الاتحاد

الملحق الثقافي

مات من يتزوج

كلما أمعنا النظر في طرائف شعر بشار بن برد أدركنا خاصية مميزة للفن الجميل، عندما يلتقط مفارقات الحياة، ويصوغ عنها لفتات ذكية، لا تصدق على ما قيلت بشأنه فحسب، بل تكسب من الشرط الإنساني الذي تجسده سببا لخلودها. فليس الفحش في ذاته هو الذي ضمن سيرورة شعر بشار، بل العفة أيضا في بعض حالاتها، عندما يقول لإحدى معشوقاته:
يا منية القلب إني لا أسميك
أكني بأخرى، أسميها وأعنيك
يا أطيب الناس ريقا غير مخبرٍ
إلا شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا زورة في الدهر واحدة
فاثَنْي ولا تجعليها بيضة الديك
يا رحمة الله حلي في منازلنا
حسبي برائحة الفردوس من فيك
ما يلفتنا في تصوير هذه الأبيات هو مطلعها السلس “يا منية القلب”، الذي اتكأ عليه بعض الشعراء اللاحقين بتنويعات عدة “يا منية النفس” ثم ما تفرد به بشار في البيت الثاني، عندما يؤكد وينفي في نفس واحد، يؤكد أن حبيبته أطيب الناس ريقا، وينفي أن يكون أي مخلوق قد اختبر هذا الريق بتقبيلها، فالشاهد الوحيد على ذلك هو أطراف المساويك المعطرة من ثناياها، وفى سياق سلس وبسيط يذكر الشاعر أنها زارته مرة، ولا بأس بأن تتبعها بثانية، حتى لا تكون هذه الزيارة هي “بيضة الديك”، ثم يوالي الشاعر مناجاة محبوبته برقة إذ يطلق عليها اسما وصفيا، فالجمال من رحمة الله في البلاد، ويصل في إعلائه لشأن الزائرة إلى ذروة سابقة من السمو عندما يجعلها نفحة من الفردوس، هنا نجد وجها آخر للشاعر الرقيق، غير المتهتك وهو يستمطر الرحمات ويستحضر النفحات، ويؤكد براءة محبوبته من كل الشبهات، بينما هو في الواقع يدعوها لتكرار زيارته في منزله، مفارقة ذكية ولافتة.
وقد يصرح بشار باسم من يتغزل فيها، ويصور بصراحة مشاعره تجاه تحولاتها، فقد هوى امرأة فارسية من بني قومه، تدعى خشابة، ولابد أنها كانت فاتنة، فلما تزوجت ورحلت عن البصرة حيث كان يقيم قال فيها:
أخشاب حقا إن دارك تزعج
وإن الذي بيني وبينك ينهجُ
فواكبدًا قد نضج الشوقُ نصفها
ونصف على نار الصبابة ينضج
وواحزنا منهن، يحففن هودجا
وفي الهودج المحفوف بدر متوجُ
فإن جئتها بين النساء فقل لها
عليك سلام... مات من يتزوج
بكيت وما في الدمع منك خليفة
ولكن أحزاني عليك توهج
ولأنها فارسية فإنه يصرح باسمها دون حرج، ويبوح بزيارته لها، معبرا عن الحزن الممض لحرمانه من وصالها، فلا سبيل إلى بقاء علاقة مع امرأة قد تزوجت، لكنه يوجز ذلك بعبارة لا تزال صالحة حتى اليوم لعنوان كثير من قصص الحب المعاصرة “مات من يتزوج” وإذا كان يصدق على الرجال إلى حد ما فإنه أصدق على النساء، ثم تأمل هذه الحيوية الدافقة في العبارة الأخيرة “أحزاني عليك توهج” لتدرك كيف تظل فلذات من الشعر باقية على مر الزمن.

اقرأ أيضا