أحمد الصاوي (القاهرة) القراطيس أو أوراق البردي كانت إلى أن نقل المسلمون صناعة الورق لعالم العصور الوسطى، هي مادة الكتابة الأكثر انتشارا في العالم كله، وعرف المصريون القدماء صناعة الأوراق من سيقان نبات البردي الذي ينبت بشكل طبيعي على شواطئ النيل بالدلتا ولأنه كان يستخدم في الكتابة وهي أمر لصيق بالإدارة وشخص الفرعون رأس هذه الإدارة فقد عرف هذا النوع من أوراق البردي في اللغة المصرية القديمة باسم فا-بر-عا أي الخاص بالفرعون. واصلت مصر خلال عصورها الإسلامية، صناعة قراطيس البردي وتصديرها عبر الإسكندرية إلى الدولة البيزنطية إلى أن اختفت هذه الصناعة نهائياً بحلول القرن الرابع الهجري أمام زحف الورق المصنوع آنذاك من لحاء الأشجار. وتحفل متاحف ومكتبات العالم بالآلاف من أوراق البردي التي توضح جوانب مهمة من تاريخ وحضارة المجتمعات القديمة في مصر واليونان بوجه خاص وأحوال المجتمعات الإسلامية في القرون الهجرية الأولى. وقبل سنوات عدة سمح متحف اللوفر بباريس بعرض بعض مقتنياته النادرة من أوراق البردي العربية في معرض خاص بالمتحف الوطني بالرياض وذلك ضمن مقتنيات فنية أخرى وتعود هذه الأوراق في مجملها إلى مصر الإسلامية خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة. فن الكتابة وكشفت أوراق البردي عن جوانب مهمة من تاريخ المجتمعات الإسلامية، سواء من جهة تطور فن الكتابة العربية وطرق رسم الحروف وعلامات الإعجام، أو من ناحية التطور الإداري والاقتصادي والاجتماعي لتلك المجتمعات، ويعود الفضل في ذلك لعالم البرديات الأشهر النمساوي أدولف جروهمان. وأوراق البردي التي عرضها متحف اللوفر بالرياض في عام 2006 م تكشف عن التطور الكبير في فن صناعة البردي، حيث تتميز الأوراق برقة نسيجها أو بنيتها المؤلفة من سيقان البردي، وكذلك تبرهن على قدرة الأحبار العربية على مقاومة عاديات الزمن طوال أكثر من 14 قرناً. وتم اكتشاف بعض هذه الأوراق في قرية الفارس بالفيوم المصرية، ومن ثم فهي ذات صلة بالإدارة العربية لتلك الواحة الأشهر في تاريخ مصر الإسلامي. برديات اللوفر وأغلب هذه البرديات كتب عليها من الوجهين كأن يرد المرسل إليه البردي على المرسل في الجانب الآخر من البردية أو يعاد استخدامها بالكتابة على وجهها الثاني بعد مدة قصيرة من تحريرها، وهو أمر كان شائعاً بسبب ارتفاع أثمان أوراق البردي. وتعود أقدم برديات اللوفر إلى شهر ربيع الآخر من عام 40 هـ، وهي خاصة كما يبدو من الجزء الباقي منها بمتعلقات ابن توما الخلعي واثنين من إخوته، وهم جميعا من الأقباط مع التاريخ الهجري شهر ربيع الآخر سنة أربعين، وفضلا عن أنها تكشف عن تمكن اللغة العربية بمصر في هذا الوقت المبكر فإنها توضح بجلاء أن الخط العربي، ذلك الفن النبيل، قد احتوى منذ بواكير أيامه طابعين مختلفين، أحدهما يعتمد على الاستدارات اللينة، والثاني له طابع هندسي جاف، وإن كان الطابعان قد افترقا بعد ذلك ليعرف الأول بالخط النسخ والثاني بالخط الكوفي. توثيق الحساب أما الوجه الثاني للبردية فهو يحمل كتابة عربية بخط أقل رواء من سابقه، وموضوع الكتابة أمر يتعلق بمعاملات ابن توما مرة أخرى ولكن في وقت لاحق وقد قرأ ناشر البردية أن تاريخها يعود لسنة سبع وسبعين، بينما حقيقة الأمر أن الأسطر تشير لعدد من الحلل ومستلزماتها التي أراد ابن توما الخلعي توثيقها لحساب نهاية عام 43 هـ كما يظهر من قراءة أسطر البردية. ومن الأوراق ذات الصبغة الرسمية بردية تؤرخ بالفترة الواقعة بين عامي 134 و139 هـ، لأنها موجهة من الوالي العباسي عبدالملك بن يزيد، الذي حكم مصر مرتين أولاهما في عام 133هـ إلى 136 هـ والثانية فيما بين 137 هـ و141 هـ ونظراً للعثور على هذه