بسام عبدالسلام (عدن) عاود وباء الكوليرا انتشاره بصورة سريعة في عدد من المحافظات اليمنية، في ظل ظروف إنسانية صعبة يعيشها اليمن جراء الحرب التي تشنها ميليشيات الحوثي والمخلوع صالح الانقلابية على الشعب اليمني. ورغم التأكيدات الرسمية باحتواء الموجة الأولى التي ضربت اليمن أواخر عام 2016، إلا أن عودة الوباء هذه المرة تمثل تهديداً خطيراً خصوصاً أن المحافظات المنكوبة تقع تحت سيطرة الميليشيات الانقلابية، الأمر زاد من حدة تدهور الأوضاع وتفاقم المعاناة. وبحسب آخر الإحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أمس، أكدت أن عدد الحالات المشتبه بإصابتها منذ عودة ظهور المرض في أبريل الماضي وصلت إلى ألفين و22 حالة إلى جانب 34 حالة وفاة، وأشارت المنظمة إلى أن خطة مكافحة الكوليرا تتطلب توفير أكثر من 22 مليون دولار لمجموعتي الصحية والمياه، منها 16.6 مليون دولار مطلوب توفيرها عاجلاً. وأكد المتحدث باسم منظمة اليونيسيف في اليمن، محمد الأسعدي في تصريح لـ«الاتحاد»، إن عودة الكوليرا من جديد في اليمن أمر مقلق للغاية، مضيفاً أن الموجه الثانية للمرض عادت بضراوة أشد من الموجة السابقة التي حدثت أواخر العام الماضي، وتم احتوائها إلى حد كبير. وقال: «السكان أصبحوا أكثر عرضة للخطر والأمراض والأوبئة القاتلة من أي وقت مضى في ظل استنفاذ كل وسائل التعايش مع الأزمة التي تعيش البلد»، مبدياً تخوفه من أن تكون هناك حالات وفيات في بعض المناطق النائية ولم تستطع السلطات الصحية رصدها نظرا لقلة الإمكانات. وأضاف أن توقف قرابة 54% من المرافق الصحية جراء الأزمة الراهنة فاقم من الوضع الصحي وخلق تحدياً كبيراً للنظام الصحي في اليمن رغم المساعدات المقدمة من المنظمات الدولية والتي تهدف لإبقاء النظام الصحي قائماً لأداء دوره في توفير خدمات الصحة العامة والرعاية الأساسية. وأشار إلى أن «اليونيسيف» قدمت 7 أطنان من الإمدادات العلاجية لمواجهة الإسهالات الحادة والكوليرا للمستشفيات في الأمانة ومحافظة صنعاء، وأن هناك قرابة 70 طناً من الأدوية والإمدادات العاجلة ستصل الشهر القادم عقب تجاوب وتكامل مع منظمة الصحة العالمية وشركاء الصحة لمواجهة هذا التحدي. وأضاف أن الجهود مستمرة في الجانب الوقائي، حيث تم تعقيم عشرات الآبار وناقلات المياه والخزانات المنزلية في المناطق والمحافظات اليمنية المتضررة. وأكد المتحدث باسم «اليونيسيف» في اليمن، أن المنظمة تعمل في مسارين، الأول علاجي والآخر وقائي، لتقديم المساعدات للمواطنين الذين أنهكتهم الحرب على مدى عامين، لافتاً إلى ضرورة إحلال السلام من أجل إيصال المساعدات الصحية والاستجابة الإنسانية بشكل سريع للحد من انتشار هذه الأوبئة القاتلة ويحفظ لليمنيين حقهم في الحياة. إحصائيات رسمية بدوره، نوه نائب وزير الصحة في الحكومة اليمنية الشرعية، الدكتور عبدالله دحان أن وزارته تتابع الموجة الجديدة من البلاغات عن حالات الإسهالات المائية الحادة التي تشكل خطراً حقيقياً على حياة المواطنين، وأنها تتعامل مع هذه الحالات على أنها مرض «كوليرا» حتى يثبت العكس عبر الفحوص المخبرية. وأشار في تصريح لـ«الاتحاد» إلى أن وزارة الصحة تتبع إجراءات على شقين وقائي وعلاجي بالتنسيق مع المنظمات