الاتحاد

الملحق الثقافي

التجّار الدعاة

تركت الدراسات النقدية لتاريخ الإسلام، وفتوحاته وتوسعاته، وأغلبها غربي الهوى والهوية، انطباعاً خاطئاً عند الكثيرين، بأن امتداد الدعوة الإسلامية وإرسا بنيان الإمبرطورية، قد تمّ بحدّ السيف وحده. ومن المؤكد أن تلك الدراسات ركزت على أسلوب واحد من الأساليب التي اعتمدها المسلمون للإنطلاق من جزيرتهم العربية نحو العالم. ويبدو أن الدراسات الغربية أهملت بشكل متعمد اعتماد المسلمين في كثير من المراحل، وحيال كثير من الشعوب، مبدأ الإقناع الفكري، والاستقطاب على أساس المصالح، وهو ما قام به بشكل أساسي التجار خصوصاً في توجههم نحو شرق آسيا، الهند وماليزيا وأندونيسيا وصولا إلى الصين.
هذا الموضوع بالذات، كان محور كتاب “التجار والإيمان ـ ثقافة المسلمين وتجارتهم في المحيط الهندي” الصادر حديثاً عن (مشروع كلمة) التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث.
مؤلفة الكتاب هي باتريشيا ريسو، وهي أستاذة التأريخ الإسلامي في جامعة نيومكسيكو الأميركية، حاصلة على الماجستير في التأريخ الإسلامي من جامعة McGILL عام 1976 ومنها حصلت على درجة الدكتوراه في التأريخ الإسلامي أيضا عام 1982. ولها عدد كبير من المؤلفات والبحوث التي تناقش مواضيع ذات علاقة بالتأريخ الإسلامي والملاحة البحرية في المحيط الهندي وأوجه التواصل الثقافي بين المسلمين والأوروبيين.

