الاتحاد

تقارير

النظام الدولي الغائب!

بعد مرور أكثر من عقدين من الزّمن على انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، وما رافق ذلك من أحداث وتبدّلات دولية متسارعة، يبدو أن العالم لم يرسُ بعد على نظام واضح المعالم، على رغم التبشير الذي أطلقته الولايات المتحدة في نهاية القرن الماضي ببزوغ "نظام دولي جديد". ذلك أن وجود نظام دولي يفترض توزيعاً للنفوذ والقوة بين مختلف الفاعلين الأساسيين في الساحة الدولية خلال مرحلة معينة، ووجود ضوابط دولية تستند إلى المؤسسات وقوة القانون، ترسّخ العدالة لا الفوضى.
فبعد سيادة نظام دولي عكس موازين القوى السائد الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية وترجمت ضوابطه في ميثاق الأمم المتحدة، عرف العالم تحولات متسارعة كشفت قصور وعجز بعض مبادئ القانون الدولي عن مقاربة الأوضاع العالمية الجديدة، وهو الأمر الذي فتح المجال واسعاً لظهور عدّة ممارسات انفرادية، تتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة.
والحال أن مفهوم "النظام الدولي" ينطوي على أكثر من دلالة، فبالإضافة إلى كونه يعبّر عن شكل توزيع القوة والتأثير بين مختلف القوى الدولية الكبرى، فهو يحيل أيضاً في بعض دلالاته إلى سيادة العدل ووجود قواعد ثابتة تحكم التفاعلات الدولية.
وفي أعقاب انهيار المعسكر الشرقي ونهاية الحرب الباردة، عملت الولايات المتحدة وحلفاؤها على استثمار هذه الأوضاع والتحولات في تأسيس علاقات دولية مبنية على مفاهيم جديدة خدمة لمصالحها.
ففي غمرة هذه التحولات الدولية، برزت أميركا كقطب مهيمن على الساحة الدولية، وروجت لـ"نظام دولي جديد"، سيكون "متحرراً من مخاطر الإرهاب، قوياً في البحث عن العدل وأكثر أمناً في طلب السلام ومبنياً على التعاون والإخاء ومواجهة الأخطار المحدقة بالسلم والأمن الدوليين وتعزيز دور الأمم المتحدة".
وبالموازاة مع ذلك، برزت مقولات سياسية و"أكاديمية" حاولت إيجاد تفسيرات لهذه المتغيرات والتنبؤ بنوع وطبيعة الصراعات العالمية المرتقبة، من قبيل مقولة "نهاية التاريخ" لـ"فوكوياما" ومقولة "صدام الحضارات" لـ"هنتينغتون" التي اختزلت الصراعات المقبلة في الجوانب الدينية والثقافية، ومقولة "الفوضى الخلاقة".
وقد أثار "التبشير" الأميركي بهذا النظام عندئذ مجموعة من ردود الفعل في الأوساط السياسية والأكاديمية، تراوحت بين رأي يؤكد أصحابه صحة وجود هذا النظام، ويعتبرون أن ذلك من الحقائق السياسية الدولية، ويعتقدون أن هناك ما يكفي من المستجدات الفكرية والسياسية الدولية التي تدل على وجوده. ورأي ثان، يشكّك رواده في صحّة وجود هذا النظام، ويعتبرون أن كل ما جرى في العالم من تحولات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، لا يصل إلى مستوى بناء "نظام دولي جديد"، وإنما يظل مجرد متغيّرات وأوضاع دولية جديدة.
وبين الرأي الأول القاضي بوجود هذا النظام، والرأي الثاني الذي ينفي ذلك، نجد رأياً ثالثاً حاول التوفيق بينهما، وهو يؤكد من جهته على أن هذا النظام هو في أحسن الأحوال، نظام لا يزال قيد التكوين ويمر الآن بمراحله التأسيسية الأولى.
إن النظام "المثالي" الذي بشرت أميركا ببزوغه يظل نظاماً أميركيّاً صرفاً، ويفتقر للصفة الدولية، طالما صيغت معالمه بعيداً عن مختلف القوى الدولية الصاعدة، وتحكمت في مساره هذه الدولة خدمة لمصالحها ومصالح حلفائها وضدّاً على مصالح الدول الأخرى التي ظلّت في غالبيتها مجرد موضوع له، وليست طرفاً فاعلاً فيه.
والراهن أن الواقع الدولي الحالي يبرز بشكل جلي أن العالم يمر بفترة عصيبة من تطوره.. ويظل الشيء المؤكد هو أن العلاقات الدولية أضحى يتحكم فيها منطق القوة أكثر من مقتضيات القانون الدولي المعتبرة ضابطاً مفترضاً لهذه العلاقات.
إن غياب ضوابط دولية تحمل قدراً من التوافق بين جميع دول العالم بشماله وجنوبه، تؤطر هذه التحولات، وعدم فعالية المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة في انتزاع حقوق الضعفاء في مواجهة الأقوياء، من شأنه أن يراكم سوابق قد تهدد بانهيار القانون الدولي برمته، ويسهم في انتعاش مقولات "صدام الحضارات" ومظاهر التطرف وتصاعد أعمال الإرهاب على امتداد مناطق مختلفة من العالم.
ويمكن القول إن السبيل الأساسي والأول لوقف هذه الانحرافات وعقلنة التدخل وضبط اختلالات الواقع العالمي في اتجاه تطوير وتفعيل القانون الدولي بشكل يأخذ مصالح المجتمع الدولي برمته، ينبغي أن ينطلق من إصلاح الأمم المتحدة باعتبارها الهيئة العالمية الكفيلة والمؤهلة قانونيّاً لإدارة الصراعات الدولية.

إدريس لكريني - كاتب مغربي

ينشر بترتيب مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا