الإثنين 16 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
النِّسبة إلى المواضع والبلدان موسوعة تاريخية تحتفي بالإنسان والمكان
30 أغسطس 2005


عرض ـ د· رسول محمَّد رسول:
كثيراً ما أمعن علماء المشرقيات أو من نسميهم بالمستشرقين خلال أكثر من أربعة قرون ماضية بعيون التراث العربي الإسلامي، وأخرجوا الكثير منها إلى واضحة الشمس بعد أن كانت مخزونة في أدراج مظلمة بالغرب والشرق، وصار منها تحت تداول الباحثين والمتخصصين بأغلب دول العالم·
وحتى الآن أشاد الكثير من الباحثين بالجهود التي بذلها المستشرقون في هذا المجال، خصوصاً الأعلام المعروفين منهم مثل إغناطيوس كراتشكوفسكي وفؤاد سزكين وفرانز روزنتال وكارل بروكلمان وغيرهم، إلا أن كل هؤلاء رغم جهودهم الشمولية في متابعة المخطوطات التراثية لم يتمكَّنوا من الإحاطة الشاملة بكل ما تركهُ الأجداد من عيون فكرية وتأريخية وأدبية وعلمية· وفي هذا السبيل ما وضعه العلاّمة جمال الدين الحميري من مؤلفات، والأهم فيها هو كتاب (النِّسبة إلى المواضع والبلدان) الذي تغافل عنه كل المستشرقين والعلماء العاملين في حقل الدراسات التراثية العربية الإسلامية، وهو التغافل الذي ترك شقاً كبيراً ربما كان مردوماً فيما لو ظهر نص هذا الكتاب قبل عقود فائتة في مجال تداول الباحثين المعنيين بهكذا موسوعات وبقضايا التراث والتاريخ العربي والإسلامي·
طبعة ريادية
مؤخراً تسنى لمركز الوثائق والبحوث في أبوظبي، وعلى نحو ريادي، أنْ ينشر النص الكامل لكتاب 'النِّسبة إلى المواضع والبُلدان' محققاً تحقيقاً متيناً ودقيقاً ليكون في متناول القارئ والباحث·
يُعرَّف كتاب 'النِّسبة إلى المواضع والبلدان' بأنه معجم جغرافي مبنيٌ على نسبة الإنسان وغيره إلى الناحية، بلداً كانت أو مصراً من الأمصار أو قرية أو حضناً أو جبلاً أو نهراً أو غير ذلك· إلا أن مؤلفه أغناه بذكر ما يشتبه باللفظ المقصود من النسب إلى القبائل والطوائف والجماعات وغيرها، فاجتمعت فيه النسب والأنساب معاً، وهو بذلك حفل بتراجم الرجال وذكر المشاهير، وتوسع فيه مؤلِّفه بإيراد الأقوال والأشعار؛ وقد أعان الحميري على ذلك اختلاف عصور المصنفين الذين نقل عنهم مثل الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) وابن خلَّكان (ت 681 هـ) والذَّهبي (ت 748 هـ) وابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)·
إن نظرة زمانية سريعة على تواريخ وفاة هؤلاء الأعلام ترينا بوضوح أن جمال الدين الحميري، مؤلف الكتاب، قد ولد وعاش بعد وفاة هؤلاء، وبالفعل فقد ولد الحميري بمدينة عدن في اليمن سنة 870 وتوفي فيها سنة 947 هجرية، أي أنه عاش نحو سبعة وسبعين من الأعوام·
وبالتأكيد كان أمام الحميري تراث هائل من التجارب الموسوعية التي كانت معنية بتواريخ الأمم وبتجارب الإنسان فيها، وخصوصاً علاقتها بالمكان والأوطان والممالك والخلائق· ومن هنا كان هذا التراث داعماً كمصدر أساسي في بناء الحميري لمشروع كتابه (النِّسبة···) من حيث دقة الاجتهاد، والتوافر على وفرة المعلومة، وشمولية الإحاطة في تغطية أغلب الأوطان المعروفة تاريخياً في المرحلة التي عاش فيها الحميري حياته العلمية·
