ثقافة

الاتحاد

ملاحم «أوغاريت» ومصارعة الأهوال

لكل أمة من الأمم القديمة عصر بطولة يظهر فيه مجموعة من الأفراد المتميزين الذين يحملون، من دون غيرهم، مهمة صياغة الشعور الجماعي وبلورة شخصية الأمة أو الشعب الذي ينتمون له. ووجدنا أن بعض الملاحم التي عثر عليها في أوغاريت «مملكة قديمة في سورية» يمكن أن تحقق هذا الغرض، فهي تروي حكايات ملوك وحكماء وأبطال ينحدرون من الآلهة ويقومون بأعمال جليلة.

ربما كانت أعمال بعضهم «مثل الملك الكبير» عبرة من عبر التاريخ، لذلك جاءت قصص هؤلاء أقرب إلى الملاحم الصغيرة التي شاعت في حدود منتصف الألف الثاني قبل الميلاد والتي لا نجزم بوجودها في التاريخ، بل هي نسج بين الأسطورة والتاريخ، أو ما عبرنا عنه بالمثولوجيا التاريخية التي تميل نحو الملحمة أكثر من ميلها نحو الخرافة، وسنستعرض قصص أربعة من هؤلاء:

1.كِرت:
ما زالت ملحمة كرت ناقصة؛ إذ لم يُعثر على بدايتها ونهايتها ولكنها تخبرنا في ثلاثة ألواح من أوغاريت عن قصة كرت (ملك خوبور) المفجوع بموت عائلته وأولاده ومرضه وعصفت الكوارث بجميع أفراد أسرته، وزوجاته السبع فُقِدْن تباعاً من دون أن يرزق منهن بولد يرثه على العرش، فبقي وحيداً يسأل الآلهة أن ترزقه ابناً، فيظهر له إيل في المنام ليواسيه ويطلب منه الاغتسال وتقديم الأضاحي والقيام بحملة عسكرية على مملكة (آدوم) على أن لا يقبل من ملكها أي تنازلات أو إغراءات، ويصر على طلب يد ابنته (حورية) التي ستعوضه عائلته الأولى التي تبددت وتنجب له الأبناء.
ويفعل كرت ذلك ويعود إلى دياره ظافراً بشرطه، حيث ينعقد مجلس الآلهة وبينهم إيل الثور، وبعل الظافر، والأمير القمر، والأمير رشف، وكوثر- حاسيس، وعناة التي تدعى هنا رحمايا، أي إلهة الرحمة والمحبة. ثم يعلن إيل مباركته لزواج كرت ويتزوج حورية وينجب (ثمانية أبناء) ولدين منهم (يصيب) وبنات أصغرهن (ثتمانه) التي يعني اسمها (الثامنة) التي نالت حق البكورية أي: (مساواتها مع يصيب).
مرت سبع سنوات برّت الآلهة بوعودهم لكرت، ولكن عشيرة لم تنسَ نذر كرت الذي لم يفِ به، وأرسلت عليه مرضاً أقعده على فراش الموت. وأصيب كرت بعد سبع سنوات بالمرض وكاد ينهي أمره، فيعجب لذلك ولده يصيب لأن كرت نصفه بشر ونصف إله ولا يناله الموت، ويتدخل الإله إيل ويستدعي أولاً الإله (الش) وهو الإله الصانع أو النجار الذي يستنزل المطر عن طريق تعاويذه ليقوم بدوره في شفاء كرت وإعادة الخصب والوفرة للملكة، وبعد أن يسأل الإله إيل الآلهة سبع مرات يتدخل هو فيشفي كرت، لكن ابنه (يصيب) يطلب من كرت أن يتنازل له عن العرش، فيغضب منه بشدة ويدعو الآلهة لمعاقبته ولا نعرف بقية القصة.

