صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

بيت بلا مكتبة.. غرفة بلا سرير

تحنّ الكتابة دومًا إلى المناطق البكر، إلى البئر الأولى لوجودنا البشري على هذه الأرض، إلى اللحظة التي كنا نستيقظ لنبحث عن فرائس، غير واعين بعد إلى التطور الذي ستشهده عقولنا وسيغيّر من دنيانا، ربما هذا الحنين هو نفسه الذي يجعل الروائي والكاتب المصري طارق إمام في قصته المنشورة هنا يعود بنا إلى زمن الحكايات الخرافية التي تذكّرنا بـ«ألف ليلة وليلة»، حيث تبدأ القصة وبها شيء من الأحجية يشارك في تجسيده البشر إلى جوار الحيوان، يقدم لنا طارق إمام في هذا النص إطلالة على عوالم السرد العربي القديم، وإن بنكهة من السخرية السوداء، حتّمتها اللحظة التي نحياها ربما.
وعلى النقيض من عوالم طارق إمام الخرافية، نجد الشاعرة البحرينية وضحى المسجن تقدم لنا عددًا من القصائد السريعة، التي سبق وشبهتها بضربات الفرشاة الخاطفة في لوحة كبيرة، قصائد وضحى المنشورة هنا واقعية ويومية، نستشعر في سطورها هذا الإيقاع اليومي لإنسانة مرهقة، بها غضب عابر على ما يحيط بها، على الرغم من تمسّكها بالكتابة، هي التي تقول: «ما أسعى إليه غامض/‏‏ لذا أريد أن أكتب طويلًا/‏‏ كلّ يوم/‏‏ كلّ ساعة/‏‏ كلّ لحظة». لكنه التمسّك الذي يتحوّل إلى تذمّر من الكتابة وأهلها في القصيدة الأخيرة: «أنا هنا مثل عبدة/‏‏ أكدح طوال الوقت/‏‏ أكدح في الحياة/‏‏ وفي الكتابة/‏‏ بيتي بلا مكتبة/‏‏ وغرفتي بلا سرير».
أما الكاتبة الفلسطينية عايدة نصر الله فتقدّم لنا نصًا مراوغًا عن حجر صغير، حجر تتخذّه ملجأً لها من الوحدة والذكريات، فهو يعرف كلّ شيء ويحتفظ في كتلته الصماء بكل التواريخ، كأنّه التميمة التي تتخذّها الراوية ضد الزمن: «أمّا أنا فنسيت تاريخه في حضني. وهو الحجر يذكر كلّ شيء عنّي، عنهم. يخبّئ كلّ الأسرار، يتنقّل من دمعة لدمعة، من بسمة لبسمة، ويقصّ الحكايات لنفسه بصمت. لم يشكُّ مرّة في جنوني، وله نعفتُ شكواي من هروب حبيبي منّي، وبه صرخت. كان يستطيع أن يمتصّ غضبي، أنّاتي، حروفي المتراقصة والعاجزة عن الخروج».
وكما افتتحنا نصوص هذه الحلقة مع التخييل والحكاية الخرافية في نص طارق إمام، نغلق قوس إبداعاتنا اليوم مع واقع راهن تحاكمه قصيدة الشاعر السعودي زكي الصدير، هو الذي يقول: «قَدَرُنا/‏‏ أنْ نكونَ السقوط/‏‏ أنْ نبعثَ في زمن الهزيمة/‏‏ أنْ نجدَ أنفسنا مولودين منحدرين إلى الهاوية/‏‏ نموت بينما يرقصُ المحتفلون بنا/‏‏ وتنتظرنا في الجحيم دُمىً مؤجلة/‏‏ ريثما ينتهون من تهيئتنا إلى الحياة../‏‏ الحياة التي تطعمنا الملحَ ونحن نسقط».
نصوص هذه الحلقة تصاحبها كذلك لوحات الفنان الإسباني الشهير خوان ميرو (1893 - 1983)، أحد أشهر فناني المدرسة التجريدية العالمية، والذي بدأ حياته كرسام للمناظر الطبيعية، لكنه يتعرف في باريس سنة 1934 على حركة السوريالية العالمية وروادها في بدايات تشكلها، وينضم إليهم موقعًا على البيان الأول للحركة في العام نفسه الذي وصل فيه إلى العاصمة الفرنسية باريس، لكنه سرعان ما يتمرد على سورياليته بخطوطه الطفولية المجردة إلى أبسط أشكالها وأكثرها عفوية وتقتيرًا.
..............................................