الاتحاد

الملحق الثقافي

فرصة عمل

أحكم الرجل وضع شماغه، ثم ألقى نظرة ثانية على أوراق سيرتي الذاتية، وهو يهمهم قائلاً: عظيم. جواز سفرك جاهز؟
نظرت إليه غير مصدق وقد عقدت الفرحة لساني، هززت رأسي بالإيجاب.
هل لديك توقعات للراتب؟
هززت رأسي بالنفي.

قال الرجل: عموماً ستكون راضياً. أترك رقم جوالك وسنتصل بك غداً لترتيب أمور السفر، و.......
لم أع شيئا بعد ذلك، أحقا ذلك؟ فرصة عمل في الخليج؟ سأرسل رسالة شكر إلى القائمين على موقع التوظيف الإلكتروني.
خمس سنوات مضت على تخرجي، تلطمت في مكاتب المحامين، وساحات القضاء، والمواصلات المزدحمة، قال لي أحدهم، الموصلات على حسابك، لم أر منه سوى بضعة جنيهات لا تكفي لمشاوير الموكلين لرفع الدعاوى وطلبات التأجيل.
غادرت مكتب التوظيف، عشرات العيون تتابعني وتلاحق ابتسامتي العريضة التي لم أنجح في إخفائها.
أنظر إلى لا أحد، أعبر الطريق، أسرح في مطاعم البيتزا التي قضيت الليالي في مطابخها، أنحشر في عربة ميكروباس، إلى حيث بيتنا، ينادي السائق وكأنه يعرف أنني أسكن في هذه المحطة: عمرانية.. عمرانية، حد نازل؟
أصعد درجات السلم، أدير المفتاح في الباب، ألقي السلام، لا أحد يرد، ترى أين أبي؟ لابد أنه في غرفته، يلزمها تقريبا منذ خرج على المعاش، لم يشعر بي عندما دخلت، كان يختبئ كعادته خلف كتاب أو جريدة، أعرف خيبة الأمل المحفورة على وجهه، أحلامه الموؤودة المتوارية في ابتسامة حزينة لا تفارق شفتيه تخايلني، تناديني ألا أخبره حتى أتيقن من الأمر، وهل أستطيع أن أكتم فرحتي حتى غد؟.
ألقيت السلام عليه، فالتفت لي محييا: أهلا يا أحمد، متى جئت، لم أشعر بك.
حاولت أن أصوغ الجملة، فكرت أن أمهد له الخبر، أخشى عليه من صدمة الفرح، أم أنتظر للغد فقط؟ حتى أعرف بقية تفاصيل السفر، سأنتظر نعم.
لكن لساني سبق عقلي فأذاع الخبر: أبي فرصة عمل.. في الخليج.
تلاحقت أنفاسي وأنا أرى أبي يرفع رأسه عاليا، فاغرا فاه، محدقا فيّ وفي عينيه بريق فرح آت من بعيد، خاطبني قائلا: أحقا يا بني؟ أحقا يا أحمد؟ أين؟ وكيف؟ يا كرم الله. بسرعة قصصت عليه تفاصيل الوظيفة، لم ينتظر حتى أكمل حديثي تقدم إليّ وعيناه تفيضان بالدمع، فاتحا ذراعيه، وأخذني في حضنه: مبروك يا بني. ألف مبروك. الحمد لله يا رب.
دخلت أمي، تلهث من شدة الإعياء بعد صعود الدرج، وارتمت على أقرب كرسي للباب خرج إليها أبي يزف البشرى، لم تنطق أمي، بل أخذت تبكي، وهي تدعو الله أن يوفقني وأن يوسع رزقي.
لم يكن من السهل عليّ إخبارهم بهذا الأمر، وأنا لم أوقع العقد بعد، كما لم يكن من السهل عليّ ألا أدخل الفرح في قلبيهما بعد فشلي عشرات المرات في إيجاد فرصة عمل، شعرت ببعض الخوف بعد إذاعة الخبر، ماذا لو فشلت هذه المرة أيضا؟
