الاتحاد

ثقافة

«الهوية» معبر للتنوع والانفتاح

إبراهيم الملا (أبوظبي)

في ندوة بدت مهمة في توقيتها وفي استشرافها لملامح المستقبل الثقافي والفني في منطقة الخليج العربي، نظمت القمة الثقافية ــ أبوظبي 2018 ــ جلسة نقاشية ثرية حول رؤى واستراتيجيات التغيير الإيجابي المتعلق بالوعي المعرفي والتفكير المنطقي ورعاية المواهب والتعاطي مع مفهوم «الهوية» كمعبر للتنوع والانفتاح على الآخر بدلاً من الانغلاق والثبات والتكرار والمراوحة.
حملت الجلسة التي نظمتها القمة الثقافية ــ أبوظبي 2018 ــ صباح أمس بمنارة السعديات عنوان: «دراسة حالة: الدور التحويلي للفنون والثقافة في منطقة الخليج العربي»، وشارك كل من عمر الشنار من الإمارات، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة «جسور»، وسفانة دحلان مؤسسة شركة «تشكيل» في السعودية، ومحمد حافظ من السعودية المؤسس المشارك لمعرض «أثير غاليري»، وقدم الندوة راشد بن شبيب مستشار معالي الوزير زكي نسيبة ــ وزارة الخارجية والتعاون الدولي.
ولفت ابن شبيب في مستهلّ الجلسة إلى أن الحديث عن نهضة الفنون والتطور الثقافي في منطقة الخليج العربي أصبح مهما وملحاّ اليوم بعد أن بات لهذه النهضة تأثيرها العميق في مواجهة النماذج الكلاسيكية أو التقليدية وصولاً لتأسيس نماذج مبتكرة ومغايرة تواكب نبض الحياة الجديدة في منطقتنا، وأضاف بن شبيب: «إن هذه المنطقة تزخر بتراثها وجذورها التاريخية المشتركة وتتمتع بالشمولية والتنوع، وهي عناصر ملهمة بلا شك، وأفرزت العديد من الظواهر المنافسة للمراكز الثقافية الكبرى في الوطن العربي مثل بيروت والرباط والقاهرة وبغداد غيرها».
وقال ابن شبيب إن وجود متحف اللوفر بأبوظبي يشكل معلماً مهماً للنهضة الثقافية بمنطقتنا لأنه متحف يمثّل ملمحا للحضارة ووسيطا للفن والسياحة الثقافية، إضافة لظواهر ثقافية مبهجة في الشارقة ودبي والإمارات الأخرى جعلت المؤسسات والأفراد المهتمين بالفنون يعملون بشكل جماعي لوضع خطط واستراتيجيات ومبادرات محفزة للجيل الجديد كي يقتحم هذا المجال ويستثمر مواهبه لتقديم ما هو أفضل وأجمل لخدمة الفن والثقافة في البلدان الخليجية.
بدوره، أوضح الناشط الفني السعودي محمد حافظ أنه يعمل من خلال مؤسسة أثير غاليري على العرض المكثف للأعمال الفنية، نظرا لندرة الأماكن التي تعرض النتاجات التشكيلية في منطقته، وقال: إن المؤسسة تعمل على الاقتراب من الفنانين الشاب واحتوائهم وتطوير مواهبهم وقدراتهم، مضيفاً أنه عمل لمدة خمس سنوات كعضو لمجلس الفنون في السعودية لوضع التصورات المستقبلية وتبادل المعارض والخبرات الفنية مع الدول الأخرى حول العالم، وكذلك إنشاء روابط مع المدارس والجامعات في السعودية، والذين وصل عدد طلبتها في منطقة «جدة» وحدها إلى 25 ألف طالب وطالبة، وبالتالي ــ كما أوضح ــ باتت مؤسسة أثير أشبه بالحاضنة للأفكار والمساهمات والمشاريع الفنية المعاصرة سواء على النطاق المحلي، أو العالمي من خلال الأعمال المستضافة.
وتحدث عمر الشنار عن تجربته بالقول إن الثقافة والفنون لعبت دوراً تحويلياً في حياته، وأصبح شغوفاً بها لأنها جعلته أكثر قدرة على التعاطف والفهم ومشاركة الآخرين والتحاور معهم حول هواجسهم وأفكارهم وتطلعاتهم، ومن هنا ــ كما أشار ــ قام بإطلاق مبادرة تحت عنوان «جسور» ووصفها بالمبادرة الاجتماعية الهادفة لنمو الوعي بالفنون والثقافة في المنطقة.
وأضاف الشنّار أن مفهوم «الهوية» في منطقتنا هو مفهوم ملتبس وأحياناً يكون ديناميكيا ومتغيراً، لأن الطريقة التي نتعامل بها مع الحياة تفصلنا في بعض الأوقات عن جذورنا وإرثنا القديم، وقال: «إن أحد المهام التي يجب أن نركز عليها كناشطين فنيين هو بناء الهوية بطريقة معاصرة ومتوازنة أيضاً، وذلك من خلال استحضار الأصول التي نشأنا عليها والقصص التي توارثناها وعرضها بأساليب فنية مستقلة وجديدة وبعيدة عن النمطية والتكرار كي تكون جاذبة للآخر، ومحفزة له كي يتعرف إلى حقيقة هويتنا وملامح خصوصيتنا».
أما الناشطة والفنانة التشكيلية سفانة دحلان فأشارت إلى أنها وقبل عشر سنوات من الآن لم تصنّف نفسها كمبدعة أو مهتمة بالفن لأنها كانت منشغلة بمهنتها الأصلية وهي المحاماة، وبسبب الظروف المحيطة بها في منطقتها شعرت أن موهبتها قد تم دفنها مبكراً وسط النظام التعليمي الذي لم يعط الجانب الفني حقه وكانت نظرته سلبية تجاه الشغوفين بهذا الجانب، وأضافت أن الإنتاج الإبداعي لديها ظهر لاحقاً عندما ذهبت للكويت ثم للقاهرة وبيروت، وحوّلت الجانب الممل في مهنتها، إلى جانب آخر مشرق يعتمد على توثيق القضايا والحكايات والقصص الإنسانية والاشتغال عليها بشكل سردي وفني مختلف وأكثر انحيازاً للصورة والرمز والكتابة الأدبية والرسم، وعندما عادت مرة أخرى للسعودية قامت بتأسيس شركة: «تشكيل» في المدينة المنوّرة لاستقطاب المبدعين من خلال ثلاث خطوات هي: استقطاب وتشجيع المواهب، وتنظيم الورش الفنية، وتنظيم فعاليات ومعارض من إنتاج هؤلاء المبدعين وربطهم بالمجتمع، لتكون الشركة في النهاية وسيطاً لتغيير النظرة السلبية العامة تجاه الفنون، ولخلق بيئة جاذبة لكل من يشعر بوجود موهبة لديه ولا يريد دفنها مبكراً كما حدث لكثيرين قبله.

اقرأ أيضا

«أبوظبي للكتاب» تتويج لنهضة الإمارات الثقافية