حصلت على شهادة الأيزو في مجال البربشة منذ ما يسمى جدلا بالطفولة (البربشة هنا هي انعدام الأناقة والتناسق في الملابس)، وقد تبينت مهاراتي في هذا المجال مبكرا، ولا علاقة لذلك بالفقر فقط، إذا رغم البؤس الذي كنا نحياه، إلا أن أخي كان يلبس برابيشه بأناقة مصطنعة. وقد استمرت حالة البربشة معي حتى ساعة إعداد هذا البيان، وهي تتسرب كالرائحة العشوائية في كامل تفاصيل حياتي، لكنها تتبدى أكثر وأوضح في مجال الملابس. رغم أني لست بخيلا، وراتبي يتطاير كالعهن المنفوش على أي شيء -أنا كائن استهلاكي- إلا أنني أتردد كثيراً جداً قبل شراء بنطلون أو بلوزة أو كندرة، حتى لو كانت من «البالة»، وأتحول إلى بخيل مخضرم يحرص على القرش أكثر من حرصه على حياته. هذه البربشة حولتني إلى كائن متلق للمعونات من الأقارب والأصدقاء، الذين يرسلون لي برابيشهم التي زهقوا منها -مجانا طبعا- فأنا حاليا أكتب وأنا أرتدي قميص عطا وكنزة عماد وبنطلون محمد يسار، وحينما يبرد الجو ارتدي معطف فارس، بالطبع فإن الأمر لم يصل بعد إلى الملابس الداخلية. متفق عليه بين الأصدقاء بأنني أرتدي ألوانا متناقضة ولا تصلح للتلبيق فيما بينها، لأن موضوع التلبيق هذا يتطلب منى إجراء تنسيقات عالية المستوى بين المانحين، وهذا مستحيل، إضافة إلى أنني لا أمتلك ذائقة لونية، صديقي عماد يتخلى عن جززايته الكحلية لأن بها ثقباً عند الكوع اليسار، وعطا يتخلى عن قميصه الأصفر لأنه عمل «ريجيم» قاسيا وصار كبيرا عليه، وهكذا مع الجميع. وقبل حادثة ربطة العنق كان أخي نبيل خير مورد لي للملابس المستعملة، وحصلت هذه الحادثة المشؤومة قبل درزينة من السنوات على الأقل، حيث إن أخي الأنيق أرسل لي بقجة من ملابسه التي هجرها بينها ربطة عنق صفراء، وبما أني لم أكن قط من ذوي البذلات وربطات العنق فقد أرسلت البقجة إلى إلى عائلة فقيرة كانت تحتضن طفلتي الأولى عند ذهابنا للعمل يوميا مقابل أجر مقبول. وفي المساء حينما جئت لاستعادة الطفلة لاحظت أن العنز الموجودة في الحوش ترتدي ذات ربطة العنق الصفراء التي كان أخي يجعص ويقابل بمعيتها الأصدقاء والسادة بصفته صحفيا «فل أوتوماتيك» ونائبا لنقيب الصحفيين، في ذلك الوقت، وقد ظهرت ربطته تلك على التليفزيون المحلي أكثر من مرة في ذلك الوقت.. لكنها تحولت -أو حوّلت- إلى رسن ورباط للعنزة التي تربيها العائلة الكريمة. طبعا أعجبتني القصة وكتبت عنها في الصحف آنذاك، مما أثار غضب أخي نبيل ورفع عني المعونات العينية تلك إلى الأبد، وقد عوضني الزمن وعزاني عن هذه المعونات، حيث تحولت إلى مترهل سمين لا تناسبه ملابس أخي قط. لكني أعتقد أننا بهذه الحادثة قد دخلنا التاريخ من أضيق أبوابه وساهمنا -أخي وأنا- في صناعته، عن طريق هذا الابتكار.. إعادة تدوير واستخدام ربطات العنق لخدمة البشرية. إنه ابتكار نعتز به، وأهديه إلى الزملاء في اليابان وبريطانيا لاستخدام المخزون الاستراتيجي الحالي من ربطات العنق لتزيين حيواناتهم الأليفة، أو ربط طيورهم المحببة في فناء البيت حتى لا تصاب بأنفلونزا الطيور. ghishan@gmail.com