أرشيف دنيا

الاتحاد

فيلم الجوع ·· يفضح قاهرة الفتوات

غلاف فيلم

غلاف فيلم

صدر فيلم ''الجوع'' للمخرج علي بدرخان والسيناريو لمصطفى محرم، العام ،1986
ولا يزال حتى يومنا هذا يشكل صورة فاضحة للعصر وللمشاعر الإنسانية المتصارعة بين الخير والشر، وهل انتهى زمن ''الجوع'' الذي يأخذ مشهدية متكاملة لهذا الصراع في القاهرة العام ،1887 من خلال تقليد الفتوّة في الأحياء المصرية القديمة؟
الفيلم لا يقتصر في مشهديته على التكامل، فالقصة والديكور والملابس والظروف المحيطة والمؤثرة بالأحداث، تتضافر معاً لإخراج فيلم لم يسقط من الذاكرة مع مرور الزمن، يدهشك حتى لو تابعته لأكثر من مرة، في تفاصيله وغوصه بالمشاعر الإنسانية العميقة التي عرف كيف يوصلها صافية وبريئة مع كل شخصية، نخبة من الممثلين، مع الفنانة القديرة الراحلة سعاد حسني التي تحسن أداء دور الفتاة البريئة، التي يتحكم بها الفقر والجوع وفتوّة شخص يقنصها ويعرضها للفضيحة·
أما محمود عبد العزيز فيشدّك إليه من اللحظات الأولى في دور صعب ومعقّد جداً، يؤديه باحتراف نادر، فهو ذو شخصية مركّبة وخلفية نبعت من طفولة فيها الكثير من المعاناة والقهر، شخص يمثّل الخير والأمل تقوده الصدفة نتيجة تعرّض والدته للإهانة، كي يخوض معركته وينتصر على الفتوّة الظالمة، فلا يجد نفسه إلا وقد أصبح هو ''الفتوة''·
ومع هذا التحوّل تتقاطر حوله الشخصيات التي تمثّل المصالح الشخصية، من تجار ومرابين، لا يتحقق لديهم النصر إلا حين يقع في غرام ''ملك'' التي تلعب دورها يسرا، و''ملك'' بثرائها تنقله من بيوت الطوب إلى قصر الحجر والعزّ وتتحوّل هذه الشخصية من خيّرة إلى شريرة، بشكل واقعي له مبرراته، لأنه قصة السلطة التي تتكرر في كل الأزمان·
يسرا، شخصية مرفّهة لا يعنيها إلا هذا ''الفتوة'' الذي اختارته ونصبت شباكها حوله، وحوّلته من أجل مصالحها وتجارتها كما تشاء فيبدو لا حول له ولا قوة يذوب مأخوذاً بالمرأة المرفّهة مع كل ما يحيط بها من بذخ وجمال يساهم في تلميعه الثراء، مأخوذاً بالحجارة البيضاء بعد أن عفّن جسده في بيوت الطوب التي رسم الشحار الأسود والزمن لوحاته عليها ببراعةٍ ترجمها مصمم الديكور صلاح مرعي·
عبد العزيز مخيون، الذي غالباً ما يلعب دور الشخصيّة الخيّرة، يقدّم مع علي بدرخان صورة راقية لها بهدوء وبساطة لا تزعزعها التقاليد، حيث يعلن حبّه لسعاد حسني على الرغم من معرفته بما حصل معها·
مشاهد مؤثرة ترافقهما من دون مبالغة في الغوص في التفاصيل، فلكل مشهد وحادثة وحوار مكانه ومكانته، إذ لا تتباطأ الكاميرا في التصوير إلا في مشهد عرس ''الفتوة'' ''محمود عبد العزيز'' وملك ''يسرا'' لأنها تأتي كما شرح المخرج علي بدرخان لدى صدور الفيلم تصوّر هذا الذوبان الذي يؤدي إلى انقلاب شخصية ''الفتوة'' وهذه الدهشة، حتى أنه يصوّر ما يتنعّم به ذلك القادم من شوارع القهر من حمام الصابون والماء الحار·
قيل وكتب الكثير عن فيلم ''الجوع''، ونجد على الغلاف الخلفي ل ''دي في دي'' المنزلي أنه مستوحى من رواية ''الحرافيش'' للأديب الحائز على جائزة نوبل في الأدب الراحل نجيب محفوظ· غير أن المخرج علي بدرخان وفي حديث صحافي في سنة اطلاق الفيلم ''''1986 يقول في هذا الشأن ردّاً على سؤال إذا ما كان أخذ القصة من حكاية ''قرة عيني'' للأديب ذاته· يقول بدرخان: ''أساساً الاتهام موجّه لي أني أخذت حكاية ''سارق النعمة'' وعملت ''الجوع''، أي أنني سرقت القصة من نجيب محفوظ وأنت ''يقصد الصحافي'' تقول الآن أن الفيلم مأخوذ عن حكاية ''قرة عيني''، وناس قالوا أني أخذتها من حكاية ''عاشور الناجي'' وآخرون زعموا أني عملت ''الجوع'' من مجموعة الأفلام المأخوذة عن حكايات الحرافيش!! وكل ذلك خطأ تماماً··· الحقيقة كان عندي رغبة في اخراج جزء من الحرافيش إنتاج يوسف شاهين، وبعدها بدأت ووجدت أن الموضوع لا يتجزأ ولا يمكن تصوير جزء منفصل··· ''الحرافيش'' مجموعة حكايات، نعم، إنما عمل واحد متكامل· أنا متأثّر بالحرافيش ولا أنكر··· أعجبتني··· ولكن إذا أخذت جزءاً منها فأنا أشوّهها! ··· وذلك معناه أني لا أفهم نجيب محفوظ· وأيضاً لم أفهم ''الحرافيش'' كعمل أدبي متكامل''· ويضيف بدرخان:''لي الشرف أن يوضع اسمي بجانب نجيب محفوظ، ولكن في هذا الحال سأكون غير أمين· وأكون متاجراً باسم نجيب محفوظ وأيضاً أغشّ المشاهد الراغب في رؤية عمل لنجيب محفوظ···''·
فيلم ''الجوع'' يستحق المتابعة مراراً، فيه بالإضافة إلى كونه عملا محترفا وممتعا، وبالإضافة إلى تناغمه بين الأداء والديكور وتتابع الأحداث واختيار زوايا التصوير والسيناريو والموسيقى الملفتة للمؤلف الموسيقي جورج كازازيان، بالإضافة إلى كل ذلك، هو فيلم نرى فيه مجموعة من نخبة الممثلين من جيل الستينيات، سنشعر معهم في الغالب بشيء من الحنين إلى أيام مضت برزت فيها أسماء استحقت ألقابها، لأنها بذلت الجهود في سبيل الفن الذي تهواه

اقرأ أيضا