الاتحاد

دنيا

الشخص المقرّب إليك·· هل بالضرورة أن يكون من العائلة؟

من الطبيعي أن يكون لكل منا شخص مقرب نذهب إليه وقت الضيق والشدة، أو حتى في أوقات الفرح والنجاح، ونحكي له عما يجيش في نفوسنا وما يعتمل من أحاسيس مختلفة، وهذا الشخص غالباً ما يكون من الدائرة المحيطة بنا، ربما كان الأخ، أو الأب، أو الأم، أو الصديق، وربما يفتقد الإنسان لكل هؤلاء، فيلجأ إلى كائنات أخرى مثلما فعل الشاعر العربي القديم طرفة ابن العبد، الذي خرج طريداً من بين أهله إلى غياهب الصحراء، فلم يجد له من صديق سوى ناقته، التي لم يكن فقط يبثها آلامه وهمومه، بل وصل به الأمر إلى التغزل في جمالها والتغني به، من ذلك قوله:
وَإِنِّي لأُمْضِي الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَـارِهِ
بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَرُوحُ وتَغْتَدِي
أَمُونٍ كَأَلْوَاحِ الإِرَانِ نَصَأْتُـهَا
عَلَى لاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
ويقصد بالعوجاء هنا ناقته، ويصفها بأنها الأمينة في كلمة ''أمون'' ولا يمكن أن تصيبه بأذى أو ضرر، وباقي البيت الثاني ما هو إلا وصف لجمال تلك الناقة· إذاً لابد من وجود شخص مقرب لنا؟ فهل يكون بالضرورة ضمن أفراد العائلة، أو قد يكون من خارجها؟ ولماذا نشعر بالارتياح لشخص معين دون آخر، رغم أن درجة قربهما منا تكون واحدة تقريباً ·· هذا ما حاولنا التعرف عليه من خلال الاستطلاع التالي:
يقول إيهاب يسري الموظف بأحد البنوك: والدتي بالتأكيد هي الأقرب إليّ، ويكفي أنها تعلم ما بي من دون أن أتكلم، وهي التي تتحملني دائماً، وليس هناك في هذا العالم من أمنحه ثقتي كاملة إلا هي·
أما المهندس رفعت رشدي، فيذكر، أن زوجته هي الانسان الأقرب إلى قلبه، وتمثّل له النور ووجه الخير في حياته على حد تعبيره، ويضيف، أنها كثيراً ما وقفت بجانبه وآزرته، إلى أن اجتاز مراحل صعبة في حياته، ويوضح، أنه من الصعب أن تجد صديقاً هذه الأيام خارج إطار العائلة، لأن أفرادها يحبونك بصدق ودون غرض، وقبل زواجه كانت أمه هي الشخص الأقرب إليه، خاصة أن والده كان دائماً في حالة سفر، فمثلت الأم دور رب البيت والمربية في آن واحد، ولذا كان لها أكبر الأثر في حياته·
ومع ذلك يوضح رشدي، أنه ربما يكون هناك من الناس العاديين من هو قريب إلى قلبك ويحبك بصدق، مصداقاً للمقولة الشائعة ''رب أخ لم تلده أمك'' فليس هناك قاعدة معينة لاختيار الصديق أو الانسان الذي ترتاح إليه·
''الأم أولاً''
أحمد السيد البائع في أحد المحلات يقول: أقرب مخلوق لي هي زوجتي، لأنها الأكثر قدرة على فهمي، وتستطيع التعامل معي سواء كنت سعيدا أو مهموما، أو واقعا تحت أي من ضغوط الحياة، أما قبل الزواج فكانت الأقرب لي هي أمي، التي كان خوفها الدائم من أن يصيبني أي مكروه خوفاً مبالغا فيه، حتى أنه أضرني إلى حد ما، حيث كان هاجس الخوف من أي شئ يتملكني دائماً، إلى أن أكرمني الله بزوجتي وابنتي، وشيئاً فشيئاً ذهب هذا الخوف المرضى، وبرغم وجود أصدقاء كُثر حولي، لأنني بطبعي اجتماعي وأحب الناس، لكن لا استطيع أن أحكي لهم عن مشاكلي وهمومي، لأن لكل واحد أعباؤه ومشاغله، وليس هناك في صدور الآخرين متسع لسماع مشاكل الغير في هذه الأيام·
