكر الفلسفي في الخطاب النقدي ليس زينة، أو ملحقا للبحث الفلسفي، بل هو السبيل الأمثل الذي يجب أن ينشغل به البحث النقدي المعاصر، حتى يكسب الخطاب النقدي المعاصر صفة الحضور والاستمرارية، وهي السمة التي يتفرد بها البحث الفلسفي، وهو يتجاوز جميع أشكال الفكر التقليدي بممارسة عقيدة الوعي وأفعاله (الإدراك، والشعور، والقصدية والحدس).
والشاعر الإماراتي كريم معتوق كغيره ممن انتهجوا منهجا وخطا واضح الذاتية في نتاجهم الأدبي، فما العمل الأدبي سوى
تعبير عن عمق طبيعة الإنسان، وعن مسألة الوعي الذاتي، فإذا لم تكن هناك حقيقة موضوعية فكذلك أيضا لن يكون هناك قيم أخلاقية موضوعية، فالفرد مقياس الخير والشر والعدل والظلم، وبالتالي فليس من قانون أخلاقي عام يخضع له الناس جميعا، وهذه المبادئ جعلت من الإنسان أن يحمل وحده عبء وضعه البشري.
لا طريقٌ في بلاد العُرْبِ يهدينا لحيفا
أو لرام الله
يا الله يا الله كم نحن صغار
حينما نستبدلُ الأدوارَ
فالأطفالُ في غزة قد صاروا كبارا

يشعر القارئ أمام هذا الخطاب بالاغتراب تارة وبالحيرة تارة أخرى وبمحدودية المعرفة تارة ثالثة، وذلك لأنه يحمل فكرا لا يطوّق باللغة العادية التي لا تمسك بتلابيب العقل وتتسع لحركة الوعي، وإنما يطوق بمصطلحات ومفاهيم ذات مرجعيات فلسفية لا تصرّح بالمعنى على المستوى الدلالي اللغوي فحسب، بل على المضمون الإبستمولوجي أيضا. إنه خطاب يحمل فكرا نقديا ذا مرجعية فلسفية، يعي الروابط العميقة بين الأحداث الكبرى في الفلسفة وعلاقتها بالتحولات المعرفية في مجال النقد الأدبي:
مُتْ قبل موتِك يا أنا
كيما ترى وطناً تَبدَّلَ حينَ تمتشقُ الكفنْ
كيما تراكَ
أناكَ تكبرُ باستدارتِها
وتصغرُ حين تنتبهُ الفتنْ
فادخل قواميسَ النحاةِ
دعتكَ أزمنةُ الحداةِ الشمِّ
قافيةُ المِحنْ
لو مرةً وقفتْ على الأطلالِ راحلَتي
سأقتنصُ القصيدةَ من مجرّتِها وأهمسُ للعلنْ
وأقولُ: يا وطني أتذكرُ من مضى؟
أتراك تذكر دمعة الشعراءِ من كانوا قرابيناً؟
تُرى كانوا قرابيناً لمنْ؟
وهمسْتُ ثانيةً لجرحِ قصيدتي
من ينصفُ الموتى ومنْ
يستبدلُ الأدوارَ
يَصْهلُ في شعابِ الأرضِ، يبتكرُ الرسنْ
يشدو بأجملِ وحدةٍ في الشرقِ..
أغنيةِ الإمارات التي غزلتْ من الدنيا عجائبَ للزمنْ
من ينصف الموتى؟ ومنْ
يروي حكايةَ فارسٍ عنَّها ترجَّلَ
لم يزلْ بالروحِ يسكننا وغادرَ بالبدنْ
منْ خطَّ درباً للسلامِ وصارَ مئذنةً تشيرُ إلى غدٍ أحلى
غدٍ ما جاعَ غيمٌ فيه أو طفلٌ تخضَّبَ بالوهنْ
فكأن بي نصفَ اعترافٍ، نصفَ ما تَهَبُ الحقيقةُ
حين ينتظرُ الفجائعَ مؤتمنْ
أنا يتمُ قافيةِ العروبةِ
ليس لي شأنٌ مع الأطلالِ
كي أبكي على (سقط اللّوى)
لكنني أحني الجبينَ لكلِّ من سقطوا
لكي يقفَ الوطنْ

