الأربعاء 25 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
مجرد مسجّات
مجرد مسجّات
31 أغسطس 2005

حاولت أن اصل إلى الحقيقة لكي أبعد شبح الغيرة، راقبته وراقبت مكالماته فكانت النتائج كلها تؤكد لي بأنه كاذب معي وانه يعرف الكثير من النساء سواي· فدفعني غيظي منه إلى التفكير في أن اجرب وأن اسير بنفس خط سيره، لكنها بقيت -والله- مجرد فكرة راودتني ولم اجرؤ على تطبيقها مع انها منحتني احساساً جميلاً بالانتقام لكرامتي، ان اذيقه من نفس الكأس التي يذيقني منها باستمرار، لكنها ظلت مجرد فكرة مبتسرة، حتى جاء الموعد الذي تمكن فيه الشيطان من ان يتسلل إلى ذلك الرأس فيلتقط الفكرة ويحاول ان يجعلها حقيقة، واذا بي اجد نفسي في موقف مخجل امام زوجي، لادافع عن نفسي وابرر ما حدث، انه وضع مخزٍ لم احبه ابداً فتذكرت عندها بان فكرة معالجة الخطأ بخطأ مثله هي فكرة سيئة للغاية·
بداية الحكاية
بعد مضي خمسة أعوام من عمر زواج سعيد انجبت خلاله ولدين وبنتا، كنت ما زلت اتربع على عرش السعادة ملكة متوجة على قلب زوجي، لم تخطر ببالي ولو للحظة واحدة فكرة الخيانة يوما ما، ولا لحظة··· ابداً··· كنت ابعد سمعي عن مثل هذه الحكايات الغريبة التي تحكيها الأخريات عن خيانة ازواجهن، مالي أنا ولهن؟ انا لست مثلهن فانا واثقة من حب زوجي لي وهذا يكفيني· وبالمقابل، كنت اتعاطف مع صديقة عمري التي تزوجت قبلي بسنتين ولديها ستة اطفال، إذ كانت تتعذب وتتألم بسبب خيانات زوجها المستمرة لها، فكنت اصبرها واحاول تبديد شكوكها وابعاد الوساوس عنها، فيما كنت اقول في دواخلي: انها مسكينة حيث ابتليت برجل لم يحبها ويخونها باستمرار، أما أنا- فلله الحمد- ان زوجي يحبني ولا يفكر يوماً بخيانتي·
أحلام العصافير
عشت في حلم لذيذ ولكن، ايقظني منه كابوس لا يطاق، فصرخت فزعة: كلا، مستحيل، هذا الشيء لا يعقل··· !
يومها اتصلت بي واحدة- لا ادري من أين جاءت برقم هاتفي- سألتني: انت فلانة؟ قلت لها: نعم· قالت: هل تثقين بزوجك؟ قلت لها: بكل تأكيد· ضحكت بخبث وقالت: انت مسكينة تعيش في دنيا الأحلام الوردية الكاذبة، استيقظي من غفلتك لتري زوجك على حقيقته، صرخت بها: من انت ولماذا تتكلمين هكذا؟ قالت: لانني للاسف احدى ضحاياه لقد عشنا معاً اجمل الايام بل سافرنا معا، ولعلك تذكرين سفره إلى شرق آسيا؟ لقد كنت برفقته والدليل على صحة قولي انه كان يتصل بك يوميا في السابعة مساء، فهل تحبين ان اذكر لك تفاصيل أخرى ؟ قلت لها: كلا ارجوك·· هذا يكفي· فاستطردت: بعد ان احببته وتعلقت به ملّ مني وتركني ليعيش قصة حب جديدة مع أخرى·· احببت أن ابين لك الحقيقة من أجل ان لا تعيشي كالعمياء لا تعين ما يحصل حولك· قلت لها: انت لا تخافين عليّ ولا تهمك مصلحتي، كل ما يهمك هو الانتقام عموماً·· شكراً لمبادرتك التي دمرت بها كل شيء جميل في حياتي·