حقائق تاريخية

تنطلق المؤلفة في كتابها من حقيقة تاريخية في كتابها، وهي الدور الأكبر الذي كان للتجار المسلمين وعائلاتهم في تأسيس الحكومات الساحلية في جنوب آسيا وجنوب شرقها وفي شرق أفريقيا. وكان يطلق على هذه الحكومات على الأقل صفة إسلامية ولو بشكل صوري، لأنها كانت تقوم بممارسات اعتيادية مخالفة لقواعد ومبادئ الإسلام. ولم يؤد التوسع الإسلامي في مرحلته الأولى إلى جلب وتكريس الثقافة الإسلامية السامية لكنه زرع بذور التحول إلى الإسلام (الأسلمة) حيث أدت هذه العملية إلى الربط بين الهوية الإسلامية والتجارة.
هذا الدور يجعل المؤلفة تقرّ، مبدئياً، بأهمية الإسلام في تاريخ المحيط الهندي، ما يعني ـ والكلام للمؤلفة ـ عدم اعتبار الإسلام عائقاً آيديولوجيا دائما للمسلمين وحكوماتهم. فقد ساعد الإسلام، في رأيها، على تشكيل وبلورة الأحداث بدلا من تحديدها أو خلقها.
وتتوقف المؤلفة في فصل من كتابها عند وجود حضارات وعقائد عريقة سابقة على الإسلام في شرق آسيا، مثل الحضور المؤثر للبوذيين والهندوس في السند. وهذا هو السبب الذي جعل معتنقي الإسلام الجدد يتأخرون في توكيد حضورهم. فالعرب خلقوا تحديات للتجارة في المدن التي يسيطر عليها البوذيون. وفي المقابل عمد الهندوس إلى أن يكونوا مزارعين في الأرياف والمناطق النائية مما جعل تأثير السيطرة الإسلامية عليهم محدودا. لقد سمح اعتناق الإسلام للبوذيين بالمشاركة في شبكة التجارة الإسلامية الجديدة والتي تربط آسيا الوسطى وجنوب آسيا ومنطقة الشرق الأوسط. وما يمكن قوله هنا هو أن الأسلمة الصحيحة (التحول الصحيح إلى الإسلام) وتطور عقيدة المسلمين ومؤسساتهم قد وجدت مكانها في الأجيال التالية. وقد كان للأسلوب المتبع في دعوة أهل السند إلى الإسلام مضامين محتملة لما حدث بعدها من دخول للناس في الإسلام عند احتكاكهم التجاري والاقتصادي على امتداد آسيا.
وفي الوقت الذي كان الحاضن الأساسي للإسلام والمسلمين، أي المنطقة العربية أو منطقة الشرق الأوسط، تشهد أحداثاً كبرى على صعيد نشوء مؤسسات وحقب حكم مختلفة، فإن ذلك كان ينعكس تلقائيا على الحضور الإسلامي خارج الحيز الجغرافي النقي، ويمتد بالتالي إلى ما وراء الحدود. فعلى سبيل المثال، وأثناء فترة الحكم الفاطمي في مصر، استمات الأوروبيون كقوة كبرى في حوض البحر الأبيض المتوسط، لمعرفة وتفسير مصالح الفاطميين في المحيط الهندي. فقد استفاد الفاطميون من الجاليات المتواجدة وخاصة في بلاد السند وجوجارات. كما استفادوا أيضا من شبكة تواجد الإسماعيليين في مناطق مترامية الأطراف والتي وجّهت التجارة عبر المحيط الهندي إلى القاهرة. وقد كان العباسيون في بغداد هم أكثر من تضرر من هذا التنافس الجديد نظراً لأن التجارة البحرية تحولت من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، على الرغم من الصعوبات التي تسبّبها مستعمرات الشعب المرجانية في البحر الأحمر والتي كانت تعيق حركة الملاحة. وظلّت الأنماط والأساليب التجارية التي برزت خلال هذه الفترة قائمة حتى بعد سقوط القاهرة من أن تلعب دورا رئيسا في التجارة المتعلقة بغرب المحيط الهندي خلال القرون التالية.
بعد ذلك، وحينما يمم المسلمون وجوههم ناحية الصين، تم الاحتكاك الأول بين مسلمي الهند والشرق الأوسط من جهة والصين من جهة أخرى، عن طريق الدور الفاعل الذي كان يقوم به المسلمون في الملاحة البحرية في آسيا. وقد شارك المسلمون في التعامل التجاري مع الصين، ولم يكن ذلك ناتجا عن غزوهم لها لكن بسبب الطلب المتزايد لخدماتهم في مجال النقل البحري. وقد ذكر أحد العلماء البارزين في تأريخ المحيط الهندي وهو ك. إن تشوذري أن هناك حدثين يمثلان مصادفة حسنة جالبة للحظ وهما ظهور نظامين سياسيين واقتصاديين: تأسيس دولة النبي محمد (ص) في المدينة عام 622 م. وتأسيس مملكة التانج في الصين عام 618 م. وما كان لهذا الاستقرار السياسي والاقتصادي أن يكون ممكنا منذ عهدي إمبراطوريتي الرومان والهان. وتنسجم هذه المصادفة وتتفق مع وجهة النظر المؤكد عليها هنا وهي أنه يستحيل الوصول إلى تدوين تأريخي مضبوط ودقيق للمسلمين في المحيط الهندي بدون إعطاء الصين ما تستحقه من الاهتمام.

إلى الصين
وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون يحتلون أهمية كبيرة فيما يتعلق بالتجارة الصينية عن طريق تركّز عملهم في النقل البحري، فإن النصف الشرقي من المحيط الهندي كان بشكل عام لا يزال تحت سيطرة غير المسلمين. وكانت الأغلبية الساحقة في الساحل الشرقي للهند هي من الهندوس. وقد سيطرة مملكة الهندوس والبوذيين في سيرفيجايا على جنوب شرق آسيا وكان حظهم في التجارة البحرية مرتبطا بالصين. وكانت سيرفيجايا قوية في الفترة ما بين القرنين السادس والثالث عشر. وعلى الرغم من تقويض تجارتها مع جنوب آسيا في القرن الحادي عشر عن طريق الأسطول التابع لنظام تشولا جنوب الهند، إلا أن تجارتها مع الصين ظلت ذات أهمية حتى العام 1200 م. وقد عاد بعض المسلمين الأجانب ممن سبق طردهم من منطقة الكانتون ليستوطنوا منطقة سيرفيجايا. لكن العدد الأكبر من المهاجرين المسلمين إلى جنوب شرق آسيا رجعوا فيما بعد من الهند. ولم يتم ربط النصف الشرقي للمحيط الهندي بشكل حاسم ضمن الإطار الإسلامي إلا بعد حلول القرن الثالث عشر وليس قبله.
وحول تطور الملاحة البحرية وتوسعها في الهند الغربية، وشرق أفريقيا وخاصة جنوب شرق آسيا، تفرد المؤلفة فصلا خاصا تؤكد فيه على المكانة المرموقة التي اكتسبها البحارة المسلمون في الهند الغربية خلال القرن الحادي عشر وحتى الخامس عشر، ولم تنم ولم تزدد مجتمعات وتجمعات التجار المسلمين من خلال التكاثر الطبيعي، أو أعداد المعتنقين للإسلام أو حتى عن طريق الهجرات الجديدة فحسب، بل إن هذه المجتمعات نفسها شاركت أيضاً في عملية التوسع داخل شرق أفريقيا وجنوب غرب آسيا، وبقيت هذه المجتمعات محتفظة بخصوصيتها الثقافية والسياسية في نطاق سلطنة دلهي.
وتشر المؤلفة إلى أن نجاح التجار المسلمين الأجانب في مناطق الموانئ على امتداد الساحل الغربي للهند قد شجع الذين اعتنقوا الإسلام من الهنود وجذبهم للمشاركة في التجارة البحرية، فقد كانت الهوية الدينية لتجمعات التجار على المناطق الساحلية غير متجانسة، وكانت الغالبية والتي تتبع الاتجاه السني في الإسلام تميل إلى اتباع المذهب الفقهي الشافعي والذي كان شائعاً في بلاد العرب، وكان هذا التوجه مناقضاً لما هو عليه الحال في سلطنة دلهي والتي كان المذهب الحنفي فيها هو السائد، وكان أتباع الاتجاه الشيعي في الغالب من الإسماعيليين ممن ينتمون إما إلى إحدى الفرقتين واللتين يعود تاريخهما إلى خلافات الفاطميين في القرن الحادي عشر، فالمجموعة الأولى تُدعى البهرة وكانت تربطها علاقات بالأقلية الإسماعيلية الموجودة في اليمن (وتسمى هذه الطائفة حالياً بالمكارمة)، ويشتق اسم هذه المجموعة من كلمة جوجاراتي والتي تعني “تاجر”، وأما المجموعة الأخرى والتي يطلق عليها الخوجة فقد تبنت الشعائر والرموز الهندوسية ومارستها واعتنقتها، وقد أوجدت بهذا التصرف نمطاً هندياً جديداً للإسلام، وكان كل من أتباع المذهب الشافعي والبهرة وكذا الخوجة يميلون إلى التعاملات التجارية ضمن مجموعاتهم ومذاهبهم، لكنهم كانوا في المقابل يمثلون كتلة إسلامية واحدة أمام الهندوس.