عرفت الفرحة طريقا إلى بيتنا منذ سنوات، شيء غريب طرأ على البيت، غادرت أبي ابتسامته الحزينة، واكتسى وجهه بضياء باسم، صار يتحدث كثيرا، في أمور عديدة، وتضحك أمي طويلا، ينظران إليّ وكأني صنعت صنيعا أو فتحت فتحا، وكأني بطل الساعة، التف أخواي حولي، يمليان عليّ هداياهم التي يتمنونها، إذا سافرت، صنعت لي أمي الطبق المفضل، محشي ورق العنب، تضعه على المائدة، أقبل يدها، أتأمل خطوتها المهزوزة، أتذكر سنوات شقائها كموظفة، اقترابها من سن التقاعد، مرضها الأخير، أعرف سرّ سقمها، فشلي المتكرر في الحصول على فرصة عمل، أتذكر حليها الذي باعته كي توفر لي مصاريف دراسة الماجستير، كي أحصل على فرصة عمل، تدعونا أمي لمائدة الغذاء، يقبل أبي وأخوتي، نلتف حول المائدة، يلفنا فرح لم يدخل بيتنا منذ زمن، الله، لم أذق طعاما أشهى مما صنعته يد أمي، تتعالى ضحكاتنا، يلح الهاجس نفسه، ماذا لو فشلت هذه المرة؟
يرن جوالي في اليوم التالي، أتلقفه برهبة، يأتي صوت موظف مكتب التوظيف: عفوا هذه المرة!
ماذا؟
سقط الجوال من يدي، أغلقت عليّ باب غرفتي وأخذت أبكي، لأول مرة، لا ليس لأول مرة فلطالما بكيت سراً من دون أن يراني احد، ربما لخمس سنوات منذ تخرجت في كلية الحقوق، لكن هذه المرة تختلف، أو هكذا شعرت.
ماذا أفعل الآن؟ لا أستطيع أن أخبر أبي، كيف أحيل فرحته إلى حطام أسود؟ هل أحتمل بكاء أمي عندما تعرف بفشلي، هذه المرة كنت على يقين من الوظيفة، بدا لي ذلك، من كلام الرجل.
ماذا أفعل الآن؟
فكرت في لقاء صديق لي، كان قد التحق بالسلك النيابي الذي قضى والده عمره في خدمته، همس لي حتى لا يسمع أحد ممن حولنا في المقهى: قلت لك مرارا على حل وأنت ترفضه، أعرف بعضهم ممن نجح في إيجاد فرصة عمل هناك، هناك في حيفا.
حيفا؟ إسرائيل؟ تخايلني صورة عمي الوحيد وأحمد ابن عم محمد البقال وآخرون ذهبوا في حرب 73، وعلى الرغم من أنها لم تكن المرة الأولى التي ينصحني صديقي بهذا الرأي، إلا أنني لم أثر كعادتي وأنتفض لسماعه، نظرت له مليا، وبدأت أستفهم منه عن كيفية إتمام هذا الأمر ومدى قانونيته.
تمر بضعة أيام وأنا لا أزال في شرودي، لجأت إلى الله، دعوته بدموعي أن يكرمني لأجل خاطر أمي المريضة، أراحتني صلاة الاستخارة، وعزمت على تجهيز أوراقي للسفر وكأن شيئاً لم يتغير، كنت أخرج كثيراً ولا أحدث أحداً.
يوم السفر، ودعت أمي وأبي وأخوتي، تركتهم على ظنهم بالوظيفة الرائعة الأولى، كانت أول مرة أكذب عليهم، وكانت تلك أول مرة أركب فيها طائرة، انشغلت في اضطرابي لدى إقلاعها، ثم رحت أستعرض شريط حياتي، وسنوات الدراسة والتجهيز للماجستير في القانون وحلم أمي وأبي بالدكتوراه في القانون الدولي، تساءلت إن كنت قد ملأت قلبيهما بفرح حقيقي، لم أرهما يفرحان قط بهذه الصورة.
تبدأ الطائرة في الهبوط، تصل إلى مقصدها، يستقبلني أحدهم مرحبا، يقلني إلى مقر عملي ومسكني الجديد، أدخل للقاء الشخص المسؤول، يشرح لي طبيعة العمل، يتمنى لي التوفيق، يصحبني إلى مسكني، غرفتي الجديدة التي سأتقاسمها مع زميل آخر، تركني على بابها وانصرف، فتحت الباب ودخلت، استلقيت على الفراش البسيط، تأملت المنضدة الصغيرة ودولاب الحائط، لم يكن ضميري مرتاحاً تماماً إلا أنني كنت آمل أن يكون عملي كحارس عقار في دولة خليجية شقيقة، بداية لا نهاية..
نهضت بعد نصف ساعة لأتسلم مهام عملي من زميلي الهندي الذي انتهت ورديته الصباحية

اقرأ أيضا