الاتحاد

تقارير

استفتاء الجنوب... بين رهانين وسودانَين!

تعود إحدى الذكريات المبكرة للمواطن السوداني الجنوبي "ألفريد لادو" إلى الأول من يناير من عام 1956. ويمكن لـ"لادو" أن يكون على كل هذا القدر من الدقة العالية في تحديد التاريخ، لأنه اليوم الذي نال فيه السودان استقلاله من الحكم الاستعماري البريطاني. وبما أنه كان طفلاً صغيراً في ذلك الوقت، فلم يكن يدرك بعد معنى الحدث وأهميته. غير أن ذلك اليوم قد ترسخ في ذهنه جيداً لأنه اليوم ذاته الذي أخبره فيه شقيقه الأكبر بأنه سيذهب إلى المدرسة لأول مرة. ومنذ ذلك اليوم وإلى الآن، أي على امتداد 55 عاماً ظل "لادو" شغوفاً بالعلم والمعرفة. وها هو الآن يجلس ليطالع بعض الكتب والمراجع بمكتبة جامعة جوبا الواقعة في قلب عاصمة جنوب السودان، عشية حدث آخر تاريخي مهم. ففي هذا اليوم الأحد، 9 يناير 2011، سيصوت "لادو" والملايين غيره من مواطني جنوب السودان في استفتاء شعبي يقررون عبره ما إذا كانوا يريدون البقاء في ظل الوحدة السودانية الحالية، أم أنهم سيعلنون انفصال وطنهم في الجنوب بعد عقود طويلة من الحروب الأهلية الدموية مع الجزء الآخر في الشمال.
يذكر أن الحروب الأهلية التي دارت بين متمردي جنوب السودان، الذي تغلب عليه المسيحية والمعتقدات الروحية الخاصة، وبين مختلف الحكومات المتعاقبة في الخرطوم، أي الجزء الشمالي من السودان الذي تغلب فيه العقيدة الإسلامية والعروبة، قد استمرت لما يقارب عمر "ألفريد لادو" كله. وتعليقاً على استفتاء اليوم، قال "لادو": "لم نكن ندري أن يوماً كهذا سيأتي طيلة تلك السنوات والعقود". وقد نشأ "لادو" في كوخ طيني في قرية "لينيا" التي تقع نحو 60 ميلاً من عاصمة جنوب السودان جوبا، ولم يكن يدري في طفولته وصباه أن قريته تقع في إحدى أكثر المناطق تهميشاً في السودان الجديد الذي استقل في عام 1956. وطوال الفترة الاستعمارية كلها، حكم البريطانيون السودان من الشمال، وأداروا الجزء الجنوبي منه، وكأنه كيان منفصل عن الشمال، أو كأن السودان منقسم إلى دولتين وكيانين مستقلين شمالاً وجنوباً. فمنذ عام 1922 طالبت السلطات الاستعمارية بحصول كل من يرغب في عبور الحدود بين الشمال والجنوب على تصريح سفر مسبق.
ولما كانت الظروف التضاريسية والمناخية الخاصة بجنوب السودان قد حالت دون وصول البريطانيين إلى ذلك الجزء من البلاد، فقد أوكلوا مسؤولياتهم باعتبارهم سلطة حاكمة إلى المبشرين الذين كلفوا بنشر المسيحية وتعزيز تعلم اللغة الإنجليزية في الجنوب. وقد تلقى الكثير من الأطفال مثل "لادو" وشقيقه تعليمهم في إحدى الكنائس. وإضافة إلى نشر التعليم واللغة الإنجليزية اهتم المبشرون أيضاً بتقديم الممكن من الرعاية الصحية. غير أن الجنوب ظل مهمشاً اقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً إلى حد كبير، وبقي على تلك الحالة بعد رحيل الإنجليز من السودان المستقل. فمنذ ذلك الوقت وإلى اليوم لم تصل خدمات الكهرباء ولا المياه النظيفة إلى القرية التي ولد وترعرع فيها "لادو". وعندما حان الوقت الذي نال فيه السودان استقلاله من الاستعمار البريطاني، كانت الخلافات الثقافية بين شطري البلاد قد تعززت كثيراً. ولكن على رغم هذه المشاكل، لا يزال "لادو" يذكر بعض الأحداث المثيرة في حياته، مثل مشاركته لزملائه الطلاب وكذلك لأغلبية من المواطنين الجنوبيين في إضراب نظم في عام 1961 بهدف المطالبة بأن يظل للجنوبيين حق إقامة شعائرهم الكنسية يوم الأحد، وليس يوم الأربعاء كما طالبتهم السلطات المركزية في الخرطوم بذلك.
