صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

«تماس» في الظل بين المرأة والرجلن

رغم نجاح المرأة في تفجير القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة فإنها لم تتخلّص نهائيّاً من معاناتها الشّخصيّة، فنراها تحمّلها معظم كتاباتها التي تخفي بين السّطور رائحة صراع أبديّ بين جنسين تجمع بينهما مشاعر متناقضة، كالحب والكراهية والرّغبة في الحريّة والتملّك معاً. ولأن الرّجل هو الذي تعوّد على اضطهادها وتطويعها إلى رغباته فقد انشغل بتطوير أساليب مبتكرة تمكّنه من ذلك حتّى في ظلّ القوانين الجديدة وإذا أصبح لا يقوى على جرّها من شعرها إلى مقصورته عن طريق عقد زواج يبرم بينه وبين أبيها فهو قادر على سحبها من رموشها فوق بلّور الشاشات وعلى أغلفة المجلاّت المختصة في الموضة والإعلانات، مجردةّ من كلّ حياء أو كرامة ومحض إرادتها. ولأن المرأة المبدعة تعدّ نفسها مسؤولة أمام هذه القضايا وغيرها فهي تشهر قلمها متوعدة، متحدية تارة وشاكية، باكية تارة أخرى وفي الحالتين تبقى صورة المرأة غائمة غير جلية تقبع في ظلّ الرجل، من هذا المنطلق ندخل عوالم رواية التونسية عروسية النالوتي التي حاولت التغريد خارج السرب لكنّها لم تفلح في ذلك رغم إصرار بطلة روايتها هذه على مواصلة الصراع إلى النهاية، رافضة إعلان خنوعها واستسلامها إلى القدر المحتوم، والهزيمة المنتظرة...

شخصيات مأساويّة
إن شخصيّات “تماس” شخصيات مأساوية تطاردها المصائب دون أن تكون متسبّبة في ذلك أو ارتكبت أيّ فعل شائن تستحقّ من أجله عقاباً بل عن طريق خطأ يتسبّب فيه الآخر أو الآخر المتمثّل هنا في المجتمع وقد رأينا في هذا النصّ ما يبرّر حتى تسلّط “قاسم عبد الجبّار والد زينب” الذي نشأ في حضن أم متسلّطة أرغمته على التجرّد من مشاعر الأبوّة ومن واجبه تجاه زوجه. فيصبح بالنسبة له من العار أن يجهر بها حتى بعد موت والدته، وهذه الصورة تحيله إلى شخصيّة مرهوبة، لكنها تخفي داخلها ذاتاً هشّة تجلّت عندما عانقته ابنته: “فعانقها بشدّة وهو يطلق العنان لشهقاته المكتومة، كطفل يلوذ بحضن أمّه، واستغربت “خديجة” لانقلاب الأوضاع... ولم تعد تفهم شيئاً فقد تحوّل زوجها إلى طفل وديع يشكو يتمه لأمّ هي ابنته، وغدت ابنتها التي لم تعرف معنى الأمومة بعد إلى أمّ عرّيفة بحاجات الولد إلى أمّ سخيّة تحضن و تمسح ما ترسّب في النّفس من أكدار”.
وخضوع “خديجة” ولّد ثورة وغضب لدى ابنتها زينب التي استمدّت رفضها وتمردها من تلك المعاناة، معاناة “خديجة “التي ظلّت مستسلمة لآلامها وكأنّها أيوب يتلذّذ جراحاته النازفة. إن شخصية “زينب” المنفصمة قد تشظّت وانقسمت إلى شخصيات متعددة تشترك في المعاناة وتحمل الملامح نفسها وتمتزج داخلها المشاعر وتختلط فهي غير قادرة على التمييز بين المحبّة والكراهية، بين الزواج والعبودية. وبقدر ما يتفجر في روحها عشق الآخر بقدر ما تكبر في كيانها الرهبة والخوف على حريتها منه ومن هنا تكتسب الخشية من الارتباط والتقيد بعقود ومواثيق رسمية تبعث فيها الإحساس بفقدان الذات المستقلة، الطليقة، كما أن الزواج بالنسبة لزينب أصبح بمثابة السجن أو الكابوس الذي يقود إلى الموت: ألم تمت أمها بسبب رجل اسمه زوجها؟ ألم تر رجالًا يضجرون من نسائهم يركضون وراءها طالبين ودّها، هل سيكون حظّها أفضل من حظّ “مونيك” التي أصبحت تغار حتى من ابنتها “ناديا” المفضّلة لدى أبيها وهي علاقة بين أب وابنته. كانت “زينب” تحلم بها وتحسد “ناديا” عليها “هل كان يراني مخلوقاً مشوهاً إلى هذا الحدّ؟ وإذا كان الأمر فعلًا كذلك، فمن سيغامر ويحبّني عوضه؟ وأين سأجد هذا الأب الذي تعبت من البحث عنه بلا طائل. إن يقبل أن يعيرني أباه؟”.
