الاتحاد

الملحق الثقافي

الطب في خدمة الاستعمار

ضمن سلسلة “قضايا تاريخية” التي تصدرها منشورات الزمن في الرباط، صدر مؤخرا كتاب: “الدور الاختراقي والاستعماري للطبابة الأوروبية في المغرب” للدكتور أحمد المكاوي، الأستاذ الباحث في شعبة التاريخ. والكتاب من الكتب المتفردة والمتميزة التي ناقشت “خطورة” الخدمات الطبية المقدمة من قبل الأطباء ومنتحلي الطب الأوروبيين، حيث شكلت تلك الخدمات “إحدى أبرز الوسائل التي وظفتها القوى الأوربية لاختراق المغرب تمهيدا للسيطرة عليه. وبدا هذا التوظيف بيّنا جدا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر (1860 ـ 1912). كما أن سلطتي الحماية الاسبانية والفرنسية (1912 ـ 1956) عملتا على استخدام الخدمات الطبية لكسب ثقة المغاربة وتحقيق “التغلغل السلمي” ثم ترسيخ التحكم، وأنشأت في هذا السياق عددا من المرافق الصحية (مستشفيات، مستوصفات، مراكز توليد، عيادات...) وعملت على توسيع نطاق عمليات التلقيح وغيرها من الإجراءات التي لها طابع علاجي أو وقائي.
ويركز الباحث بصفة خاصة على النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفترة الحماية، حيث “بدأ الاختراق الطبي الأوربي للمغرب”. كما يقول الباحث في توطئة كتابه “يأخذ حجما كبيرا، بالموازاة مع تفاقم ضغوط الدول الأوربية عليه، مع استجابة ملحوظة وملموسة من قبل المغاربة لما عرض عليهم من خدمات طبية، سواء كانت من قبل أطباء حقيقيين أو أطباء مزيفين. وليس ثمة مبالغة في القول بأن الطب الأوربي حصل على ما يمكن تسميته “ثقة شبه مطلقة” من قبل المغاربة، بصرف النظر عن الإطار العام للعلاقات بين المغرب وأوربا منذئذ. فهل يمكن تفسير هذه “الثقة الاستثنائية” في الأوروبي، الطبيب تحديدا، بالطبيعة الخاصة والفردية للخدمات الطبية التي تجعل المستفيد منها يتجاوز الحساسية الدينية؟ ألم يكن هناك إدراك بأن الخدمة الطبية، كأية خدمة أخرى، يقدمها الأوروبي، مثل ترويج بضاعة وإدخال مستحدث تقني وتعليم طالب... لا تقل خطورة، إن لم نقل أكثر خطورة، نظرا لوقعها النفسي وما يترتب عن تكسير الحواجز النفسية؟”.