البردية ببلدة الفارس بالفيوم فيغلب على الظن أن خزيمة بن مهان الذي وجه إليه عبدالملك هذا الخطاب الإداري كان عاملا للعباسيين على تلك القرية. وحسبما جاء في هذه الرسالة فإن عبدالملك بعدما حمد الله الذي لا إله إلا هو يخبر خزيمة “إني أشركت الحارث بن كامل معك في عملك وأمرته بمؤازرتك ومكاتفتك للذي كان من شكوى أهل عملك لعبدالواحد بن قيس فأقبلا على ما قبلكما وانظرا عبدالواحد فيما شكى وما تدعون قبله ثم اكتب إلي بتحقيق ذلك إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله كتب جميل في المحرم سنة ثلاثين ومئة”. أهل القرية وتلك البردية التي خطها جميل كاتب الوالي توضح أن شخصا يعرف بعبدالواحد بن قيس كان يتقصى أخبار الولاية ووجد أمورا يشتكي منها أهل القرية فرفعها إلى الوالي الذي بادر بطلب إجراء تحقيق في تلك الشكاوى والادعاءات بحق خزيمة بن مهان، ومن أجل ضمان حيدة التحقيقات أرسل الحارث بن كامل ليكون شريكا لقيس في ولايته ولإتمام التحقيق وإرسال الرد إلى الوالي بالفسطاط. وهناك أيضا مراسلة رسمية في بردية موجهة من عامل قرية دموشة بالفيوم في القرن الثاني الهجري وهو سوادة بن الحارث إلى خالد بن يزيد يوضح فيها أن خمسة من الأنباط أي الفلاحين قد غادروا القرية وكذلك بعض التجار، ويبدو أن القصد من توجيه الخطاب هو تحري الدقة بشأن ما عليهم من الضرائب، لأن للتجار تجارة وجزية بالفسطاط حيث يقيم خالد طالبا منه مراجعة أمرهم. ومن الطريف أن الوالي خالد بن يزيد أعاد استخدام البردية بالكتابة على وجهها الآخر رسالة لشخص يدعى سلام بن محمد وهي تبدو كإحالة للموضوع برمته لهذا الشخص الذي يظن أنه كان مسؤولاً عن الجزية والضرائب بالفسطاط العاصمة. رسالة وثمة رسالة فريدة في بابها مسجلة على ورقة بردي تعود حسب نوع الخط فيها للقرن الثالث الهجري، وهي موجهة لأبي أحمد من أبي عثمان، وفيها يطلب معلومات عما يجري بالشام والفسطاط بعد وفاة الخليفة أمير المؤمنين، مشيرا لإقامته في الحوف ويعني بذلك منطقة شرق الدلتا وربما كان لذلك الخطاب أهمية سياسية كبيرة إذا كان متصلاً بأحداث الفتنة التي جرت عقب مقتل الخليفة العباسي الأمين وأدت لاضطراب الأمور بالحوف الشرقي وإعلان السري بن الحكم نفسه حاكما لمصر بعيدا عن طاعة الخليفة الجديد المأمون. وهناك أيضا خطابات عائلية وشخصية تبعد عن عالم الإدارة والسياسة لتنغمس في أعماق الأوضاع الاجتماعية في زمن كان البريد هو وسيلة التواصل الوحيدة المتاحة، ومن أمثلة ذلك خطاب وجهه زياد بن سعد إلى أخيه سعيد بن سعد يطمئنه فيه على أحواله وينقل إليه سلام مؤمنة “لعلها زوجته” وسلامه الشخصي لزيدة وحميدة وقد رد الأخ على الرسالة بالكتابة على الوجه الآخر لورقة البردي قائلا: “فإني أخبرك من خبرنا أننا سالمون صالحون كالذي يسرك بحمد الله علينا ونعمته فنسأل الله تمام النعمة لنا ولكم بعافية الدنيا وكرامة الآخرة وأمك تقرأ عليك السلام وأن عمران بن سعيد يقرأ عليك السلام ومحمد بن مجدي يقرأعليك السلام ومنصور بن هلال يقرأ عليك السلام..”. ورقة أم مكينة إلى أم رشيدة من أكثر الأوراق طرافة تلك البردية التي كتبتها سيدة تعرف بأم مكينة إلى سيدة أخرى لعلها أختها وهي أم رشيدة، وقد كتبت على خارج الورقة «إلى أم رشيدة رحم الله من بلغها» ومفاد الرسالة أن أم مكينة تطمئن أم رشيدة على أحوالها هي وابنتيها مكينة وسيفة بعد أن نقلت مكينة إليها «لعل ذلك من ولاية الأب أو بعد تطليقها» مع اعتذار رقيق ممزوج بطلب مبطن لم تفصح عنه إذ كتبت «.. وإني والله الذي لا إله إلا هو ما منعني بأن أرسل إليك شيئا إلا قلة اليد وأبشري إن شاء الله بكل شيء يسرك وأقري مني على يزيد السلام واستخبريه ما فعل الذي أوصيته به».