ايام الحريق
منذ تلك المكالمة انقلبت موازين حياتي كلها، فجأة وجدت النار تستعر في اعماقي، ركضت إلى صديقتي أشكو لها همي فبكت معي واحتضنتني لتخفف عني فقد شربت من نفس الكأس التي اتجرعها لاول مرة في حياتي·
مرت ايام عصيبة لم استطع احتمالها وشعرت بان العالم كله قد توقف عن الدوران وان كل شيء قد انهار من حولي، الزمن، الساعات، الايام، لم يعد يهمني أي شيء وأنا اعيش ذلك الصراع المرير في متابعتي للحقائق التي كانت مستورة عني، لأول مرة اتجرأ وافتش بين اشيائه لأجد العجب العجاب،ياإلهي كم انا مغفلة؟! لأول مرة اقلب مسجاته لأكتشف الادهى والأمرّ، ولأول مرة استرق السمع له وهو يتكلم بصوت خفيض لأسمع ما لم استطع احتماله·
تأكدت بنفسي من خيانته ولست متجنية عليه فماذا افعل؟ هذا السؤال قتلني ببطء، هل اواجهه واقلب البيت على رأسه لاستريح؟ أم هل احمل سكيناً واطعنه ألف مرة لاستريح؟ أم هل ادس له سم الحشرات والقوارض لاتخلص من وجوده؟
مليون فكرة وفكرة دارت برأسي، أيكفيني ان اطلب منه الطلاق؟ ما ذنب اطفالي؟ اين سيعيشون ومع من؟ هل اسكت واصبر على هذه الحرائق التي تمور في داخلي؟ لا ادري! لم استطع ان افعل شيئاً سوى الذهاب إلى صديقتي والشكوى لها، لتستمع إليّ ثم تعود لتشتكي ثم نبكي معاً ثم نمسح دموعنا وننصرف·
اللعبة الخطرة
ضمن متوالية الشك التي تعيش فيها صديقتي المسكينة، طلبت مني في أحدى المرات ان اتصل برقم معين وجدته متكرراً لعدة مرات على هاتف زوجها لتتأكد من صاحب أو 'صاحبة' الرقم، وفعلاً اتصلت بالرقم من هاتفي فكان رجلاً··· حاولت التملص، فسألته عن اسم وهمي ثم اعتذرت منه مع انه حاول اطالة الحديث معي هامسا: لأول مرة اسمع صوتاً ملائكياً بهذا الشكل·· ارجوك لا تقطعي المكالمة·
قطعت المكالمة واغلقت الهاتف، غير انه كان يتصل كلما اعدت فتح الهاتف فلا ارد عليه، ثم اخذ بارسال المسجات···بكلمات رقيقة جذابة ناعمة احتاج لمثلها في هذه المحنة التي امر بها···لا ابرر لنفسي، لكنني إنسانة، بشر امرأة مخذولة ومجروحة، وثمة من يمنحني احساسا بالثأر لكرامتي عندما افكر ولا استجيب لفعل الخيانة التي يستحليها زوجي ولسذاجتي فكرت أن أرد عليه بمسج واحد من أجل أن اضمن استمراره في ارسال تلك المسجات الرقيقة، ترددت ولكني انسقت وراء لحظة الضعف التي يتغلب فيها الشيطان ويقهر كل خوف أو تردد· نعم لقد ارسلت له 'مسجا' عادياً ولكنه يدعو إلى التواصل والاستمرار، يبدو انه كان في الانتظار فبمجرد وصول المسج ارسل إليّ العشرات، وكلها رقيقة ورائعة، شعرت بالخوف والفرحة معا، وانني مقدمة على شيء خطر، فضحني ذلك الشعور وجعلني ارتجف هلعاً كلما انطلقت الاصوات من هاتفي معلنة وصول مسج جديد·
