الاتحاد

ألوان

?واجب ?الأمة ?في ?ذكرى ?مولد ?خير ?البرية

في مثل هذا الشهر المبارك ربيع الأول، وُلدَ سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم-، فكانت هذه الولادة رحمة عامة للإنسانية كلها، حيث وُلد النبيّ الأميّ الذي بَشَّرَ به الأنبياء الكرام - عليهم الصلاة والسلام-، فقد وُلِدَ هذا النبيّ الأميّ الذي دعا ببعثته أبو الأنبياء، سيدنا إبراهيم - عليه الصلاة والسلام-، كما في قوله سبحانه وتعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، «سورة البقرة: الآية 129»،
وُلِدَ النبيّ الأميّ الذي أخذ الله له الميثاق على الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام-، أن يؤمنوا به وينصروه، ويكونوا في جملة أتباعه الصادقين إذا هُمْ أدركوه، كما في قوله سبحانه وتعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ)، «سورة آل عمران: الآية 81».
علينا في هذه الذكرى العطرة أن نؤكد على وجوب توقير الأمة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - وذلك باتباع سنته وتعظيم أمره وقبول حُكْمِه، تنفيذاً لقوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)، «سورة الفتح: الآية 8 - 9»، وجاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآيتين السابقتين: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)، أي إنا أرسلناك يا محمد شاهداً على الخلق يوم القيامة، ومبشراً للمؤمنين بالجنة، ومنذراً للكافرين من عذاب النار، (لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ) أي أرسلنا الرسول لتؤمنوا أيها الناس بربكم ورسولكم حقَّ الإِيمان، إيماناً عن اعتقاد ويقين، لا يخالطه شك ولا ارتياب، (وَتُعَزِّرُوهُ) أي تُفَخِّموه وتُعَظِّموه، (وَتُوَقِّرُوهُ) أي تحترموا وتجلُّوا أمره مع التعظيم والتكريم، .. (صفوة التفاسير للصابوني 3/219).
الاقتداء بصاحب الذكرى
في مثل هذه الذكريات الطيبة يُجدّد المسلمون اقتداءهم بصاحب الذكرى - وسَيْرهم على هديه - عليه الصلاة والسلام-، حتى يحققوا خيريَّتَهم في هذا العالم، لأنه لن تتحقق خيريَّتُهم إلا باتباع هديه وتعاليمه ، لقوله سبحانه وتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، «سورة الأحزاب: الآية 21»، كما تَوَعَّدَ الله سبحانه وتعالى المُعْرضين عن هديِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، المخالفينَ أمرهُ بالعذاب الأليم، كما في قوله سبحانه وتعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، «سورة النور: الآية 63».
التمسك بالوحدة
وفي هذه الذكرى الطيبة فإن الواجب على المسلمين جميعاً أن يكونوا أمة واحدة قوية متماسكة، حتى لا يكونوا لقمة سائغة للآخرين، فالواجب علينا أن نستجيب لدعوته - صلى الله عليه وسلم - وألا نتفرق وألا نتشرذم، وألا يحمل أحدنا حقداً على أخيه وأن نتحابب فيما بيننا، وأن نكون أمة واحدة، فسرّ قوتنا في وحدتنا وإن ضعفنا في فرقتنا وتخاذلنا، فالوحدة أساس كلّ خير في دنيا الناس وآخرتهم، وإن الفرقة أخطر الآفات التي تقضى على سعادة الناس، وترديهم في مهاوي التهلكة.
ومن المعلوم أن ديننا الإسلامي قد وثَّق صلات المسلمين بعضهم ببعض بلحمة أقوى من النسب، هي وحدة العقيدة، بما ينشأ عنها من وجدان مشترك، وتآلف وتعاطف، وتعاون وإخاء، حيث صهر الإسلام جميع الأجناس في بوتقة واحدة، فجمع بين أبي بكر القرشي الأبيض، وبلال الحبشي الأسود، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي جعلهم إخوة متحابين بعد أن كانوا أعداء متخاصمين، فالأخوَّة في الدين أعلى مراتب الإخوة وأعظمها وأكبرها، وهي رباط اجتماعي لا يماثله رباط آخر ولا يقاربه، وقد ضرب رسولنا للمؤمنين مثلاً يُعرفون به ويحرصون عليه، في قوله - صلى الله عليه وسلم-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، (أخرجه البخاري)، وبقوله أيضاً: «الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، (أخرجه الشيخان)، أولئك هم المؤمنون حقاً، الذين يتعاونون فيما بينهم على البرِّ والتقوى.
إن أمتنا العربية والإسلامية أحوج ما تكون إلى الوحدة والمحبة ورصّ الصفوف وجمع الشمل وتوحيد الكلمة.
التمسك بالأخلاق الكريمة
رفع رسولنا - صلى الله عليه وسلم - من شأن الأخلاق في حياة الإنسان، فدعا إلى الأخلاق الكريمة وحثَّ على التمسك بها، مثل: الصّدق والوفاء والعفاف، ودعا إلى توثيق الروابط الاجتماعية، مثل: برّ الوالدين وصلة الأقارب وطبّق ذلك عملياً، ونهى عن الأخلاق السّيئة وابتعد عنها وحذّر منها، مثل: الكذب والغدر والحسد والزّنا وعقوق الوالدين، وعالج المشكلات الناتجة عنها.
إن الواجب علينا أن نسير على الهَدْي القرآني، وأن نتبع التوجيه النبوي، وبعد ذلك نثق بأن رحمة الله سبحانه وتعالى ستشملنا بفضله وكرمه سبحانه وتعالى، فرحمة الله واسعة، كيف لا؟! وهو الرحمن الرحيم، فرحمته سبقت غضبه، وحلمه سبق مؤاخذته.

اقرأ أيضا