العالمية، من بينها منظمة الصحة العالمية و«اليونيسيف»، وغيرها من المنظمات العاملة في المجال الصحي، لافتاً إلى أن الحرب المشؤومة المفروضة على اليمن من قبل الميليشيات الانقلابية خلفت وضعاً صحياً كارثياً وأدت إلى انتشار الأوبئة. وأفاد بأن أمانة العاصمة تحتل المرتبة الأولى في عدد الحالات المشتبه بإصابتها بالكوليرا، حيث وصلت إلى أكثر من 105 حالات، منها 22 حالة مؤكدة بالفحص المخبري، توفيت منها حالتين، فيما احتلت صنعاء المرتبة الثانية في القائمة بـ 65 حالات مشتبه بها و 6 حالات مؤكدة و4 حالات وفيات، فيما تم الإبلاغ في محافظة حجة على 46 حالة مشتبها بها وحالة وفاة واحده. وأوضح نائب الوزير إلى أنه تم الإبلاغ عن 80 حالة مشتبها بها في عمران منها 3 حالات مؤكدة و3 وفيات، وفي إب 19 حالة مشتبها بها و8 حالات مؤكدة، والمحويت تم الإبلاغ عن 24 حالة اشتباه منه 9 حالات، مؤكدة وذمار 18 حالة مشتبها بها 12 بينها حالة مؤكدة، وفي الحديدة 13 حالة اشتباه دون توافر معلومات بعد عن الحالات المؤكدة والوفيات فيها. وأضاف «أن هناك حالات مشتبه بها ومؤكدة تم رصدها في محافظتي عدن وشبوة بمخيمات خاصة باللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين القادمين من القرن الأفريقي»، داعياً منظمة الهجرة الدولية إلى التدخل العاجل واحتواء المرض قبل انتقاله إلى المدن. وأكد أن هناك تنسيقاً مع منظمة الصحة العالمية في تحريك فرق الاستجابة والطوارئ وفرق الرصد الوبائي والقيام بالمهام والإجراءات الوقائية لمنع انتشار هذا الوباء، مضيفاً أن الإجراءات الوقائية التي تمت في الموجة السابقة وأدت إلى انحسار المرض، منها «كلورة المياه»، والعمل على تحسين كفاءة منظومة الصرف الصحي، والتثقيف والتوعية عبر وسائل الإعلام المتاحة، إلى جانب توفير العلاجات الضرورية من محاليل وريدية للحالات المشتبه بها والأدوية اللازمة لمجابهة الوباء. متابعة مستمرة سارعت السلطات اليمنية إلى فتح عدد من المحاجر والأقسام الطبية الخاصة لاستقبال وتقديم الرعاية للحالات المصابة بالقيء والإسهال المائي الحاد في مختلف المحافظات، خصوصاً المحافظات الواقعة تحت سيطرة الميليشيات. وبحسب تأكيد الدكتور علي الوليدي وكيل وزارة الصحة رئيس غرفة العمليات المركزية لمجابهة الكوليرا، أن هناك تواصلاً مستمراً مع المنظمات الدولية والكوادر الطبية في المحافظات التي مازالت تحت سلطة الانقلابيين لتوصيل المساعدات وكل ما يلزم لمكافحة انتشار المرض، خصوصاً أن أمانة العاصمة وصنعاء تحتلان المرتبة الأولى في قائمة المناطق المتضررة من الموجة الثانية للوباء. وقال الدكتور الوليدي في تصريحات لـ «الاتحاد»، إن إحصائيات الموجة الأولى سجلت خلال أكتوبر 2016 وحتى فبراير 2017 أكثر من 22186 حالة إسهال مائي حادي منها 196 حالة مؤكدة في 16 محافظة وسجلت 103 حالات وفاة، وأن الوباء انحدر بعد جهود بذلت من الوزارة وعدد من المرافق الأخرى والمنظمات الصحية، لافتاً إلى أن المرض عاد للانتشار في نهاية أبريل 2017 وسجلت الإحصائيات حتى اللحظة 2111 حالة إسهال مشتبهاً بإصابتها بالكوليرا تم التأكد من 25 حالة. وأكد الوليدي أن غرف العمليات المركزية في المحافظات اليمنية مجهزة لاستقبال كل البيانات