أحمد مراد (القاهرة) استنكر علماء الدين الاعتداء على حرمة المساجد، وتحويلها إلى ساحة للصراع في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، واصفين انتهاك حرمتها بأشد أنواع الإفساد في الأرض. وأوضح العلماء أن المسجد بمثابة الركيزة الأولى واللبنة الأساسية في تكوين المجتمع المسلم، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بعمارتها، وتطهيرها، وصيانتها، وإكرامها عن كل ما لا يليق بها ويناسب شرفها، لأن المساجد ما بنيت إلا لذكر الله، ولإقامة الصلاة، ولتعليم الناس أمور دينهم، مع ما يحصل فيها من اجتماع الناس، وتآلف قلوبهم، ومصافحة بعضهم بعضاً وحل المشكلات في أمور الحياة المختلفة. مكانة وحرمة ودعا علماء الدين جموع المسلمين إلى أن يتقوا الله ويعرفوا ما للمساجد من مكانة وحرمة ليقوموا بحقها، فإنها بيوت الله ومهابط رحمته وملتقى ملائكته والصالحين من عباده، وقد أضافها الله تعالى إلى نفسه إضافة تشريف وإجلال، وتوعد من يمنع عباده من ذكره فيها أو يخربها أو يتسبب في خرابها بخزي في الدنيا وعذاب في الآخرة. الدكتور منتصر مجاهد أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس شدد على أن الاعتداء على حرمة المسجد والمصلين من أشد أنواع الإفساد في الأرض، مشيراً إلى أن المسجد مكان للتعبد والأمان، ولا يجوز تحويله إلى مكان تهجم وتهديد، وقد أكد القرآن الكريم حرمة المساجد في أكثر من موضع، ويكفي أن يعلم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أن المساجد هي بيوت الله عز وجل، وقد أضافها الله عز وجل إلى نفسه إضافة تعظيم وتشريف، إذ قال سبحانه وتعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)، «سورة الجن، الآية 18»، وهي أحب البقاع إليه، فقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب البلاد إلى الله مساجده». أهم الشعائر أما الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية فقال: من غير المقبول ولا المعقول أن يقوم البعض بالاعتداء على حرمة المساجد التي تعد من أهم الشعائر الإلهية التي أمر الله عز وجل بنصبها وإقامتها لتكون المنطلق الأول لبناء الإنسان بناء عقائدياً شاملاً، والموقع الأساسي لتقوية العلاقة مع الله عز وجل، ومنشأ الحركة لجميع أبعاد السلوك الفردي والاجتماعي والسياسي، لأن هذه الأعمال كتكاليف قبل أن تكون أعمالاً فردية أو سياسية أو اجتماعية، هي أمور عقائدية لا بد أن تنبثق من خلال العلاقة مع الله سبحانه وتعالى. وأضاف: كان أول عمل قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن هاجر إلى المدينة هو بناء مسجده، الذي أسس على التقوى من أول يوم، فكان المسجد هو الركيزة الأولى واللبنة الأساسية في تكوين المجتمع المسلم، ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى ببناء المساجد وعمارتها ورفعها وتطهيرها، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن المساجد: «إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها وقراءة القرآن»، ومن ثم لا يجوز فيها السب والشتم، ولا غير ذلك من الأقوال والأعمال المحرمة. الكلام بالمسجد من جانبه، أكد الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق، أن انتهاك حرمة المساجد جريمة وحشية خطيرة في الإسلام، فإذا كانت الشريعة الإسلامية تحرم وتجرم الكلام في أثناء إلقاء خطبة الجمعة، بل قال العلماء إن الكلام ممنوع حتى لو كان أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر، فما بالنا بانتهاك حرمة المسجد؟ وقال: الاعتداء على حرمة المساجد بمثابة سلوك غير قويم ولا يتناسب مع أخلاقيات المسلم، الذي يلزمه الإسلام بالتمسك بالفضائل والقيم والمبادئ في أي مكان يذهب إليه ومع أي إنسان يتعامل معه، وإذا كان هذا هو حال المسلم كما يريده الإسلام، فلنا أن نتصور كيف تكون علاقة المسلم بالمسجد، فمن المعلوم أن بيوت الله في الأرض هي المساجد، والجالس فيها ينبغي أن يكون في ذكر وتسبيح وتحميد مع الله سبحانه وتعالى، خاصة وقت إلقاء خطبة الجمعة التي هي جزء من شعيرة هذه الصلاة المفروضة. الأخلاق الإسلامية وقال الدكتور محمد أبو ليلة الأستاذ بجامعة الأزهر: الدعوة إلى الله هي التي تساهم في نشر الأخلاق الإسلامية بين المسلمين، وتحثهم على التقرب لله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومنع الدعوة إلى العنف والمصادمات (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ...)، «سورة فصلت، الآية 33»، والمسجد هو بيت من بيوت الله في الأرض، وله رسالة دعوية تهدف إلى تعليم الدين الإسلامي، ولا يصح التعرض لخطيب المسجد بالإيذاء لا سيما أن طبيعة الدين لم تنفصل عن الدنيا، فالدين يشمل كل أصول الدعوة وفق الآليات التي تحددها نصوص الشريعة. ساحة للصراع وترديد الهتافات المناهضة رفض الشيخ فوزي الزفزاف - وكيل الأزهر الأسبق - تحويل المسجد من منبر للدعوة إلى ساحة للصراع، وترديد الهتافات المناهضة، مؤكداً أن إصلاح أمور الأمة لن يتم إلا إذا صلح أولها، وهو تحاكمنا إلى الدين في كل شيء، وفق كتاب الله ورسوله بغرض تطبيق مفاهيم الإسلام، ودعم رسالة المسجد، والحفاظ على حرمة المسجد من دون الانحياز لفصيل بعينه، وعدم الانحراف عن رسالته الأساسية في الدعوة، خاصة أن طريق الدعوة ليس مقصوراً على أحد طالما التزم بتعاليم الإسلام في الدعوة، وفي الوقت نفسه يجب عدم استخدامه في الدعاية السياسية والدعوة إلى التظاهرات والفتنة بين المسلمين حفاظاً على حرمة المسجد، وإجلالاً لله سبحانه وتعالى. وقال: تعرض المصلين للخطيب لا يصح احتراماً لحرمة وقدسية المسجد، وإمام المسجد له دور عظيم في توضيح موقف الإسلام في الأمور الحياتية، وتوجيه المؤمنين، وإبراز سمات الإسلام وخصائصه في العدل والطاعة وتعاون المسلمين وتكتلهم ولم شملهم وإرشاد الناس، وهدايتهم إلى الحق وتقويم السلوك.