تجدد الشعر
شاع أن الزمن اليوم غير زمن الأمس البعيد، وأن الفكر قد تجدد ولكن الذي لاشك فيه أيضا أن الشعر مستمر يعيد بناء ذاته ويساهم هو أيضا في تجدد الفكر والخطاب، متلبسا بعصره، منغرسا في أعرافه الفكرية والفنية يفاوضها ويحاورها ويتفاعل معها، فهو لذلك منصرف عن الصيغ الجاهزة، ولذلك شاع في الدرس الحديث أن وحدة الخطاب في الشعر تتحقق على قدر تحقق هوية الذات المتلفظة وتنحسر بانحسارها، فهي تلازم هويته وإن لازمته الغيرية أيضا، ذلك أن الشعر وإن كان خطابا فإنه غير مفرد أو معزول، إن الآخر هو مقصّد القصيد وطلبته، وعمل الشاعر في اللغة هو سبيله إليه، فهو يرجو لاختياراته التداول حتى تجري مجرى الأنموذج الجديد، ولكننا نقف وقفة المدهوش أمام زمن اليوم مقابل زمن الأمس لنجد التشابه المخيف بينهما، وكأن الكثير من القصائد والأبيات التي قيلت بالأمس هي قصائد تحاكي اليوم، وقد تحاكي الغد كذلك؟! هل هي استدارة الزمن الذي يدور ويكتمل ليرجع لنقطة البدء ! أم أنه لا مجال لتغير الزمن إن كان النموذج الإنساني هو ذاته وعينه، ولم يطرأ عليه تبديل أو تغيير أو تعديل في فكره ووعيه !!
ألَقُ الطيور يمرُّ من لغتي
وحنجرتي مسلَّةُ عاشقين تمايلا طرباً
اكتسب «كريم»- وكغيره من شعراء الإمارات - هويته الشعرية من تجربته الذاتية، والزمن الذي كان فيه يمكن اعتباره ملمحاً ثانوياً لذاتيته التي ارتأت في تطويع اللغة سبيلا لعرض تلك التجربة للمتلقي، ومن الذاتية تتشعب مظاهرها وتتتوالد شيئا فشيئا كلما أخذتنا الصور والإيحاءات والدلالات من قصيدة لأخرى، فتارة نجد الذات تخاطب الأنا الشاعرة، وتارة أخرى نجدها ضائعة مشتتة، وثم تثور محاوِلة استرجاعها وانتشالها من الضياع، وأحيانا أخرى تقف الذات أمام الزمان بتحدٍّ غير مجد لترجع إلى الذات الحقيقية للشاعر:
قلْ عنه لملمَ آخر الأوراقِ
كي يملي قصيدتهُ ويكتبَ
أو لنكتبَ عن حكايتهِ إلى كل البشرْ
قلْ ما تشاء سوى الذي قد قلتَ ماتَ..
وغابَ عنا..
وهْوَ لما غابتْ الدنيا جميعاً قد حضر

وليس فكر الكينونة هو الذي وسم الفكر الحديث وإنما هي فلسفة الاختلاف، فقد انخرط هذا المفهوم في كل أنشطة الإنسان ومثّل العيار في اختبارها وحداثتها، وعُد الشرط فيها والشاهد عليها، والكائنات في ضوئها لا تكون إلا بما هي عليه من الاختلاف يقرّها إلا أنه لا ينصهر فيها، ويصدّعها حتى تنفتح على نفسها، فهو الأثر الذي يجلو المعنى ويعبر عن تنوع الواحد، وهو السبيل إلى تأسيس الهوية على أساس من لقاء الآخر، لذلك عُدت أزمة المثالية في العصر الحديث.
شاعرٌ علمني الشِّعرَ
ولم يحزنْ عليّ
لا ولم أعتبْ عليه
شاعرٌ أيقظَ عندي
شهوةَ الشعرِ ولم يُشفقْ عليّ
صرتُ من بعدكَ صوتاً شاعريا
ولقد أتقنتُ حزناً أمميا
دون أن أملكَ أحلامَ نبيّ
ها أنا أكتبُ كي ترضى عليَّ الناسُ
من بعدكَ
هل ترضى عليّ..؟