محمد حسني يعمل في إحدى شركات المقاولات، يذكر أن أكثر شخص الذي يرتاح عليه في هذا الوجود هو الشيخ الذي كان يقوم بتحفيظه القرآن، وأن هذه العلاقة بدأت منذ نحو ثلاث سنوات، وتزداد قوة يوماً بعد يوم، لأن هذه الشخص بخلاف معظم الناس، يحب الخير للآخرين ويقوم بخدمتهم دون غرض أومنفعة، ويقوم بتحفيظ كتاب الله للناس دون مقابل، وهو لا يرد سائلا أبداً، حتى لو لم يكن في استطاعته، كان يرد بحلو الكلام·
كما أن هناك صديقاً له منذ أيام الدراسة، ويعتبره مستودعا لأسراره أيضاً، حيث شهدا سوياً أجمل أيام الطفولة الشباب، ودائماً كان يشده نحو الصلاح وطاعة الله سبحانه وتعالى، ولذا يعتبره الصديق الوفي الذي يحكي له كل ما في نفسه، دون حواجز، أو ترشيح و فلترة ما يريد أن يبوح به·
''الصديق
الوفي حالة نادرة''
خالد عبد المجيد يعمل أيضاً في مجال المقاولات يشير إلى أن ابن عمه هو الأقرب له، وهو بمثابة الأخ، حيث هناك تقرب عقلي وفكري كبير بينهما، ودخلا المدرسة سويا، وجمعتهما كثير من الأيام الجميلة، وكذا الأيام ذات الذكريات السيئة، التي جمعت بيننا أكثر ما فرقت لأنها وحدت مشاعرنا·
وشعرت بمدى قربه لي عندما حدثت مشكلة كبيرة، وكانت ستفضي بي إلى نتائج مؤذية وضارة، ولكنه وقف إلى جواري بكل رجولة إلى أن انتهت هذه المشكلة، ومن يومها أصبح يحتل مكانة خاصة لدي، وهذا لا يمنع من وجود علاقة قوية مع أهلي وأخوتي، ولكن هناك الكثير من الخطوط الحمراء، التي لا يمكن تجاوزها، ولكن ابن عمي الذي أتحدث عنه بمثابة الطبيب النفسي، الذي أذهب إليه كلما ضاقت نفسي ومررت بمشكلة ما، وبالإجمال يمكن القول إنه الصديق الوحيد لي في حياتي، لأنه من الصعب إيجاد صديق وفي في هذه الأيام·
أحمد حسني ويعمل محاسبا بأحد البنوك لفت إلى أن له صديقاً يسمى ''أمير'' هو الأقرب إليه، وقال: نحن أصدقاء منذ زمن بعيد، وكل أسرارنا معروفة لكلينا، ونحن نقطن سوياً هنا ونعمل في ذات المكان، كما كنا متجاورين في بلدنا الأصلي، وكذلك جمعتنا دراستنا الجامعية، وهناك كثير من المواقف الذي وقف فيها إلى جواري، وأظهر فيها معدنه الأصيل، فضلاً عن وجود تقارب فكري، وحتى أسلوب الكلام ونمط الحياة، فنحن متشابهان فيه إلى حد كبير، وبالرغم من وجود الأهل، إلا أن التقارب العمري والفكري، كان له فضل كبير في هذه العلاقة القوية بيننا، ويشير حسني، إلى صعوبة إيجاد الشخص الذي يغفر أخطاء غيره هذه الأيام، ويبدأ بالتسامح والتواصل، وهي جميعاً متوافرة في هذا الصديق·
الأهل هم الأقرب دائماً
المحاسب أمير أحمد يذكر أن والديه هم الأقرب إليه، ويعتبرهم أصدقاء له وليس مجرد والدين، وهم الذين غرسوا فيه ذلك منذ الصغر، حيث عودوه على مناقشتهم والتعبير عما بداخله بكل حرية، سيّما وأن الوالد رجل عسكري، حيث أرسى الوضوح في العلاقة بيننننا داخل الأسرة، وقد شعرت بمدى قربي من أهلي، عندما توفيت خطيبتي ومثّل ذلك كارثة كبرى لي، أفقدتني النطق لأيام، لكنهم وقفوا إلى جواري وأفاضوا عليّ من مشاعرهم حتى مرت هذه الأيام العصيبة·