2. دانيال:
عرفنا أن كرت أنجب أبناءً، منهم دانيال الذي تحدث عنه نص من نصوص أوغاريت حول دانيئل (أو دانيل)، الذي يمكث في معبد، ستة أيام. الرجل الصالح الحكيم دانيال كان يخاف آلهته ويقدم لها الأضاحي ويقيم الشعائر الخاصة بأسلافه الموتى، ويعمل على حماية والده ضد الأعداء ويحافظ عليه ويغسل ثيابه، ويشارك في ولائم بعل في معبد الإله بعل، وكان يقيم العدل بين الناس لأنه كان قاضياً معروفاً، ولكنه كان يبتهل دائماً إلى الآلهة لأن ترزقه بولد يخلفه وبعد سبعة أيام من الابتهالات المتواصلة للإله بعل، يرق له قلب هذا الإله ويتوسطه عند الإله إيل ليمنحه الخصب، ويتم له ذلك فتلد زوجته ولداً يسميه (إقهات).

3. إقهات:
يقيم دانيال احتفالاً بمناسبة ولادة ابنه إقهات لمدة سبعة أيام تحضره (كوثرات) إلهة الولادة والنسل إكراماً لها. وذات يوم رأى دانيال الإله (كوثر) إله الفنون والحرف، يحمل قوساً مدهشاً ويقترب منه، فدعاه إلى بيته وأمر زوجته (دينيتيا) لتعد وليمة فاخرة له أهدي في نهايتها الإله كوثر القوس إلى دانيال، فقام دانيال بإهداء هذا القوس إلى ولده اليافع (إقهات) ليتعلم به الصيد والقنص في البراري.
وعندما شاهدت الإلهة (عناة) هذا القوس بيد إقهات حاولت إغراءه بالفضة والذهب ليعطيه لها، لكنه رفض بحزم وعدد لها فضائل هذا القوس المصنوع من خشب أرز لبنان وأوتار الثور البري وقرون الماعز الجبلي وأوتار ركب الثيران ومن القصب، ونصحها بأن تجلب هذه المواد إلى الإله (كوثر) ليصنع لها مثل هذا القوس، لكنها أصرت على امتلاك هذا القوس بالذات وعرضت على إقهات بأن تمنحه الخلود مقابل ذلك فردّ عليها إقهات، بحزم أيضاً، وقال لها بأنه لا يفضل الخلود ويود أن يعيش مثل الناس واتهمها بأنها لا تستطيع ذلك أصلاً، ثم أنها لا تعرف استعمال القوس فلماذا تريد ذلك؟
فسخرت عناة منه وذهبت إلى (إيل) وهددته بأن تخضّب شعره الأبيض بالدم إن لم ينتقم لها من إقهات، فرضخ إيل لذلك وسخّر لها الكائن (يطفن) ليقتل إقهات. فمسخت عناة يطفن وحولته إلى عقاب وخبأته في حزامها وطارت به مع سرب من الصقور فوق رأس إقهات، وانطلق يطفن كالبرق، وبدلاً من أن يخطف القوس خطف روح اقهات، فبكت عناة على ما فعلت؛ إذ لم تكن تقصد قتله، بل خطف قوسه الذي انكسر هو الآخر واختفى.
