الاتحاد

دنيا

ذاكرة المحبة

تظل الرسائل الجوابية المعروفة باللهجة المحلية ''الخط'' أصدق وسائل التعبير مهما تطورت وسائل الاتصال بين البشر من المكالمة التليفونية إلى البريد الإلكتروني وصولاً إلى الرسالة النصية التي باتت الآن بديلاً عن المكالمات الهاتفية·
وفي بيئتنا المحلية ظل ''الخط'' وسيلة الاتصال الوحيدة بين المغتربين من العاملين من أبناء الإمارات في الدول الأخرى وذويهم في إمارات الدولة، ونظراً لأهمية ''الخط'' في نقل الأخبار بل والمشاعر، ولأن من المتراسلين من كبار السن كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة فقد لجأوا لطرف ثالث يملي عليه ما يرغب كل طرف في توصيله من دون أن يطلع الكاتب على مكنون الرسالة التي كانت تحوي الكثير من الأحيان '' ألغازاً '' متفقاً عليها بين الزوج وزوجته أو الحبيب وحبيبته يبثان من خلالها مشاعرهما الحارة·· إلى جانب نقل أخبار الأولاد والأهل من دون أن يعلم كاتبها أياً من هذه الألغاز
فقد تكتب الزوجة لزوجها مثلاً ''أكتب إليك رسالتي هذه·· فروعها المحبة، وثمارها الإخلاص·· وبعد ''بل راسك في الكويت وحسنة في الإمارات '' وهذه إشارة من الزوجة للزوج بأهمية عودته بسرعة وحينها يرد الزوج ''خطكم المكرم إلينا وصل وما ذكرتم صار إلينينا معلوم'' وهذا يعني أن رسالتكم وصلت وفهم معناها·· وقد تقول الزوجة في رسالتها للزوج ''جانا مطر وهوا·· ودفع البيت طاح'' وهي تعادل في لغتنا الحالية أرجوك أرجع بسرعة فلم أعد أطيق البعد عنك، وهي كلمات تقطر خجلاً ومشاعر في الوقت نفسه·· الأمثلة كثيرة والجميل في الأمر أن كاتب الرسائل كان لا يعرف أياً من هذه الألغاز ولا يسأل عن معناها حيث إن وظيفته تحتم عليه إلا يتدخل فيما لا يعنيه
كان البريد يصل إلى البلاد عبر البحر مرتين أو ثلاثاً في الشهر·· وفي كل مرة يحمل ''البوسطجي'' رسائله إلى الزوجات اللاتي يستعن بكاتب الخط لقراءتها والرد عليها في الحال ليحمل ''البوسطجي'' الرد إلى الزوج الذي يكون هو الآخر في شدة الشوق لرؤية زوجته من خلال ما تبثه من مشاعر عبر ''الخط '' الذي أحالته التكنولوجيا والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية إلى التقاعد·

إبراهيم العسم

اقرأ أيضا