ونجد أنموذج المرأة هو نسق الوصف، والمكونات الموصوفة المعهودة في غرض الغزل: الوجه والخد والفم والثنايا والضفائر والجيد والبطن والساق واللحظ والأنف والخطى والنسب، أما الوصف فصريح، استقدم فيه الشاعر تجارب الأسلاف، وأدرك الشعراء أن إجراء التشبيه غير مجرى العادة هو مسلك من مسالك التصرّف. والشعر الذي يجري إلى غير وجهه الأول ليس خروجا عن الأصول أو قطيعة وإنما هو شعر قد انعقدت صلة حميمة بينه وبين اللحظة العابرة لملء ما فيها، فأفصح بذلك عن مرونة النموذج ويسر النقلة فيه، وهذا اللجوء للمرأة لا يعني الانفلات من وجوده، بل هي مرحلة كان فيها التمركز حول الذات ثم جاء الانفتاح وخروج من الذات للعالم، فهناك حركة جدلية بين الداخل والخارج، وإن الحياة الشخصية تأكيد للذات:
كانتْ إذا ما حدَّثتني
أستثيرُ ركابَها
كيما ألاقي دفئها وسحابَها
كانتْ إذا ما عاتبتني
خلتُ أنَّ الأرضَ ضيقةٌ
وأذكرُ لهفتي الكبرى
لتفتحَ بابَها
وعصرتُ خاصرة الشذى
وسترتُ عورةَ لهفتي
لما دخلتُ حجابَها
كانت إذا ما أغضبتني.. وهي لمْ
تغضب كثيراً
وأكتبها وتُلهمني
فأكتبُ فوق منتجعِ الرخامِ خطابَها
وقصيدتي الأولى لها

إن الفن صدق وحق وحب ونور وحرية، وهو كذلك تمرد ومحبة، وأفضى حضور الذات الشاعرة المتأثرة والمتشربة بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتاريخي والإنساني إلى حضور في التجربة الشعرية المتفردة والمتمردة. وإن الصراع هو ما يولد اللغة الانفعالية في الذات الشعرية، وهذه اللغة الانفعالية تعبر عن الذات الإنسانية وهو ما ينعكس على اللغة لإظهار دلالاتها التأثرية وارتباطها بالمشاعر التي تعبر عنها وكان الوقوف على الذاتية المبدعة التي خرجت من رحم تلك المسببات الداخلية والخارجية مع لفت الانظار نحو التمرد التصويري واللغوي والإيحائي والتخييلي الذي يجعل المتلقي يقف مشدوها أمام إبداعها وانسلاخها عن تقاليد وقيود يجدها الحداثي تقييدا للإبداع والحرية وهي تجربة تغيير للعالم لا محاكاة، وتجربة كشف عن وجود لا تجربة وصف لموجود، وتجربة تجاوز وصيروة لا تجربة جمود واستقرار، وتجربة خلق باللغة، لا تجربة تعبير باللغة.وهذا الإبداع من الذات الشاعرة لكريم معتوق جاءت استجابة لمأساة الخارج والداخل معا.
والولوج إلىى الذاتية في العمل الأدبي يطلب فكرا نقديا فلسفيا لسبر خفايا الخطاب الشعري، وهو كذلك مطلب ملح في ظل حضور المناهج والقراءات النقدية المتعارف عليها، لما يضفي على النص الأدبي إلى جانب القراءات الأخرى زخما وجمالا ورؤية نقدية متجددة، ووجدنا في شعر كريم معتوق كأنموذج من الشعر الإماراتي واضح معالم الذاتية لارتباطه بالذات، تلك الذات المبدعة التي استطاعت أن تضيف بصمة واضحة وثابتة في الشعر العربي.

اقرأ أيضا

عمران العويس.. سنديانة مؤرخي الإمارات