الاتحاد

دنيا

منار الحمادي·· فَقَدَت البصر في الصغر وصَارت قاضية في الكبر

غزلت من خيوط العتمة ثوب التفوق

غزلت من خيوط العتمة ثوب التفوق

فتحت عيونها على الدنيا وكلها أمل وحيوية، تتّسع كل الدنيا لأحلامها الصغيرة، نسجت لنفسها خيوط عالم يفوق عوالم من في سنها، يسبقها خيالها في تصور المساحات الفسيحة للحياة، شاءت الأقدار أن تفقد نعمة البصر نتيجة خطأ طبّي على إثر إصابة في العين وعمرها لا يتجاوز ثماني سنوات، عاشت على أمل الشفاء، لكن قدرها قادها لظلمة البصر، ولم يحرمها نور الصدر، منحها قوة التحدي لتخطو بجسدها وروحها فوق كل الآلام، تعلمت من سرِّ الحياة كنه وجودها، طفت على سطح وحل المرض وسطوته، وصنعت نفسها بالتحدي والإصرار، وكانت هنا لتقول للأسوياء إن إعاقة الجسد لم تكن ولن تكون إعاقة فكر وإبداع وعزيمة، بل حافزا على العطاء·
بداية الأزمة
درست وتعلمت، نالت أحسن الشهادات وأعلى المراكز، يحتذي بها الأسوياء، وتقارع الكبار في مجالها، هي منار محمد الحمادي، متدرّب قضائي في السلطة القضائية بمحاكم الشارقة قسم قضايا الدولة، تتحدث بافتخار عن قوّة ما حققت وما تعزم على تحقيقه بجلد و صبر: ''تحت سماء الشارقة كان الميلاد وبين ربوعها كانت ضحكاتي تسبق خطواتي لا همّ لي في الدنيا سوى اللعب والمرح فقط، إلى أن التحقت بالمدرسة الابتدائية، ئتبدل عالمي الصغير وبدأت أحلامي تكبر كبر السماء الصافية التي لاتحدها حدودا كعالمي الصغير، وكنت أتمنى وأحلم أن أصبح طبيبة مثل ما شاهدت بالمستشفى، بل كانت ألعابي كلها تدور حول هذا العالم، فعروستي مريضتي الدائمة، وكم من المرات فحصتها وأعطيتها الدواء، أحلامي لاتنتهي وألعابي لاتهدأ، إلى أن أصبت في عيني من جراء هذا النشاط الزائد، وسارع أهلي وأخذوني إلى المستشفى، ولحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى طمأنهم الطبيب على أنه نزيف خارجي سرعان مايتوقف، وصف لي الدواء ورافقت أهلي حينها ورجعت إلى المنزل، وكانت الكارثة، فقد كان النزيف داخلي، وتدهورت حالة عيني، ئوعدت إلى المستشفى، وبدأت رحلة العلاج من جديد، ئوتمّ عرضي على أمهر الأطباء والمختصين داخل الدولة وخارجها، وشاءت إرادة الله أن أفقد بصري·
هول الصدمة
كان هول الصدمة عظيما، ولكن عدم تصديقي بتلك الكارثة هوّن عليّ المصاب، حيث لم أتخيل أنني سأفقد بصري، ولم يتسرب اليأس إلى قلبي، ويقيني بأنها أزمة وتنقضي خلال أيام ساعدني أن أعيش متفائلة بانقشاع الضوء أمامي من جديد ·· وطالت تلك الأيام، كان أهلي خلالها نعم السند، وتحوّلت مواساتهم لي إلى التشجيع بقبول أمر الله والبدء من جديد، فالمستقبل كله أمامي، ومازال الطبّ يتقدم كل يوم عن سابقه ورحمة الله فوق كل تصور، وفوق كل ذي علم عليم، وتم إلحاقي بمركز خاص للمعاقين للدراسة، وكان من