إذا فالحرمان هو الخيط الرّابط بين شخصيّتي “قاسم وزينب”. الأول حرم من حنان الأم فتحول إلى شخصية مريضة تفرض هيمنتها على من معها وتعذّبه بينما تحمل في داخلها روحاً معذّبة، هشّة تحلم بالانعتاق والثانية حرمت من حنان الأب فخرجت تبحث عنه في رجال آخرين لهم بنات يغدقون عليهن حنانهم بسخاء فحاولت تجريدهن من آبائهم وتجريد أمهاتهن من أزواج طيّبين لم تحض “خديجة” أمها بزوج مثلهم...
ومثلما ركّزت على الطفولة ودورها في بناء شخصيّة الإنسان، اهتمت المؤلّفة بالموروث وما يسبّبه من اختلال وتشويه لطبيعة الكائن الذي يخلق جميلاً، رائعاً ثم يتحول غصباً عنه إلى شخص مريض تكبّله العقد.
لم تكشف المؤلفة عن جانب واحد من معاناة المرأة بل توسعت في وصفها وتطرقت إلى كل القضايا المحيطة بها. لكنّها رغم تحريرها لبطلة روايتها استطاعت أن تمنعها من التهور وارتكاب جريمة في آخر الرواية.
لم تشأ عروسية النالوتي أن تختم نصّها بقتيل وقاتل، فجعلت “زينب حسّان” تفقد السيطرة على قبضتها فينزلق “قاسم” من بين أظافر “زينب عبد الجبّار”، ويفسّر ذلك رغبة “زينب حسّان “في قتل الأب المتسلّط بيد ابنته المعذّبة “زينب عبد الجبّار”، التي تتخلّى في اللّحظة الأخيرة. “لكن زينب في الحقيقة تريد أن تحب عبد الجبار أن تلتقي به أن تتحدّث إليه ويتحدّث إليها بلا وسائط ولا حواجز... فهو جزء من حكايتها وهي جزء كبير من حاضره”. توضّح هذه الفقرة رغبة “زينب” في لقاء الأب الذي بقيت تلاحقه كسراب في وجوه رجال كثيرين.
“الآن فقط وقد حملتك كما لم تحملك أنثى من قبل، أتحرر منك لأردّك إليك كما لم تكن”.
هكذا تسقط “زينب” حملها وتتخلّص من وجوهها المتعدّدة لتتحرر من الرجل كأب وكحبيب وتحرّره أيضا لعلّه ينسى ثأراً كامناً فتستقيم العلاقة بين الجنسين.

الزمان والمكان
أخذ الماضي في هذا النص يتقدّم حتى تجاوز الحاضر إلى المستقبل وذلك تجلّى من خلال الاسترجاع والاستذكار لأحداث جدّت خلال فترة الطفولة: “للصخر همسه. للصخر هلوسته. للصخر نداءاته البعيدة، المدويّة في الفضاءات السّحيقة الفارغة إلا من الذكرى وحكايات الإنسان الذي كان هنا زمن ثم عبر و ترك شرط الوجود والعلامة”.