مصطفى عبد الرحمن أوضح، أن الوالدة هي الأقرب لأنها الصدر الحنون، والشخص القريب من القلب، وحتى في أيام المراهقة، وما صاحبها من تغيرات نفسية، كنت أقترب منها، لأنها كانت تحسن الإصغاء وكانت تنصحني بما فيه الخير، ولازالت إلى الآن تعني لي الكثير·
نجلاء أحمد أشارت إلى أن أختها هي التي ترتاح ليها، لأنها تقاربها في العمر وطريقة التفكير، وتشعر بأنها توأمها الذي ينفصل عنها، وهي مستودع الأسرار، وتستطيع فهمها ربما أكثر مما تفهم نفسها، وهي تستشعر هذا القرب في كثير من المواقف، برغم البعد المكاني، وعندما تشتاق إليها، سرعان ما تجدها تبادر بالاتصال بها·
وتضيف أحمد، أن هذه العلاقة القوية بدأت منذ الصغر، حتى أن كثيرا من الناس يعتقدون أننا توأم، نظراً لتشابهنا في كل شئ ''الفارق بيننا سنة واحدة''، وحتى في طريقة التفكير، وقد يرجع ذلك لأن أهلنا قاموا بتربيتنا بذات الأسلوب، وهو ما جعلنا متقاربتين إلى حد كبير وزادنا التصاقاً فكرياً وروحياً·
محمد الخولي لفت إلى أن الوالدين هم الأقرب إلى الذات في كل الأحوال والظروف، مهما كان هناك أصدقاء محيطين بنا، وبعد الزواج قد تحتل الزوجة قيمة مماثلة لقيمة الوالدين، ويستطيع الفرد الإفضاء إليها بهمومه ومشاكله، واثقاً من أنها سوف تعمل على تفهم كل ما يتعلق به وتحاول مساعدته بالنصيحة الخالصة، التي لا تهدف سوى لإسعاده·
وباستعراض ما سبق نجد أن معظم الآراء أشارت إلى أن اختيار الشخص المقرب لا يخرج عن نطاق العائلة، وفي أغلب الأحوال أحد الوالدين، ولذلك عمدنا إلى تفسير هذه الظاهرة من وجهة نظر علم النفس، حيث التقينا الاستشاري النفسي الدكتور علي الحرجان، الذي بدأ حديثه بقوله:
هناك نظريات عديدة تشير إلى جوانب القبول في الطرف الآخر والرضا عنه ومحبته، وهي ترجع لمجموعة اعتبارات، أهمها أن مجتمعاتنا الشرقية تركز على الجانب العاطفي في التربية بشكل كبير، وبالتالي يكتسب الطفل هذه العاطفة منذ الصغر، وكلما كانت العلاقة بين الطفل ووالديه سليمة ومنطقية، ينشأ الطفل لديه مشاعر الحب والتقدير تجاههم، وتستمر هذه المشاعر في الكبر أيضا، لأن العاطفة تكونت بالفعل منذ الصغر، وهنا يظهر تساؤل·· ما مقدار العاطفة التي يمكن أن نعطيها للطفل؟ فهناك من يغدق عليهم بشكل مبالغ فيه من هذا العاطفة ''المبالغة في التدليل'' وهو ما قد يضرهم، حيث يصبح الشخص عاطفياً بما يتجاوز الحد المعقول، ويصير معتمداً على والديه، حتى أنه إذا ما افتقد احدهم أو ابتعد عنهم، يشعر بصعوبة في مواجهة الحياة وقد يصاب بالفشل، ولذا يجب أن تكون هذه العاطفة متوازنة ومناسبة، حتى تكون هناك فرصة لإقامة علاقة سوية مع الآخرين في المجتمع الخارجي، ولا تصبح هناك فرصة للوقوع في براثن العزلة الاجتماعية والوحدة·
وهنا يوضح د· الحرجان، أن العزلة عن الآخرين وعدم وجود من يأنس إليه الشخص، تؤدي إلى فشل الإنسان في عمل الشبكة الاجتماعية اللازمة له، لتسيير أمور حياته بشكل طبيعي، ومن ثم تزداد هذه العزلة، مما يفضي بالشخص للاكتئاب المرضي، وهنا يظهر أهمية وجود شخص قريب من ذواتنا، نستطيع البوح له بكل ما فيها، وليس بالضرورة بالمرة أن يكون هذا الشخص من نطاق العائلة أو المحيط القريب المنظور لنا، إنما المهم هو قدرته على تفهم الحالة التي نحن عليها، وكذا تقبلنا له ووجود نوع من التقدير المتبادل بيننننا·

اقرأ أيضا