الاتحاد

دنيا

لؤلؤة الفن والسياحة والحضارة

تعتبر مدينة جبيل من أهم المدن السياحية اللبنانية الواقعة في محافظة جبل لبنان، وتمثل عالماً مصغراً يحمل في طياته كافة الحضارات التي سكنت لبنان على مر العصور، وتعتبر من بين أقدم مدن العالم المأهولة، فانطلقت منها حروف الأبجدية معلماً سياحياً مهماً يجذب إليه الآن آلاف الزوار في كل عام، حيث تتاح لهم فرصة التجول في سجلات لبنان القديمة، والتعرف الى الثقافات المتنوعة التي حولت هذه المدينة الساحلية الى فسيسفاء من الحضارات، وبفعل موقعها أصبحت جبيل من أهم المراكز التجارية شرق المتوسط·
للدلالة على هذه الأهمية، يكفي أن نذكر أن المرفأ الحديث في المدينة يقوم على طبقات من الآثار، يعود أقدمها إلى العصر الحجري، وأحدثها إلى العهد العثماني وتتاح للسائح فرصة التجول في ''سجلات لبنان القديمة'' والتعرف الى الثقافات المتنوعة التي حولت هذه المدينة الساحلية إلى جاذب للحضارات لم تشهده أي مدينة، وهي ليست منطقة جميلة فحسب، بل إن تاريخها اقترن بالمتوسط لآلاف السنين·
يعود إلى نحو (7000 سنة)، عندما استقر مجتمع صيادي أسماك صغير من العصر الحجري الحديث على ساحل المتوسط، بدءاً من هذه الفترة، توالى السكان الجدد ومعهم طرق جديدة للعيش وعادات جديدة، فخلفوا وراءهم مجموعة من الحرف اليدوية، وبقايا المنازل والمباني التي تخبر عن تاريخ المدينة القديم· ويستطيع زائروا الموقع الاثري اليوم أن يروا بعض الأكواخ الأحادية الحجرات من العصر الحجري الحديث، ذات الارضية الكلسية وأساسات المنازل من العصر النحاسي، وبقايا منازل من العصر البرونزي القديم، وبقايا الحصون الدفاعية والمعابد القديمة·
سكن الكنعانيون او الفينيقيون جبيل، فأصبحت أولى المدن الفينيقية التي تقيم علاقات تجارية مع المملكة المصرية القديمة، وتحولت جبيل إلى أهم المراكز التجارية شرق المتوسط، فصدرت خشب الأرز، وزيت الزيتون والنبيذ مقابل الذهب، وورق البردى وغيرها من البضائع التي استوردتها من الفراعنة المصريين· وتجد في مدينة الموتى الملكية في جبيل، قبور ملوك جبيل التسعة تحت الارض· وربما تكون أهم المساهمات الفينيقية في العالم، تطوير الفينيقيين للأبجدية الصوتية ''أم'' الأبجدية الحالية، ويعتقد أن هذه الأبجدية طوّرت على أيدي كتاب جبيل، ويعود أقدم شاهد معروف على الأبجدية الفينيقية إلى النقوش المحفورة على ناووس الملك حيرام، والتي تعرض حالياً في المتحف الوطني في بيروت·
بعد غزو الاسكندر المقدوني لها، وقعت جبيل تحت حكم الإغريق، واعتمدت الثقافة واللغة الإغريقية ''لقب'' الإغريق المدينة بيبلوس، أي البردى أو الورق، وكانت المدينة من أهم المراكز لتجارة ورق البردى الذي كتبت عليه النصوص الدينية والوثائق الرسمية، والرسائل الخاصة، والنصوص الفلكية والحسابية·
وفي القرن الأول قبل الميلاد، سيطر الرومان على جبيل، وبنوا فيها المعابد الضخمة والحمامات وغيرها من الأبنية من ضمن آثار العصر الروماني، ''المسرح الروماني'' والأعمدة المشيدة على طول الطرقات القديمة، والنافورة الرومانية، وبعد الحكم الروماني شهدت جبيل الحكم البيزنطي ثم العربي، ولم يتبق الكثير من الآثار من هاتين الحقبتين، حيث غزا الصليبيون جبيل واستخدموا الاعمدة والحجارة الرومانية الضخمة لتشييد قلعتهم وخندقهم الخاص، ثم استعمل المماليك هذه القلعة ورمموها، والعثمانيون من بعدهم·
اليوم، تشرف القلعة التي تعود الى القرن الثاني عشر على آثار جبيل، وبالتسلق الى أعلى القلعة يمكن الحصول على رؤية شمولية رائعة للآثار والبحر المتوسط على حد سواء، إضافة إلى جامع السلطان عبد المجيد الذي شيد في عهد صلاح الدين الأيوبي عام 1186م، وقبل التنقيب في جبيل كانت الآثار مدفونة تحت الارض، وتحديداً تحت تلة ترابية ترتفع 12 متراً بنيت عليها المنازل وغطتها البساتين· وقام المؤرخون بأعمال التنقيب في الموقع، فحفروا كل الطبقات الصخرية والترابية، ليكشفوا النقاب عن فترة فريدة من تاريخ هذه المدينة البحرية·
تحتضن مدينة جبيل في كل عام، أهم المهرجانات الفنية والاستعراضية التي تقام في لبنان والوطن العربي، وقد انطلقت فاعليات مهرجانات جبيل منذ فترة قصيرة الى تزخيم نشاطاتها، في إقامة أضخم الحفلات والمناسبات، بمشاركة أهم الفنانين اللبنانيين والعرب والاجانب، وهذا ما جعل المدينة لؤلؤة فنية وثقافية على خريطة المدن السياحية القليلة في العالم

اقرأ أيضا