لاحظ زوجي ارتباكي، لأول مرة يداهمه الشك فيّ، لاول مرة يرمقني بهذه النظرات، اتجه نحو هاتفي وراح يقرأ المسجات وهو غير مصدق، احسست بانه بدأ يشتعل، وصلت النار إلى رأسه، فتحول إلى بركان ستندلع الحمم والنيران من عينيه في اية لحظة، نظر إليّ بعينه المخيفتين المصطبغتين باللون البركاني الاحمر· قال بصوت مخنوق: انت؟! أنت تفعلين ذلك؟ قلت له: ماذا فعلت؟ انها مجرد مسجات···! اتجه نحوي بعصبية، امسكني من كتفي بعنف وصرخ قائلاً: من اين تصلك كل تلك المسجات؟ قلت له: لا ادري·· انه رقم غير معروف لديّ··· يبدو ان صاحبه قد اخطأ الرقم· دفعني نحو الاريكة وواصل صراخه: هل تظنيني غبيا إلى هذه الدرجة؟ شخص يرسل لك تلك المسجات كلها فتردين عليه بمسج واحد، ثم تقولين: انه خطأ؟ هل انا غبي أم ماذا؟
حاولت ان ابرر له وان ادافع عن نفسي ولكنه لم يعطني الفرصة، تركني وانصرف· ثم تحولت مشاعره نحوي تحولاً عجيباً فصار دائم الشك والوسواس يتصرف معي بمنتهى الجنون· حتى اضطررت لمواجهته اخيرا، قلت له: انها مجرد مسجات·· لماذا فعلت بك كل هذا يازوجي العزيز؟ ألأنك لا تثق بي؟ ام لأنك متأكد أن من يخطئ سيحاسبه الله بنفس جنس خطأه؟ فعلت المسجات بك كل هذا؟ دمرتك وجعلت حياتك كلها جحيما بعد ان تسلل الشيطان إلى رأسك بيسر لتشك بي ولا تستطيع ان تذوق طعم الراحة والنوم الهادىء، لقد حانت لحظة المواجهة يازوجي المخلص، ألم تدرك بانني كنت اتجرع هذا الالم والقلق والعذاب في كل يوم وفي كل لحظة منذ ان اكتشفت خيانتك لي؟ لقد سقطت من عينيك واصبحت لا شيء، تزحزح عرش الثقة الذي كنت قد وضعتني فوقه، كل هذا يحدث لانك وجدت بضع مسجات مرسلة من مصدر مجهول، ماذا يحدث لك لو انك سمعتني اتحدث بلهفة العشاق مع غيرك؟ ماذا يحدث لك لو تابعتني وانا اتزين واتعطر ثم اخرج مسرعة للقاء غيرك؟ ماذا يحدث لو انك تابعتني ومشيت ورائي بسيارتك لتجدني اجلس في مقعد سيارة رجل آخر؟ ماذا سيحدث لك لو انك مررت بنفس المراحل التي مررت بها معك؟ انت إنسان غير منصف، حاول وضع نفسك مكاني وستعرف شعوري كيف كان، عندما اشعلت النيران بصدري وتركتني احترق بلا اي اكتراث··· ستقول أنا رجل وأنت امرأة، وما الفرق؟ هل عقوبة الرجل الزاني مختلفة عن عقوبة المرأة الزانية في الشرع؟ الكل سواء في العقوبة والكل سواء في الاثم، فلمَ تبيح لنفسك ما تحرمه عليّ؟
أنا، لا أنت، من سيقول لك ما هو الفرق··· فالفرق الوحيد هو ان المجتمع يتقبل فكرة زنا الرجل ولكنه لا يتقبلها من المرأة، اسمعني يا زوجي العزيز، سأقول لك الحقيقة، ان نفس المؤمن تأبى مثل هذه الوساخة سواء اكان رجلاً أم امرأة، ولو كنت مؤمناً حقيقياً لما تقبلت المعصية بهذا الشكل، ولو كنت مؤمناً حقيقياً لدلّك قلبك على ان زوجتك بريئة من هذا الشك الذي تسرب إلى نفسك المريضة لا لسبب سوى انك خائن ولا يصعب عليك تقبل فكرة الخيانة·
اخرجت كل ما بداخلي فأحس بالصدمة التي اعادته اخيراً إلى جادة الصواب·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©