من الناحية الفنية توافر (مركز الوثائق والبحوث) على مخطوطات عدَّة منها النسخة الأصلية المحفوظة في مركز الوثائق والبحوث في أبو ظبي والتي يعود تاريخ تدوينها إلى عام 1353 هجرية· والنسخة المحفوظة في مكتبة مدينة تعز اليمنية برقم 38 والتي تقع في 129 ورقة قديمة، وهي نسخة جيدة مكتوبة بخط العلامة شيخ الإسلام علي بن علي اليماني اليدومي المتوفى سنة 1350 هجرية· أما النسخة الثالثة فموجودة في مكتبة جامع صنعاء الغربية، وهي بخط العلاّمة الكبير مسند الديار اليمنية شيخ الإسلام الحسين بن علي العمري· لقد وضع المركز كل هذه النسخ أمامه فأخرج نصاً للكتاب محققاً تحقيقاً علمياً وافياً وشاملاً عزَّزه بجملة من التوضيحات والتفسيرات والمعلومات التاريخية التوثيقية التي أضاءت متن النص المحقَّق فخرج النص متكاملاً من الناحية العلمية والتاريخية والمعرفية·
النِّسبة وفقه اللغة
كما هو واضح من عنوان الموسوعة فإن مؤلفها سعى خلالها إلى بيان عدد هائل من أسماء الأماكن التي يُنسب إليها الأشخاص وتُنسب إليها الملل والنحل والاتجاهات الفكرية والأدبية والتاريخية كذلك تُنسب إليها الوقائع التاريخية· لم يكتف الحميري بهذا إنما كان يبدأ تعريفه للنسب والمنسوب بالتعريف اللغوي للكلمة من حيث تحريكها صوتياً، فمثلاً وهو يُعرِّف كلمة (الدّاني) قال الحميري: الدّاني نسبة إلى (دانية) بعد الألف نون مكسورة، ثمَّ تحتانية مفتوحة، ثمَّ هاء، و(دانية) مدينة بالأندلس يُنسب إليها جماعة منهم أبو الصلت الأندلسي الدّاني···، وهكذا لا يخلو منسوب ومنسوب إليه من الإشارة إلى الجانب الصوتي واللفظي للكلمة قيد التعريف·
ليس البُعد الصوتي في التعريفات هو فقط ما اجتهد الحميري في تدوينه إنما لجأ كثيراً إلى الوقائع التاريخية للمكان وللشخصيات التي أتى عليها في أبواب الكتاب؛ فبقدر ما ذكر الشخصيات ذكر أيضاً الأمكنة، كذلك ذكر الوقائع والأحداث التي ارتبطت إما بالمكان أو بالزمان أو بالوقائع حتى صار الكتاب بالفعل موسوعة تاريخية ولغوية وفقهية وأدبية، وقد كشف فهرس الأعلام الذي ورد في متن النص المُحقَّق عن عدد كبير من الأسماء بحيث شغل تعداد الشخصيات المذكورة في متن النص أكثر من مئة صفحة بعمودين من صفحات الكتاب التي وصلت إلى 784 صفحة من القطع الكبير، ناهيك عن تعداد الأماكن التي ورد ذكرها في متن النص حيث شغلت نحو سبعين صفحة بالمواصفات ذاتها·
لا ريب أن كتاب 'النِّسبة إلى المواضع والبلدان' لمؤلفه العلاّمة جمال الدين الحميري يعدُّ حتى الآن إحدى الموسوعات النادرة في هذا المجال، ولا سيما وأنه حوى تجارب ما قبله في هذا الاتجاه من ناحية البناء المعرفي من جهة، ولجأ إلى منهجية مركَّبة تجمع بين فقه اللغة والتاريخ من جهة أخرى، فضلاً عن الوظيفة الأساسية للكتاب ألا وهي نسبة الأشخاص إلى الأمكنة ونسبة الأمكنة إلى الأشخاص·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©