وكان الجنرال إبراهيم عبود، الذي أحكم قبضته على حكومة سودان ما بعد الاستقلال، عبر انقلاب عسكري دبره في نوفمبر من عام 1958، هو من مهد الطريق الطويل الذي سلكته الحكومات التي تعاقبت على الخرطوم عبر عقود، من خلال جهودها المستمرة لتشكيل الهوية السودانية باعتبارها هوية عربية مسلمة. وفي عام 1962 غادر "لادو" وعدد كبير من زملائه الطلاب إلى أوغندا، لينضموا بذلك إلى ملايين الجنوبيين الذين هاجروا من السودان منذ الاستقلال. وقد واصل تعليمه في أوغندا حتى أكمله هناك.
وفي تلك الأثناء كانت حكومة الخرطوم قد أبرمت اتفاقية سلام مع المتمردين الجنوبيين، نصت على كفالة حرية الأديان لجميع السودانيين، إضافة إلى وعدها للجنوبيين بإعطائهم قدراً من الحكم الذاتي. وبموجب ذلك التحول، عاد "لادو" إلى جنوب السودان مرة أخرى والتحق بوظيفة إدارية في جامعة جوبا. ولم تكن تلك الجامعة عندئذ سوى نواة لمؤسسة جامعية، لأنها كانت مبنى لمدرسة ثانوية عليا في الأصل، ولا تزال الجهود تبذل لتطوير مبانيها وتوسيع وتحسين المرافق التابعة لها إلى اليوم، كما يقول. ومع حلول السلام تدفقت رؤوس الأموال الغربية على الجنوب، وتمكن "لادو" من شراء الآلاف من الكتب والمراجع لإنشاء أول مكتبة بجنوب السودان.
ثم تجددت الحرب الأهلية مرة ثانية في عام 1983، عندما نقضت، في رأيه، حكومة الخرطوم اتفاق السلام بتطبيقها لأحكام الشريعة الإسلامية على امتداد البلاد كلها. واستمرت الحرب الأهلية في دورتها الأخيرة هذه لمدة 22 عاماً ذهبت خلالها رؤوس الأموال الأجنبية في جنوب السودان. وحصدت هذه الحرب أرواح ما يقدر بنحو مليوني مواطن، معظمهم من جنوب السودان. وعلى رغم أن الحرب في دورتها هذه شردت الكثير من الجنوبيين إلى الدول المجاورة القريبة، فقد بقي "لادو" حيث هو الآن متخندقاً بمكتبة جامعة جوبا. ولكن عقب صعود الرئيس الحالي عمر البشير إلى سدة الحكم عبر انقلاب عسكري في عام 1989 اشتد وطيس الحرب فاضطرت جامعة جوبا لنقل مقرها إلى الخرطوم. وعلى رغم عدم وجود طلاب جامعيين في جوبا بعد انتقال المقر إلى الخرطوم، بقي "لادو" وقلة من زملائه حيث هم، وواصلوا تقديم بعض الدورات للجنوبيين العاملين في الوزارات المحلية، وفتحوا أبواب المكتبة أمامهم، فكان هؤلاء يرتادونها، ومعهم بعض العسكريين العاملين في القوات المسلحة.
وأخيراً حل السلام مجدداً في عام 2005 بإبرام اتفاقية نيفاشا التي نصت على اقتسام السلطة مع حكومة الخرطوم، وأعطت الجنوبيين حقاً في الحكم شبه الذاتي لإقليمهم. كما نصت الاتفاقية على إجراء استفتاء شعبي عام بعد مضي ست سنوات على الاتفاقية، يقرر خلاله الجنوبيون مصيرهم إما وحدة مع الشمال، أو انفصالاً عنه للإعلان عن قيام دولة مستقلة في الجنوب. ويقول "لادو" إنه سوف يصوت لصالح انفصال الجنوب وهذا هو قراره الشخصي.

ربيكا هاميلتون - جوبا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا