الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
مدافع الثلج تقصف البيئة في جبال الألب الفرنسية
31 أغسطس 2005


جبال الألب- 'الاتحاد': اهتزاز أرضي مفاجئ يليه دوي انفجار كبير، اهتزاز آخر وانفجار آخر، وسحب الدخان الأبيض الكثيف تحدد مكان الانفجار في قمة جبال الألب، على ارتفاع 2800 متر·· إنها انفجارات هندسية ناجمة عن ورشة شق طرقات وإقامة محطة ومنشآت للتزلج في الجانب الفرنسي من أعالي جبال الألب·
وقال أحد كبار مسؤولي حماية بيئة الألب: 'إنهم يمعنون في تعدين قطاع السياحة'، ولا تنفي الحكومة الفرنسية تركيزها على عمليات إنماء سياحة التزلج في جبال الألب، التي تستقطب الآن زهاء ثمانية ملايين سائح سنويا، فهو قطاع ضخم تصل الاستثمارات الإنشائية فيه إلى 348 مليون يورو بزيادة 7 في المئة سنويا، والهدف زيادة عوائد قطاع التزلج بمعدل 5 في المئة سنويا على الأقل وزيادة القدرة الاستيعابية لهذا القطاع الذي يشغّل الآن 128,000 فرصة عمل مباشرة إضافة إلى 120,000 فرصة عمل غير مباشرة·
أما من ناحية التشوهات البيئية التي تحدثها هذه الورش الإنشائية في طبيعة جبال الألب فثلوج الشتاء كفيلة بسترها وتغطيتها لكن في الصيف، عندما 'يذوب الثلج ويبان المرج' فتلك مسألة أخرى·
وتقول 'شركة الألب'، المجموعة الدولية التي تشرف على إدارة أكبر 15 محطة تزلج في جبال الألب، صراحة انه ليس هناك أي مانع لعدم تطبيق القواعد الاستثمارية نفسها المعتمدة في أي قطاع صناعي· وقال ايريك غلبار، مدير قسم التسويق في الشركة: حققنا في الموسم الماضي رقم أعمال ضخم تجاوز 245 مليون يورو، وتضع الشركة استثمارات ضخمة في استحداث حفر في الجبال بواسطة التفجير بالديناميت لاستخدامها كخزانات طبيعية للمياه خلال فصل الخريف لكي تغذي في فصل الشتاء مدافع الثلج لصنع الثلج الاصطناعي، مما يساعد في النهاية على تطويل موسم التزلج وعلى إبقاء مناطق التزلج مكسوة بالثلج بنسبة 100 في المئة إلى ما بعد موسم الثلج الطبيعي، وهذا ما يشكل حسبما يقول غلبار، حلا مثاليا لمشكلة نقص الثلج في محطات التزلج الواقعة عند المستويات المتوسطة والواطئة من جبال الألب·
وأضاف غلبار: تحديث محطات التزلج أصبح أكثر من ضرورة ملحة خاصة أن ثماني محطات من أصل عشرة من محطات جبال الألب التي ما تزال تعتمد منشآت وتجهيزات قديمة قد سجلت عجزا ماليا في عوائد العام الماضي والذي قبله، ويلزم لإنعاش هذه المحطات إقامة مدافع ثلج عند قمة 'غروت موت' التي تعلو 3000 متر للتعويض من خلال رياضة التزلج الصيفي على الثلج· والواقع أن مدافع الثلج التي يصل علو بعضها إلى عشرين مترا باتت مزودة بها الآن 85 في المئة من محطات سكي جبال الألب كما بات عددها يتجاوز 600 مدفع، وتكفي جولة سريعة في جبال الألب صيفا لمشاهدة فداحة التشوهات البيئية التي أحدثتها تلك المدافع·
المنظمات البيئية، التي شنت حملات واسعة ضد هذه الانتهاكات المستمرة في طبيعة جبال الألب، اصطدمت بجدار رسمي يصنف منشآت مدافع الثلج كسدود لحفظ المياه·
وبما أن صناعة متر مكعب واحد من الثلج الاصطناعي يلزمه متران مكعبان من مياه الثلج الطبيعي، فمعنى ذلك أن 'تثليج' محطة سكي يستهلك 4000 متر مكعب من المياه الطبيعية للهكتار الواحد، أي ما يوازي ضعفي كمية المياه التي يستهلكها ري هكتار واحد من حقول مزروعة بالذرة·
وبحسب بيانات 'وكالة المياه' الفرنسية فإن كمية مياه الشفة المهدرة سنويا على محطات التزلج في جبال الألب تكفي لري مدينة عدد سكانها ،170,000 كما تحذر الوكالة أيضا من أن الانتعاشة الحالية التي تشهدها محطات سكي الألب لن تعمّر طويلا وذلك بفعل التنامي في استهلاك مياه الثلج الزراعي·
إلى ذلك فإن 15 في المئة من محطات سكي الألب باتت تستخدم الآن تقنية 'سنو ماكس' في إنتاج الثلج الاصطناعي، التي ابتكرتها شركة 'جينيكور' الأميركية المختصة بالتكنولوجيا البيولوجية، والتي تسوّق شركة 'يورك' منتجاتها بشكل أكياس صغيرة سعة الواحدة منها 300 جرام وثمنه 90 يورو، ويحتوي على بكتيريا 'بسيدوموناس' التي تحوّل الماء لدى خلطه بها إلى ثلج اصطناعي درجة حرارته أعلى بثلاث درجات من حرارة الثلج الطبيعي·
وينتشر هذا المنتج، الذي بدأ تسويقه منذ مطلع التسعينات، الآن على نطاق واسع في كافة البلدان الأوروبية لكن المانيا مثلا قامت بمنع هذه المنتجات منذ سنوات حفاظا على عدم تسبب تلك البكتريات بتلويث الثلج الطبيعي والبيئة الطبيعية ايضا· وبالعودة إلى الانفجارات، يذكر أن التفجير بالديناميت يعد الطريقة الأساسية التي ما تزال متبعة في الورش الإنشائية على أنواعها في جبال الألب، والمشكلة ليست في الديناميت بحد ذاته بل في الانهيارات الثلجية التي تتسبب بها تلك التفجيرات، والتي أوقعت في العام الماضي 2004 مثلا 26 قتيلا·
وكما يقول جان لويس ترايون، مدير أمن محطات التزلج في منطقة تيغن بجبال الآلب: 'المعدل الوسطي لعدد التفجيرات بالديناميت في جبال الألب بحدود 40,000 تفجير سنويا، وباعتبار الوزن الوسطي لكل شحنة ناسفة بحدود الكيلوجرامين، يكون لدينا ما يوازي 80 طنا من المتفجرات سنوياً'·
وأضاف ترايون: 'لا يخفى طبعاً ما تحدثه هذه التفجيرات من اختلال خطير في التوازن البيئي لمناطق جبال الألب وجوارها، والمتمثل بصورة خاصة بالأضرار المباشرة التي تطول الثروات النباتية والحيوانية فيها'·
هل هذا هو إذن ثمن تصنيع السياحة الشتوية في جبال الألب؟
سويسرا قدمت حلاً مثالياً من خلال منعها لحظر السيارات أو أي نوع من الآليات من عبور منطقة يزرمات عند الواجهة السويسرية من جبال الألب، سواء صيفا أو شتاء، إضافة إلى حظر إقامة أي منشآت معمارية فيها، والمفاجأة أن تلك الإجراءات لم تؤثر على عدد سياح تلك المناطق السويسرية بل زاد عددهم بحدود 20 في المئة·
هل تتعظ فرنسا، وباقي الدول الأوروبية وغير الأوروبية الثلجية، من الأمثولة السويسرية، أو تستمر في نهش عوائد الثلج السياحية التي لن تعمر طويلاً إذا بقيت الأمور على حالها؟ يقول ترايون: 'اإذا لم نعرف كيف نحافظ على الثلج، فسوف نفرح بما نأكل منه اليوم، لكننا سنجوع بسببه غداً! 'أورينت برس'

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©