سلطة التجار
وظلت السلطة على الأرض بشكل عام في قبضة الحكام الهندوس، في حين أن البحر والساحل كان يخضعان لسيطرة مجتمع التجار المسلمين ذوي النفوذ الكبير من قبل، وقد وجدت بعض الحالات التي تولى فيها بعض المسلمين والهندوس معاً مناصب قيادية في الجيش أو في السياسة، وظل المسلمون في السواحل في تجمعاتهم وجيوبهم، لأنهم لم ينسجموا مع النظام الطبقي الهندوسي، غير أن هناك بعض الأمثلة التي تبنى فيها مسلمون بعضاً من المبادئ والأنماط الثقافية الهندوسية مثل: الامتناع عن أكل لحوم البقر ودفع الضرائب والخدمة في جيش قائده هندوسي، وقد لعب المسلمون في الغالب دوراً سياسياً غير مباشر كما كان الحال في منطقة كاليكت حيث أدرك الحاكم الهندوسي الذي يطلق عليه زامورين، الحاجة للاهتمام بالمصالح البحرية من خلال القرارات السياسية والإدارية، وقد ظهرت في مدن الموانئ التي تقطنها غالبية مسلمة بعض الأساطير والأقاصيص والتي تعطي شرعية إسلامية للقوة السياسية أو الاقتصادية أو كليهما، وكانت تلك الأساطير عادة ما تربط نفوذ وهيمنة المسلمين ببلاد العرب مباشرة وبآل وقبيلة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولم يربطوا ذلك بالأتراك أو الأفغان الذين كانوا يشكلون سلطنة دلهي آنذاك.
أما حول مسألة التعريب والأسلمة، فإن المؤلفة تشير إلى أن وصول واستقرار التجار المسلمين والوعاظ (الدعاة) إلى سواحل جنوب آسيا أو في أي مكان آخر كان يتبعه دخول أهل تلك المناطق في الإسلام، ومن ثم أسلمة تلك المناطق بشكل دائم عن طريق تبني قواعد ومبادئ ونمط حياة المسلمين، وترتبط عملية الأسلمة هذه غالباً بوجود بعض المؤسسات الشرعية والتعليمية، ولم يكن انتشار الإسلام أو اللغة العربية بالدرحة نفسها من الشيوع والتأثير والتأثر كما هو الحال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي فتحها العرب الأوائل، وكانت عملية الأسلمة في المناطق البعيدة هذه عادة ما تواجه بتصلب ومقاومة الثقافة المحلية والعادات وفي بعض الأحيان كان وضع المسلمين كأقلية عاملاً سلبياً، وأما مسألة التعريب ونشر اللغة العربية وثقافتها فقد كان أمراً مختلفاً أيضاً، فقد غيّر من دخلوا الإسلام أسماءهم واستبدلوا بها أسماء عربية، ولكنهم لم يأخذوا عن العرب ألقابهم القبلية، حيث سبق أن حدث مثل هذا مع المعتنقين للإسلام في الشرق الأوسط، وكانت للغة العربية أهميتها، غير أنه لم يكن لها أثر كبير يذكر، ففي جنوب آسيا الساحلي نجد المفردات والكلمات العربية قد وجدت طريقها إلى الاستخدام العادي غير المرتبط بالإسلام، ومع ذلك نجد أن اللغة السنسكريتية للجوجارات واللغة الماليلالم كانتا تستخدمان من قبل الهندوس والمسلمين على حد سواء مما حفظ لهم هويتهم اللغوية، وفي شرق أفريقيا كان للعرب المستوطنين هناك أثر كبير على اللغة المحلية غير المكتوبة “البنتو” وعلى لهجاتها أيضاً، ونشأت بعد ذلك لغة جديدة سميت باللغة السواحلية، وعندما بدأت هذه اللغة تتخذ شكلاً مكتوباً، نجد أن الرسم العربي هو الذي تم تبنيه، ويعود تاريخ هذه الكتابة الأولى إلى القرن الثامن عشر، وأما في جنوب شرق آسيا، فنجد أن هناك تأثيراً ملموساً للغة العربية سواء من خلال مفرداتها أو رسمها (كتابتها) وقد أضافت اللغة العربية بعضاً من خصائصها على لغات شبه الجزيرة الملاوية وسومطرة وجاوة.
كتاب باريشيا ريسو، هذا، والذي ترجمه إلى العربية الدكتور أحمد عبد العزيز العباسي، يقدم وجهة نظر غربية غير تقليدية إلى الدعوة الإسلامية وانتشارها في آسيا، وهنا تكمن أهميته

اقرأ أيضا