الأساسيات ضرورة تعلم طريقة برايل للكتابة، فتعلمتها على مضض، لأن أحلامي بالشفاء كانت تداعب خيالي وتسيطر على مشاعري، وكان عقلي يأبى الرضوخ للحقيقة لأن يقيني بالشفاء عظيم، ورغم وجود أقران لي بنفس حالتي إلا أنني انطويت على نفسي وأصبحت أخاف الناس، أخاف من همساتهم وأخجل من وضعي، كأن لي دخلا فيما حدث، وأنا منه بريئة، إلى أن استقرت حالتي النفسية، وهدأت وهداني الله، وزاد يقيني بأنه الواهب أعطى وأخذ وله الحمد، وصرت أبحث بدواخلي علّني أصحح وأرمم ما انكسر فيها، وسبحت في فضاء وضعي وما أنا فيه، فإن كان قد فقدت حاسة واحدة، فالحمد لله لي بقية الحواس، وما دمت أتمتع بعقل سليم وراجح فهذه نعمة كبرى من الله، فأي شئ يتم تعويضه، والتاريخ زاخر بالعظماء الذين فقدوا حاسّة من حواسهم فاستعاضوا عنها ببقية الحواس، وكانت حياتهم مليئة بالعطاء، وصاروا نماذج يشار لها بالبنان، وخلّدوا ذكراهم بأعمالهم المجيدة·
جهاد متواصل
واستمرت حياتي جهاداً متواصلاً، مع نفسي أولاً وثانياً مع محيطي الصغير كأسرتي، وثالثا تحدّي الدراسة وضرورة التفوق، وكم من الصعاب واجهتني كان أبسطها عدم وجود كتب دراسية تمكنني مطالعتها بطريقة برايل، فكان لازما عليّ أن أعمل خلال الإجازة الصيفية في كتابة هذه الكتبئ بمساعدة أهلي عن طريق إملائها علّي أو تسجيلها بواسطة الصوت، والحمد لله فبرغم الصعاب وصلت بنجاج في الثانوية العامة واجتزتها بتفوق، ووصلت إلى مفترق الحياة، وكان السؤال عن نوع الدراسةئ التي تلائم ميولي ورغبتي، فلم يكن الحصول على أي شهادة جامعية هو الهدف والمبتغى، بقدر ما تمنيت أن تكون دراستي ملائمة ونافعة لي ولوطني، ترضي طموحي وبها أعلن التحدي، فكان اختياري لدراسة القانون بجامعة الشارقة، حيث آمنت بأن دراسة القانون أفيد مايكون لي شخصياً في تنمية عقلي وروحي، فكل كلمة تدرس في القانون تزيد الرصيد الحياتي والمعرفي للقارئ، وكالعادة دائماً في كل مكان جديد تخطوه قدماي، يكون الاستغراب والاندهاش والتساؤل من كل المحيطين بالوسط الجديد، كيف ولماذا؟ وكان علي الصبر والتوضيح وشرح مافي خاطري والتأكيد على أني إنسان كامل لاينقصني شئ، حاسّة واحدة تعطّلت فتضافرت بقية الحواس وعوضتني إياها، وبمرور الأيام يعتاد الزملاء وهيئة التدريس على وجودي، ويزيد إصراري على مواصلة الرحلة إلى أن منّ الله عليّ بالتخرج من الجامعة وتفتحت لي الدنيا وتعددت الاتجاهات، فتمسكت بالفرصة واستمر الإصرار والتحقت بدراسات المعهد القضائي وحصلت على ترخيص مزاولة مهنة المحاماة ومازال الأمل يراودني في استكمال دراساتي العليا في القانون، ومنّ الله عليّ بفضله الواسع وتم التحاقي بالسلك القضائي·
من حكم منار
؟ ليس كل المكفوفين شخصا واحدا فلكل منهم دنيا خاصة به
؟ كبير دائما من يتجاوز الصغائر

اقرأ أيضا