أسبقية عربية
في الفصل الأول من هذا الكتاب يقف المؤلف عند الدور الريادي لأطباء عرفهم تاريخنا قائلا: “مارس الأطباء المسلمون خلال فترات سابقة على حروب الاسترداد، دور أساتذة الطب والصيدلة على الأوربيين، قبل أن يتراجع هذا الدور ثم ينهار ليصبح العالم العربي الإسلامي خاضعا للهيمنة الطبية الأوربية.
كان للأطباء في الشرق العربي الإسلامي إشعاع قوي في ميدان الممارسة والتأليف الطبيين، ويكفي ذلك الأسماء التالية: أبو بكر الرازي (ت 932)، ومؤلفة “الكامل في الطب”. عيسى بن يحيى الجرجاني (ت 1010) وهو طبيب فارسي، شيخ ابن سينا اللاحق ومؤلفه “زبدة الطب. ابن سينا (ت 1037) صاحب كتابي: “القانون في الطب” و”الشفاء”. السويدي (القرن 13)، وهو طبيب شامي، خلف كتاب “التذكرة في الطب”. يؤكد المؤلف أن “الأوربيين كانوا حريصين على الانتفاع من الطب الإسلامي والأطباء المسلمين حتى في أقصى حالات التوتر بين أوروبا والعالم الإسلامي، كما برهنت على ذلك أطوار الحروب الصليبية، فالحمية الدينية لم تمنع الصليبيين من العمل على الظفر بالخدمات الطبية لأعدائهم المسلمين. ولم يكن الأطباء والمؤلفون في الطب في الغرب الإسلامي أقل إشعاعا أو تأثيرا، بل ربما فاقوا أقرانهم في الشرق الإسلامي، أحيانا كثيرة، شهرة وإنتاجا، وحينما يتم الحديث عن مشاهير الطب في الغرب الإسلامي، نستحضر عدة أسماء، منها ابن الوافد المعروف في أوربا، وقد عمل في مستشفى طليطلة، وتميز بوضعه أساس طريقة العلاج المركزة على النظم الغذائية، ومن أشهر مؤلفاته كتاب “الأدوية البسيطة”.
غير أن شهرة ابن الوافد لم تبلغ ما وصله أبو القاسم الزهراوي (ت 1106)، إذ نهض بمهنة الجراحة الطبية، فقد سبق إلى سد الشرايين عند العمليات وأبدع طريقة تفتيت الحصى في المثانة وكيفية استخراج الحصى من مثانات النساء، ويعتبر مؤلفه “الجراحة” أول كتاب مستقل في هذا الباب إذ بناه على قواعد التشريح، وقد ترجم الكتاب إلى اللاتينية من قبل المترجم الشهير جرينوم دو جيرارد في القرن 12م، ثم صدرت له ترجمات بلغات أوربية خلال القرنين 15 و16م، ليصبح الكتاب الأكثر تداولا في هذا الإطار، وظل قاعدة للتعليم الجراحي في أوربا لعدة قرون.
كما يعرفنا الباحث على ألمع أطباء الأندلس منهم “محمد بن مروان ابن زهر الاشبيلي الشهير عند الأوربيين بابن زهر، وينحدر من عائلة أنجبت الكثير من الأطباء. وقد تجاوز طريقة جالينوس، الطبيب اليوناني في التطبيب مبتكرا طرقا جديدة، وأهم مؤلفاته “التيسير” الذي وصف فيه وصفا شاملا عددا من الأمراض.
وكانت سليلة الأسرة ذاتها، أم العلاء بنت عبدالمالك أخت الحفيد ابن زهر، من أشهر الطبيبات. فقد تعلمت الطب في مدرسة والدها وأسرتها التي امتهنت الطب منذ أجيال، وتقدمت في فن الولادة وأمراض النساء والأطفال وحظيت في دولة بني عبدالمومن (الموحدي) وخصوصا عند المنصور...

انقلاب الأدوار
وقد تبدلت الوضعية ـ كما يقول المؤلف ـ اعتبارا من “القرنين 15 و16م، إذ أضحى التفوق الأوربي في الطب جليا، ولم يمانع المغاربة في التطبيب على أيدي الأوربيين حتى في أوج الصراع الديني والعسكري بين المغاربة والأوربيين. فانطلاقا من العهد الوطاسي بدأ الاعتماد على الأطباء الأوربيين، من ذلك انه خلال التوسع البرتغالي في الثغور المغربية، لم يتردد السلطان أحمد الوطاسي وعاملاه إبراهيم بن علي بن راشد والعطار في استدعاء البرتغاليين إلى مدينتي أزمور وأصيلا المحتلتين. ويذكر في هذا الصدد استقدام إبراهيم بن راشد سنة 1530 للطبيب البرتغالي دورت رودركيز لمداواته، ثم استقدامه مرة ثانية، بعد عامين، لتطبيب أخت السلطان أحمد الوطاسي.
ويشير المؤلف في مبحثه الأول إلى أن النصف الأول من القرن 16 شهد الاعتماد على أطباء من أصل برتغالي بالرغم من شدة الصراع بين الوطاسيين والبرتغاليين، ثم حدث تبدل خلال النصف الثاني من القرن المذكور، إذ تم جلب أطباء من بلدان أوروبية أخرى، منهم الاسباني أندريه كاميلو الذي خدم طبيبا للسلطان عبدالمالك السعدي، والفرنسي جيلوم بيرارد الطبيب الخاص للسلطان ذاته ولخلفه السلطان أحمد المنصور. وقد عوض في البلاط السعدي بأطباء فرنسيين آخرين كما أن الأوربيين أدركوا ثقة المغاربة في الطب الأوروبي، فشرعوا في استغلال هذه الثغرة (الثقة)، بأن أضحى المغامرون والجواسيس ينتحلون صفة أطباء. ليس لأجل كسب المال فقط. وإنما ليكونوا كذلك عيونا تنقل أدق التفاصيل عن واقع المغرب، بما في ذلك ما يجري داخل البلاط السلطاني”.