تحيل هذه الفقرة على ماض وحاضر ومستقبل وقد انطلق ذلك في الحاضر من خلال هلوسات الصّخر ونداءاته: ماض بعيد، ينضم إلى ماض قريب ويشكلا معاً الحاضر والمستقبل، الذي يعبر على جسر استمرارية الحياة المتصلة بوجود الإنسان في تلك المساحة من الأرض وطالما أن الإنسان يحافظ على وجوده من خلال التناسل والتكاثر والتوارث فإن المكان لم يزل هناك يواصل احتواء رائحة من مروا ويتهيّأ لاحتضان القادمين.
أما زمن الرواية فهو امتداد للمكان، سواء كان ذلك من خلال الأمكنة الفعلية التي احتضنت الأحداث والشخصيات أو من خلال الفضاءات المستترة التي تعكسها الأصوات والروائح وبعض الحركات الأخرى، ويضاف إلى هذين الحيزين حيز آخر يكمن في الذات طالما أن شخصيات “تماس” تحيا خارج ذواتها وذلك قد يعود إلى تذبذبها وانفصامها الذي جعلها ترتدي أقنعة متعددة تواجه من خلالها مواقف الحياة المختلفة بينما تخفي في جوهرها ذاتاً أصيلة تنمو انفعالاتها أو تتشوّه تبعاً لعلاقتها بالزمن وحركتها في أبعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. كما أن زمن هذا النص يضبط إيقاع سرعته تمشياً مع الحالة النفسية للشخصيات فهو سريع متدفق في حالة الاضطراب والفرح وبطيئاً في حالات اليأس والانتظار وقد كانت أطول فترة أو مرحلة في هذه الرواية، تلك التي شملت مرض “خديجة” واحتضارها.
مثلما كان الزمن نفسياً كان المكان أيضاً تابعاً لما تشعر به الشخصيات داخله، فالمنزل يتحول إلى سجن خانق بالنسبة “لخديجة”، المرأة المضطهدة التي حكم عليها ألاّ تغادره إلّا إلى القبر.
فيصبح المنزل يشبه الضريح في وحشته وسكونه وينطويان معاً على رائحة الموت. كما أن المكان في هذا النص لم يكن إيجابياً بل كان سلبياً لأنه لم يفلح في التأليف بين الشخصيات، ومن هذا المنطلق وجدت تلك المسافة التي تبعد بين الزوج وزوجه والأب وابنته والصديقة وصديقها... وبالتالي لم يساعد المكان الشخصيات في إدراك ذاتها لأنه لم يوفر لها فرصة الاتصال المتجدّد بما يحيط بها فانكفأت تبحث في أعماقها عن بديل لم تطله التشويهات ولم يتسرب عذاب العزلة إليه بعد.
“أهم شيء هو أن نلتقي نحن وقبل أيّ كان بأنفسنا عبر ما نقول ونصنع”. تؤكد هذه الجملة ما ذهبت إليه من أن الانفصال عن الذات يبدأ بالانفصال عن الآخر حتى وإن كان هذا الآخر يسكن الإنسان فهو يفتح أمامه نوافذ يدخل منها إليه عن طريق المناجاة.
رغم تقيد المؤلفة بمقاييس الرواية التقليدية سواء على صعيد الشخصيات التي حملت أسماء حقيقية وملامحا وأدواراً في الحياة. أو على صعيد السرد الذي تطور حسب نسق صاعد تطورت خلاله الأحداث وتوالدت تباعاً، نجحت عروسية النالوتي في توليد الشخصيات بجعلها الوجوه والأنفس تتناسخ من أجل أن توضح مدى انفصام الإنسان وتمزقه. كما أنها جعلت هذه الشخصيات تشترك في المشاعر. فيصبح الجلاّد ضحيّة والضحيّة جلاّداً، رافضة تزيين نصها بأمل مخادع، مفضلة الصراحة والمواجهة على الكذب والزيف، لإدراكها أن المأساة لا يكون الخلاص فيها إلا عن طريق الألم والصراع والموت. والموت في هذه الرواية لم يكن ذلك الوحش الكاسر الذي يختطف زهرة الروح، وإنما كان مخلّصاً رحيماً جاء يخلص امرأة معذبة في وضع “خديجة” من آلامها.