الخاصة بالحالات المشتبه بها والمؤكدة، وأن معظم المحافظات المستهدفة تم فيها فتح مراكز صحية لتقديم العلاجات اللازمة ضمن فرق خاصة بالرصد الوبائي التابع لوزارة الصحة التي تقوم بدور كبير جداً مع الشركاء الدوليين. إشادة بـ«الهلال الأحمر» الإماراتية وأشاد الدكتور علي الوليدي بالجهود التي تبذلها هيئة الهلال الأحمر الإماراتية التي دعمت سابقاً بالأدوية المطلوبة والمحاليل اللازمة لمكافحة المرض للمختبر المركزي، حيث تم توزيع تلك الأدوية والمستلزمات الدوائية إلى جميع المحافظات، مؤكداً أن الفجوة كبيرة جداً وتحتاج للكثير من الدعم من قبل كل الشركاء الدوليين ودول مجلس التعاون الخليجي للتخلص من هذا الوباء، وأضاف: «إن (الهلال الأحمر) الإماراتية استجابت سريعاً لليمن، وذلك بتسليم مساعدات طبية عاجلة لمكافحة انتشار وباء الكوليرا في عدد من المحافظات اليمنية، وذلك لتعزيز دور وأداء القطاعات الحيوية، ومنها القطاع الصحي والطبي الذي تعرض إلى إهمال وأضرار جسيمة من أثر الحرب الغاشمة التي يقوم بها الانقلابيون في اليمن». إطلاق استغاثة ودعا محافظ الضالع فضل محمد الجعدي، إلى سرعة إنقاذ الأهالي من خطر الكوليرا الذي بدأ بالتفشي في المحافظة، مشيراً إلى أن 169 حالة تم تسجيلها في 3 مديريات، من بينها مركز المحافظة ومديريتي الحصين وقعطبة. وأضاف في تصريح له إلى أن خطر الكوليرا يتصاعد ويهدد حياة السكان ويجب تقديم مساعدات طبية عاجلة لإنقاذهم، لافتاً إلى أن تفشّي المرض بشكل سريع يُنذر بكارثة صحية كبيرة وأن المرض فاقم معاناة الناس في المحافظة. مطالبات بالتدخل طالبت منظمة أطباء بلا حدود إلى زيادة المساعدات الإنسانية لمواجهة وباء الكوليرا باليمن بعد زيادة عدد المصابين خلال الأسبوعين الأخيرين. وحذّرت المنظمة في بيان لها أمس، من التأخير في الاستجابة؛ لأن ذلك سيؤدي إلى انتشار الوباء وقد تظهر أوبئة أخرى، موضحةً أنها عالجت أعداداً متزايدة من مرضى الكوليرا والإسهال المائي الحاد في محافظات عمران وحجة والضالع وتعز وإب، ولفتت إلى أنها قامت بإنشاء مراكز لعلاج الكوليرا ضمن 5 مستشفيات لعزل ومعالجة المرضى الذين تظهر عليهم الأعراض. وقال شينجيرو موراتا، رئيس بعثة أطباء بلا حدود «هناك مرضى يأتون من مناطق عديدة تبعد عشرات الكيلومترات عن هنا، ونحن قلقون للغاية من أن انتشار المرض سيستمر ويخرج عن السيطرة».في غضون ذلك، ووجه عدد من المنظمات الدولية بسرعة التدخل العاجل من أجل مجابهة «الكوليرا» الذي عاود الانتشار من جديد. وجاءت هذه الدعوة على لسان منسّق الشؤون الإنسانية في اليمن، جيمي ماكغولدريك الذي طالب الدول المانحة للوفاء بالتعهّدات التي التزمت بها في جنيف، من أجل دعم تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن. وأشار إلى أن «تمويل العمليات الإنسانية أصبح ضرورة ملحّة من أجل إنقاذ أرواح السكان في اليمن» مطالباً بـ«أن تكون جميع الموانئ والطرق متاحة للعاملين في المجال الإنساني، بغية مواجهة تهديد المجاعة، وعودة تفشّي وباء الكوليرا». وأبدى المسؤول الأممي قلقه من «أن الأدوية والمستلزمات الطبية لا تصل إلى الأشخاص المحتاجين في الوقت المناسب، بسبب التأخيرات الإدارية، والتدخل في إيصال المعونات».