الاتحاد

الملحق الثقافي

العولمة والعدم

فلانتينو آشاك شاب سوداني من إقليم درافور قضى 15 سنة في أثيوبيا وكينيا هربا من الحرب التي تعصف ببلاده. أما دايف إغيرز Dave Eggeers فأميركي لم يتخطّ الأربعين من عمره يقيم في شيكاغو ويكتب الرواية. لكن الكتابة لديه لا تتعالى على الواقع ولا تستمدّ أدبيتها من طاقة الخيال لأنها نذرت نفسها للمهمات العظيمة: كشف ما في حياة الناس البسطاء، والمدقعين، والمهمشين من شهامة ومكارم أخلاق انعدمت أو كادت لدى الناس المرفّهين الذين أعمت أبصارهم التخمة، وعصف ببصيرتهم الركض وراء المصلحة والربح.
في شيكاغو التقى فلانتينو آشاك دايف إغيرز بعد أن وصلها فارّا من الحروب المستعرة في أفريقيا. فأسفر اللقاء عن رواية بعنوان “السؤال الأكبر” سرعان ما ترجمت إلى الفرنسية وصدرت عن دار غاليمار، ونال مؤلفها جائزة ميديسيس الفرنسية التي تمنح لأحسن كتاب أجنبي. أدرك إغيرز حين التقى فلانتينو أنه في حضرة حكاية تجسّد عذابات بني البشر في أفريقيا كلها، وتنفتح لتقول حكاية المعذبين في الأرض قاطبة. وعلى عجل اتفق مع فلانتينو على الاستماع لحكايته قصد تدوينها وتهريبها من النسيان. ظلّ فلانتينو آشاك يحدّث طيلة مئات الساعات. وظلّ إغيرز يسجّل تلك الحكاية، وأشرطة التسجيل تتعدد وتتكاثر، فيما ملحمة الصراع من أجل البقاء التي عاشها فلانتينو ترتسم أمام الكاتب الأميركي الشاب مروّعة.
كان إغيرز على يقين من أن فلانتينو لا يمكن أن يكتب حكايته فهو لا يجيد القراءة والكتابة إلا بالكاد. لذلك قرّر أن يهبه فرصة الإفصاح عن نفسه، فتقمّص شخصيته وكتب الرواية مستخدما ضمير المفرد المتكلم “أنا”. عن عنف المتطرفين وساديتهم أورد حكايات تخلع القلوب؛ عن ضياع الأطفال في الأدغال حدّث؛ عن الأسود ضارية تفترس بني البشر أحياء حدّث. روى رحلة العذاب من جنوب السودان إلى كاكوما، والرحلة الجهنمية من كاكوما إلى كينيا. وروى تفاصيل الرحلة إلى أميركا. كتب الحياة وكتب العدم. صوّر الضدين المرعبين: الوجود والعدم وهما يتصارعان مجسّديْن في إصرار بني البشر على البقاء، وسقوطهم المروّع في غياهب الموت. طفحت الرواية بمشاهد تصوّر الأطفال الذين جُنّدوا قهرا وإرغاما وتحوّلوا إلى وحوش كاسرة تحترف قتل الآخرين وتتعطّش لسفك الدماء.
كفّت الرواية عن كونها حكاية حال يرويها سوداني فارّ من دارفور، وتحوّلت إلى نشيد أسود يرفع تشهيرا بالعدم والعولمة. العولمة هي صنو العدم، ووجْهُه المحاط بالدياجير واللعنة الأبدية: هذا ما تقوله الرواية بطرائق متعددة. لذلك يكتشف الراوي في خاتمة الرواية أن بلاده الأصلية هي جهنّم وهي صنو العالم السفلي الذي حدّثت عنه الأساطير القديمة حيث لا شيء سوى البكاء والوجع وصرير الأسنان. أما أميركا البلد الذي استقبله وبدا له، حين كان في درافور، بمثابة أرض الميعاد التي تدرّ اللبن وتهب العسل أيضا، فإنها صارت ـ حالما وصلها ـ التجسيد الفعلي للعولمة أي للعدم المتربّص بالوجود

اقرأ أيضا