الجاسوسية والطبابة
في فصل عنوانه الفرعي “تلازم الجاسوسية والطبابة الأوروبيين” يعرفنا الباحث عن جواسيس أطباء عرفهم التاريخ المغربي منهم: “الجاسوس الألماني جيهارد روهليف، المعروف في المصادر المغربية بمصطفى النمساوي أو مصطفى الألماني. وقد عمل ضمن اللفيف الأجنبي في الجزائر بصفة طبيب قبل أن ينتقل إلى المغرب بعد حرب تطوان، وبالضبط خلال شهر أبريل 1861. آملا أن يلج الجيش المغربي بالصفة المذكورة. وقد تزين بالزي المغربي (جلابة، طربوش، بلغة...) وتمكن بوصفه طبيبا من دخول بلاط السلطان محمد بن عبدالرحمان والكشف على حريمه. وكان هذا الجاسوس الذي تعلم الشهادتين فقط قد أقام في وزان حوالي سنة، حيث استضافه الشريف مولاي عبدالسلام الوزاني وقدم له خدمات علاجية. ثم أصبح الطبيب الأول للسلطان محمد بن عبدالرحمان، وإبان وجوده في مكناس لمدة شهرين”. كما يعرفنا على المستكشف الفرنسي دوفوريي الذي اجتاز منطقة “الريف متظاهرا بمهنة طبيب وذلك سنة 1887، بإيعاز من الشريف مولاي عبدالسلام الوزاني الذي كان يوجد وقتذاك في منطقة وهران، إذ نصحه بأن انتحاله لصفة طبيب سيمكنه من عبور منطقة الريف المعروفة بشدة بأسها بأمان، وجعله اكتشافه لمجال الريف بهذه الصفة (طبيب) يعد عملا اعتبر بمثابة فتح في إطار التعريف بهذا المجال المجهول رغم قربه الجغرافي من أوربا”.
ومن العملاء والمنتفعين المنتحلين لصفة طبيب يذكر الباحث الكثير منهم الألماني كراك، الذي استقر في المغرب اعتبارا من سنة 1886، لفترة طويلة فبعد قضائه عدة شهور في تطوان وفاس استوطن مدينة الدار البيضاء وفتح عيادة وصيدلية عام 1894، وقد منعه القنصل الألماني بها فيش من مزاولة التطبيب بحجة أنه ليس طبيبا حقيقيا بيد أن تتنباش (وزير ألمانيا) الذي كان يدرك أهمية وجود شخص مثل كراك في الدار البيضاء ومعرفته بأحوال المغرب، أعطى تعليماته بأن يستمر كراك في ممارسة نشاطه الطبي بالرغم من كونه مجرد طبيب مزيف”.
ويتوقف المؤلف عند ظاهرة انتحال ضباط الجيش، صفة طبيب للقيام بالعمل الاستخباري، مشيرا إلى حالات منها من ذلك ما قام به الضابط الاسباني “جيلفز” الذي كان يتقن اللغة العربية، حيث سبق أن خدم في تطوان وقد تقمص دور طبيب اسباني بهدف استطلاع الأوضاع في منطقة تطوان وما جاورها في خضم الاضطرابات التي عرفها المغرب الشرقي إبان تمرد الجيلالي الزرهوني “بوحمارة” وذلك سنة 1905.

اقرأ أيضا