السبت 28 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
حطب دائم خير من غاز منقطع
حطب دائم خير من غاز منقطع
30 أغسطس 2005

صنعاء - مهيوب الكمالي:
لم يجد اليمنيون حلاً لارتفاع أسعار الغاز الجنوني سوى العودة إلى قديمهم، وقديمهم هذا ليس سوى 'تناوير' الحطب الطينية المحلية المصنوعة من الطين الأحمر، التي سبق لهم أن هجروها بعد دخول المدنية، واستبدلوها بأفران 'البوتوغاز' الحديثة·
لم تأت العودة إذن بدافع الحفاظ على التراث أو تشجيع الحرف اليدوية، أو البحث عن الطعام الصحي بل بسبب رفع الحكومة لأسعار الغاز، حيث وصل سعر اسطوانة الغاز رسميا إلى 400 ريال بدلا من 300 ريال، ويرتفع السعر في الريف ليصل إلى ما يزيد عن 700 ريال بدلا من 300 ريال·
يقول أبناء المناطق الريفية إن العديد من الأسر في الريف فضلت العودة الى استخدام تناويرها القديمة التي لا تزال لحسن الحظ تحتفظ بها حتى الآن، بسبب قيام الحكومة برفع سعر الغاز بنسبة لا تنسجم والقدرة الشرائية للمواطن من ذوي الدخل المحدود·
ويصف المواطن حسن احمد الشرعبي الموقف بقوله: 'تشهد منطقة شرعب بمحافظة تعز وكذلك في مناطق ريفية أخرى من المحافظة إقبالاً واسعاً من قبل المواطنين على شراء تناوير الحطب الطينية المحلية لاستخدامها، بعد أن كانوا قد هجروها منذ عدة سنوات واستبدلوها بتناوير الغاز الحديثة، ولكن الأقدار شاءت ألا تظل الحداثة سمة مميزة للحياة الريفية في طهي الطعام وإعداد الشاي والقهوة'·
قديم لا يبلى
ويرى الشرعبي أن هذه العودة إلى تناوير الحطب التي سبق وتقلص انتشارها في الأسواق المحلية بعد عزوف الكثير من الأسر عن استخدامها، يضفي أهمية على صناعة الفخار، ويسهم في إحيائها لا سيما صناعة تناوير الحطب التي تتميز بأنها اقتصادية في ظل عدم قدرة الناس على شراء اسطوانات الغاز، حيث تحتاج الأسرة المكونة من عشرة أشخاص- على سبيل المثال- إلى 4 اسطوانات شهريا على الأقل وهذا يكلف مبالغ لا تتوافر لدى السكان في الريف'·
في البدء كان الحطب
أما أم أحمد (ربة منزل) فتقول: 'الحطب بالنسبة لنا في القرى متوافر، فالأشجار منتشرة في أرضنا، ويمكننا أن نزرع أشجاراً جديدة بدلا عن تلك التي يتم قطعها واستخدام حطبها في التنور لتجهيز خبزنا اليومي بثمن ارخص كثيرا من الغاز، لكن المشكلة تبقى عند الذين لا حيلة لهم سوى شراء الغاز واستخدام فرن الغاز' ·
أما الشاب سليم قايد القاضي فقد قال: 'لم استغن عن الغاز في منزلي رغم ارتفاع سعره لكنني سأشتري تنور حطب احتياطاً، فإذا انعدم الغاز وعجزنا عن الحصول عليه كما يحدث هذه الأيام فسنشعل تنور الحطب وسوف نحصل على الخبز من دون مشاكل حتى وان اشترينا الحطب أو الفحم فذلك أفضل من استخدام الغاز باهظ الثمن·
هكذا يصنع الفخار
ويشير محمد الانسي (أستاذ في علم التاريخ) الى أن اليمن اشتهرت تاريخياً بالكثير من الصناعات الحرفية اليدوية التقليدية، وارتبط استمرار هذه الحرف والصناعات وازدهارها بالطلب عليها ومن هذه الحرف صناعة الفخار والخزف، وأهمها تناوير الحطب التي تعطي للخبز رائحة نفاذة وطبيعية يشمها المرء على مسافة بعيدة·
ويروي الانسي كيفية صناعة الفخار: 'في البداية يجري اختيار التربة المناسبة الخالية من الشوائب الكبيرة، ثم يقوم الصانع بغربلة الرملة من الشوائب المتبقية، ويعجنها بالماء بعد أن يضيف إليها القش الذي يكسبها التماسك، ثم يصنع منها الآنية التي يحتاجها· وغالباً ما تكون الأشكال بسيطة تتناسب وعملية الصنع اليدوي، وبعد ذلك يعرضها لأشعة الشمس لكي تجف· وفي المراحل المتأخرة عندما تقدمت هذه الصناعة كانت تجفف بالحرق الذي يسبقه تنعيم سطح الآنية إما بتمريرها على سطح أملس أو على راحة اليد· والأواني المستخدمة لخزن الحبوب تكون عادية لا تحرق وإن أحرقت فبنسبة متفاوتة· أما الأواني الصغيرة التي تستخدم في الأكل والشرب وحفظ السوائل فكانت تصنع بحيث تكون أقل مسامية'·
ليس عيباً
من جهته يقول سليم (المتخصص في التراث): 'الإنسان اليمني عرف منذ القدم، كيف يحول الطين إلى مادة صلبة عن طريق النار وعرف كيف يشكله ويصنعه ويصنع منه الفخار المسامي وغير المسامي وفي عدة ألوان وأشكال، وليس عيباً أن يعود اليوم لاستخدام الحطب وتنور الطين لطهي طعامه لكن ينبغي ان تعود الحكومة لتشجيع صناعة الحرف اليدوية والشعبية والصناعات الصغيرة في البلاد'·
تاريخ الفخار
بقي أن نقول إن الفخار قديم في اليمن، وتشير الدراسات الى أن البدايات الأولى لصناعة الفخار ترجع إلى حوالي 2600 م· بحسب اكتشافات البعثة الإيطالية في المرتفعات الوسطى بقيادة دميغريه· وكذا الحفريات التي قام بها عبده عثمان غالب في سنة 93م أثناء رئاسته لقسم الآثار بجامعة صنعاء· اذ عثر على فخار سمج خشن الملمس من النوع البسيط جدا في صناعته أما في المناطق السهلية من اليمن وتحديداً في سهل تهامة فقد ظل الأمر مجهولا لعدم قيام أعمال تنقيب أثري منتظم بشكل علمي، وفي الأعوام 96و97م، قامت البعثة الكندية التابعة لمتحف اونتاريو الملكي بأعمال تنقيبات في سهل تهامة بقيادة (إدوارد كيل) وتحديداً في قرية الميتنة تضمنت تحريات في تل الكتف الأحمر الكبير الذي أرخ لفترة الزيادية (دولة بني زياد) بمعنى الحقبة الإسلامية·
وتقول الدراسات إن فخار تهامة ارتبط بالبيئة لأن تهامة فقيرة جداً بالجبال حيث لا توجد جبال قريبة من مناطق التجمعات السكانية مما حدا بالإنسان إلى الاعتماد على الأواني المصنوعة من الفخار بشكل كلي، وهذا ما يفسر استمرار هذه الصناعة في سهل تهامة إلى اليوم خاصة في حيس التي تنسب إليها تسمية 'الحيسي' المستخدم في شرب القهوة، وكذلك ' الكوز' الذي يبرد فيه الماء، وتلك الصحون التي تستخدم في عمل ما يعرف بالفتة الشعبية في المطاعم اليمنية في وقتنا الحالي· وقبل أن تصبح عملية صناعة الفخار في ذمة التاريخ ينبغي العودة لتشجيعها ففيها فرص عمل كثيفة ومنها يأتي الدخل وتتحسن ظروف المعيشة ··وإلا فما العمل في زمن ترك فيه المواطن تنور الغاز وعاد في الريف وحتى في المدن إلى استخدام تنور الحطب بما فيه من لهب ونار ودخان في زمن نرى فيه العجب من تسوق إلكتروني وطبخ عبر الأجهزة الرقمية والتحكم بهما عن بعد بالريموت···!!
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©