وهكذا تجدب الأرض وتجف النباتات، ويحل القحط بسبب موت إقهات. وعندما يعلم دانيال ويرى الصقور وهي تحوم في السماء ينتابه البكاء والحزن، ويمزق ثيابه متضرعاً إلى السماء لتنجده بالمطر المحبوس في السماء. وهنا تشاهد ابنته (يوغات) والدها والعقبان تحوم حوله وهو ممزق الثياب فتجهش بالبكاء، ثم يمتطي حماره ويتجول في الحقول الميتة عطشاً، ويمسك سنبلة بيده مداعباً إياها ومتمنياً على (إقهات) أن يجمع سنابل الحقل ويخزنها في المستودعات، فيتقدم إليه الخدم يبكون نادبين فيقسم دانيال أن ينتقم من القتلة شر انتقام.
ويقدم دانيال بالدعاء إلى بعل ليكسر أجنحة الصقور التي تحوم حوله، فيفعل بعل ذلك، وتسقط الصقور عند قدميه ويبحث في بطونها عن رفات ابنه وعظامه ليدفنها في قبر يليق به ويفشل، في بداية الأمر، ثم يعثر عليه في أحشاء الصقر (صمل) ويدفن رفات ولده ويهدد بقية الصقور بأن بعل سيكسر أجنحتها أن هي حامت فوق قبر ولده، ثم يعود إلى قصره ويأمر بالحداد على ولده سبع سنوات.
وتقوم (يوغات) أخت (إقهات) بالدعاء إلى الآلهة لتأخذ بثأر أخيها فتتبرج بالمساحيق وتعطر نفسها وتلبس عدتها المحاربة وفوقها الملابس النسائية، وتذهب إلى مجموعة من البدو ليدلوها على كائن اسمه (يطفن) قد يقوم بمساعدتها في ذلك فتلتقي به من دون أن تعلم أنه قاتل أخيها ودون أن يعلم هو أنها أخت القتيل، ويستضيفها في بيته ويخبرها بأنه قاتل إقهات فتعطيه الشراب، حتى تتمكن بوغات من قطع رأس يطفن بالسيف الذي تخبئه تحت ثيابها. وهناك ما يشير في نهاية الملحمة إلى بعث إقهات (الذي ربما كان بعثاً رمزياً). وعودة الاخضرار للمراعي والخصب للحقول والحياة.
وربما أشار ذلك في بعض من الوجوه إلى أن هؤلاء المنحدرين من أصل إلهي يشكلون ما اصطلح عليه بـ (عصر البطولة الكنعاني) حيث تنتج الأمة في عصورها الذهبية القديمة سلالة شبه إلهية من الأبطال والحكماء والملوك يشكلون مادة عصرها البطولي، وهو ما حصل مع عصر البطولة السومري المكون من (مسكيكاشر، ثم انمركار، ثم لوكال بندا، ثم جلجامش) وعصر البطولة الإغريقي وغيرها.
ثم إن هناك أبطالاً فينيقيين مثل قدم وفينيق وأوربا...إلخ، مثّلوا عصر البطولة الفينيقي، لكن إيل أنجب هذا الجيل من العصر البطولي الكنعاني.

4. الملك الكبير:
ملحمة كبيرة عثر على نصوصها الطينية في أوغاريت «رأس شمرا» وقام بترجمتها ودراستها العالم هـ. ي. ديل ميديكو.
أما الجزء الخاص بملحمة (الملك الكبير) فهو نص كتبه كاهن أوغاريت الأكبر رئيس مقدمي القرابين والمطهرين المدعو (إيلي ميلكو) وكتبها بناء على أمر الملك الأوغاريتي (نيقمد) خلف الملك الكبير، وقد أطلق عليها إيلي ميلكو اسم (اللآلئ) ليشير إلى (المرأة ذات اللآلئ) المقربة من الملك الكبير والتي لعبت دوراً كبيراً في حرف ديانته من عبادة إيل إلى عبادة بعل.
ويرجح ميديكو أن المقصود بـ (الملك الكبير) ربما كان ملك أوغاريت (يربعل – ابيمالك)، ويركز على (ابيمالك) ضمن استنتاجاته الخاصة بذلك لأنه يسبق (نقمد) الذي أمر بكتابة قصة سلفه ليكون عبرة لمن اعتبر، خصوصاً أن هذا الملك حكم أجزاء كبيرة من بلاد كنعان.
وخلاصة الملحمة أن الملك الكبير كان تعرض إلى كارثة حربية وغضب فيها الإله بعل على الملك والبلاد، وسلط عليه أتباعه الكروبييم كي يصرعوه، وبعث له بسريه (محظية) أجنبية تحرضه على تغيير معتقداته الدينية من الإيمان بالإله (إيل) الذي يدين بعبادته الشعب ويعتبر نفسه شعب إيل إلى الإيمان بالإله (بعل)، وهكذا شن الملك الحرب على إيل وأشيرة، وترافق ذلك مع هجوم بعض القبائل على فلسطين مما اضطره للانكفاء على المدن الشمالية التي كانت تعبد (بعل)، وأراد الملك أن يوحّد العبادة نحو طقوس بعل. وتحاول عناة أن تتدخل عند الإله إيل ليرفه عن الملك، لكن الملك كان قد فتح (بيت اللعنات) وأعلن إلحاده بالإله إيل.
ويبدو أن الملك خسر أمام قوة أجنبية أخرى وخذله حلفاؤه، وهكذا سقطت البلاد في الفوضى والخراب، فلا يجد الملك سوى عناة يركع عند قدميها، خصوصاً أن إيل مد يده المنتقمة حتى أحشاء القصر الملكي فتبددت ثروة العاهل في الذل، وقامت عناة بالتأكد من خراب المدينة بمحراثها (قرنها) وأجنحتها حيث تتجول في سماء المدنية، وتدهورت أمور الملك الكبير أكثر من ذلك، فقام يؤدي طقوس التوسل لبعل وهو عارٍ ليعينه على وضعه. وفي هذه الأثناء هجم أعوان (عبدي عشيرتا) وهو ملك عمورو المسمون (الأشرتيم) وهنا تظهر عشيرة لتنصح الشعب بأن يصهر ما يملكه الملك من ذهب وفضة تماثيل الآلهة الأجنبية ليسدوا بها حاجة الحرب. وعلى الملك أن يذوق طعم الجوع ليشعر بالآم الناس.
وبدلاً من أن يستجيب الملك لهذه الطوارئ، نراه يرفض ذلك وينغمس في شرب الخمر ويرمي بتماثيل أجداده في النار. وهكذا تغرق البلاد في الشقاق والمجاعة ويتظاهر الشعب أمام قصر الملك ويقترح بناء معبد لبعل، إذ ربما لكونه لا بيت له، فإنه فعل كل هذا بالبلاد، ويستحسن إيل هذا المقترح، لكن الملك رفض ذلك وزاد كنوزه واعتمد على شعوب مريام الشمالية، بل إنه تمادى في غيّه ومن أجل أن ينفرد بالثروة قتل إخوته وكل ذكر في عائلته.
وفي جلسة أشبه ما تكون ببيع النفس إلى الشيطان، يدعو الملك، ملك الأموات، وبعل ويتوسلهم أن يطهروا قصره، لكنهم لا يصغون إليه، فيقوم الملك بإحراق القصر وتحترق كنوزه كلها ويستمر الحريق سبعة أيام، ويعمد الملك في نوبة غضب إلى ذبح ورجم مواشيه وقتلها، وتسوء الأمور أكثر ويخذله الحلفاء والشعب ولا يبقى أمام الملك سوى انتظار الموت، إذ هو غير قادر الآن على العودة لعبادة إيل، وبذلك يغرق في الشراب ويغضب جميع الآلهة عليه بما فيهم بعل وعناة، وعندما يضع الملك التاج على رأس السرية الأجنبية ينتهي كل شيء.
وتبدأ جموع الشعب بالزحف إلى قصره، بينما الملك الكبير يطلب من بعل أن يبعث من الموت إخوته الصغار. فيتضايق الشعب إثر ذلك، معتقداً أن أمراً ما سيقع، وهكذا تهجم جموع الشعب على الملك وتضربه وتعضه فيُطرح أرضاً ويدوسه الناس وينزف حتى الموت وهو يسمع تهكم الناس من حوله. ويرحل إلى العالم الآخر مرافقاً الأبالسة وحارسي الأموات، حيث تنحدر روحه نحو المهاوي.
وهكذا توضح لنا هذه الملحمة قصة ملك متجبر يحتقر الشعب ويشغله بحروب خاسرة ويزيد من جوعه وعذابه، ويترك عقائده، ويصغي لملذاته حتى يأتيه عقاب الشعب الذي يقتله علناً. ويبدو أن الملك (نيقمد) يأمر الكاهن (إيلي ميلكو) بكتابة هذا النص ليكون عبرة للملوك القادمين، رغم أن نيقمد يخصص ضريحاً جديداً للملك الكبير الذي ذهب إلى الظلمات احتراماً منه لتقاليد دفن الملوك السابقين.

اقرأ أيضا

المنصف الوهايبي لـ «الاتحاد»: أميل إلى «التفعيلة» ولا أكره «النثر»