محمد وردي (دبي) يشهد معرض «سكة الفني» للفنانين المعاصرين الذي تنظمه هيئة دبي للثقافة والفنون، وجرى تمديده مؤخراً إلى منتصف الشهر المقبل في حي الفهيدي التاريخي بدبي، لتزايد رواده يوماً بعد آخر، فعاليات وعروض وبأشكال ومستويات فنية مختلفة، بعضها غير مسبوق، سواء من حيث الفكرة، أو لجهة طريقة التنفيذ. فمن «قاعة الأماني» أو التمنيات، التي يخطها الزوار بأنفسهم، وتُعلق بخيوط متدلية من السقف، بأطوال متباينة، ما يحيل المشهد إلى بستان فراشات بيضاء. إلى معارض التشكيل والتركيب والموسيقى والشعر والرقص التعبيري على إيقاع الألوان والظلال والأضواء، التي تستوحي التراث. بالإضافة إلى تجارب الرسم بأبعاد رباعية، كما في جناح «فن الظلال» لميسون مصالحة وبسام السيلاوي من «مركز أبوظبي للفنون»، وأيضاً تجربة الفنانة التشكيلية ليز راموس من البيرو، حيث تقدم أربع لوحات على الخشب تجسد فيها المرأة بمستويات جمالية مختلفة. وتتدرج كل لوحة بتفاصيلها على مستويات تتكامل مع بعضها البعض في الدلالات والرموز، لتشخيص المرأة بفطرتها أو طبيعتها الأنثوية الأولى، أي بمعنى أنها مهما غالت في استخدام «الماكياج»، أو الإخفاء والتلوين، تبقى عينها هي موطن جمالها وأسرارها في آن واحد. ومن ضمن الأجنحة اللافتة، معرض الفنان سعيد بن غليطة، الذي يضم سبعاً وأربعين لوحة، بالإضافة إلى سبع وعشرين منحوتة وأعمال فخارية أخرى، هي بمجملها حصيلة إنتاج ثلاث سنوات، حيث تنوعت أساليب اللوحات من الكلاسيكي والتعبيري إلى التجريدي الحروفي والخطوط بأنواعها المختلفة، حيث اللعب على الخطوط والفراغات والزوايا والانحناءات يذهب إلى أبعد مدى. فبدت لوحة «خلقت بسيطة ولابد أن نعيشها كما خلقت»، وكأنها حكاية الفن المشبع بالفلسفة الجمالية العميقة. ويعرض غليطة بغرفة خاصة، أربع لوحات حروفية من القياس المتوسط والكبير، هي آخر أعماله الفنية، وتدور حول مطالع قصائد، وأقوال لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي. علامة مميزة ولعل إحدى العلامات المميزة ببعدها الإنساني الشفيف، تكمن بجناح «آنا موزنجو» أو «الحياة حلوة»، الذي يضم مجموعة من الصور، تنطوي على دلالات غير متناهية بأبعادها الأخلاقية والإنسانية، ويدعمها فيلم وثائقي، يسجل إضاءات مشرقة على قوة الحياة من قلب العدم، أو الأمل من رحم الحرمان ومرارة الواقع. أو كيف يمكن للإنسان أن يكون سعيداً في مستنقع الحرمان والتعب والشقاء. إنها فكرة فلسفية عميقة تدعو للتأمل والتفكير الطويل في المصائر الإنسانية ومآلاتها الوجودية. تقوم أعمال الجناح على حصيلة تجربة استمرت شهراً كاملا، خاضتها سبع فتيات إماراتيات، هن أسماء بو خماس، وراما حسام الدين، وجودي محفوظ، والعنود بوخماس، ونور عبد الحميد، وستارا إبراهيمي. وبدأت الفكرة عندما قررت الفتيات القيام بعمل إنساني تطوعي، يقدم لمسة إنسانية لمن يحتاجها. ولما كانت الفتيات بمعظمهن من الطالبات الجامعيات، فمن الطبيعي أن لا يكون لديهن، أكثر من معرفتهن وخبرتهن التعليمية، فكان قرارهن بالسفر إلى بلدة أفريقية ريفية معدمة لتعليم أطفالها الإنجليزية. وهكذا كانت الرحلة إلى قرية جامبياني في أرياف زنجبار بتنزانيا، وبدأت التجربة في التعليم لمدة أربع ساعات يومياً في ما يشبه الحضانة، التي هي عبارة عن سقف وجدران متهالكة، فعملن على تجديد أرضية الحضانة، وأضفن إلى الحصص الإنجليزية حصصاً أخرى إسلامية، كون راما حسام الدين دارسة للعلوم الدينية. قد لا يكون ما قدمته الفتيات كبيراً بالمعنى الشائع للأعمال الإنسانية، إلا أنه على بساطته ومحدوديته، بث بهجة عميقة في نفوس الصغار والكبار من أبناء البلدة، وحول أيامهم إلى ما يشبه العيد طيلة الشهر الذي قضينه هناك، على الرغم من البؤس والشقاء الذي يلف حياتهم المغرقة في بدائيتها، كما تقول أسماء بو خماس، التي التقيناها مع زميلتها راما حسام الدين في الجناح، حيث أكدت الشابتان أن لمسة حانية صادقة على ضآلتها، هي كافية لزرع البهجة والأمل والحلم في نفوس وأرواح أطفال أجهضها الشقاء. وتقول بوخماس عن خلاصة تجربتها في جامبياني، إنها بقدر ما كانت تُسعد أولئك الأطفال، كانت هي شخصياً تشعر بفرحة لم تعرف معناها من قبل، بل تظن أنها خلقت من جديد، لأنها استعادت إنسانيتها، التي كاد التشيؤ المادي يشوهها، وسط حياة متسارعة محكومة بثقافة الاستهلاك. وتضيف أنها أدركت من خلال هذه التجربة، قيمة النعمة التي يفيض بها سبحانه وتعالى «علينا في الإمارات». وتعبر راما حسام الدين عن دهشتها من تعايش الأطفال مع هذا الواقع الاقتصادي المؤلم، «حيث لا ألعاب لديهم، إلا ما يصنعونه بأيديهم، ولا مدارس مؤهلة، وأحياناً هم أقرب إلى العراة الحفاة، ومع ذلك تملأ نفوسهم وقلوبهم الفرحة والسعادة، وكأنهم يعيشون في نعيم ما بعده نعيم. متسائلة من أين لهم كل هذه الطاقة على الفرح؟». وتدعو الفتيات جميع الشباب الإماراتيين إلى أن يقبلوا على التطوع خارج الدولة، «لأن تجربة العطاء، ربما تُغني الإنسان عينه، أكثر مما تقدم للآخرين» حسب تعبيرهن. وتوجهن بالدعوة إلى الشركات الخاصة والرسمية لتسهيل القيام بالأعمال الإنسانية، لأنها تخدم أنسنة المجتمع وتساعد في بناء قيم التسامح والتلاقي مع الآخر بانفتاح. ويشارك في «معرض سكة الفني» أكثر من خمسين فناناً إماراتياً ومحلياً من مختلف المدارس التعبيرية يمثّلون خمساً وعشرين دولة، تم تكليفهم بتنفيذ أعمال فنية خاصة بمختلف المواقع ضمن المعرض.