الاتحاد

الملحق الثقافي

آلان جوبيه.. لن يأكل الكرز

في كتابه: “لن آكل بعد اليوم أبداً ثمار الكرز في الشتاء” الصادر عن دار “بلون” الباريسية منذ أسابيع قليلة، يحلل آلان جوبيه (64 عاما) الوزير الأول الفرنسي سابقا أسباب الضرورة الملحّة لمقاومة التلوث، ويقدّم نفسه كمدافع بقوّة عن البيئة، داعياً إلى ضرورة تناول الخضار والغلال في موسمها، والامتناع عن أكل الفواكه إذا كانت في غير فصلها لأن ذلك يساهم في تلوث البيئة، ويبدو جوبيه الذي كان أميناً عاماً للحزب الديغولي، مناصراً للمناضلين من أجل بيئة نقيّة، ويظهر في كتابه انه من دعاة حماية الطّبيعة، ويلحّ على ضرورة تناول الفواكه في فصولها فقط، ومن هذا المعنى اشتقّ عنوان كتابه.
ورأى النقاد في هذا الكتاب الذي اختار له مؤلفه عنواناً طريفاً، وربما يبدو غريباً، مقدمة لعودة محتملة لآلان جوبيه لعالم ممارسة السلطة ونيل منصب حكومي بعد أن تفرغ في الأعوام الأخيرة إلى التدريس في جامعة اوتاوا بكندا، واكتفى بعد فشله في الانتخابات التشريعية السابقة برئاسة بلدية مدينة “بوردو” بالشمال الغربي الفرنسي.

في مواجهة ساركوزي
ومن المحتمل إذا لم يقرر نيكولا ساركوزي إعادة ترشيح نفسه لولاية ثانية أن يخوض جوبيه المعركة الانتخابية ويتقدم عام 2012، باسم الحزب الذي ينتمي اليه هو وساركوزي. ورغم أن آلان جوبيه يبدي في كتابه مساندته لسياسة ساركوزي، ولكنه ينتقد قراره إعادة فرنسا إلى الحلف الأطلسي، وهي عودة يراها سابقة لأوانها، كما يسخر من تصريح لساركوزي قال فيه: “لحد الآن لم أرتكب أي خطأ”.
ويتعرض آلان جوبيه في كتابه للرئيس السابق جاك شيراك والذي بقي يكن له تقديراً كبيراً، وقد عمل طويلا وزيراً في الحكومات التي كانت بيدها السلطة أثناء ولايتي شيراك، وقد اصطفاه الرئيس السابق وعينه وزيراً أول من عام 1995 إلى 1997، ولكن ذلك لم يمنع جوبيه من إبداء بعض الملاحظات النقدية ازاءه لأنه ـ حسب رأيه ـ لم ينجز كل ما وعد به وأورد مقولة لشيراك مفادها: “إن الوعود لا تلزم إلا من ينتظرها”.
كما انتقد جوبيه علاقة جاك شيراك بالمال ذاكراً في كتابه: “أن شيراك الذي قضى أكثر من 40 عاماً، يسكن قصوراً فخمة تابعة للدولة وتعوّد على حياة الرّفاه والبذخ، ولذلك فإنه لا يمكن أن يدرك واقع الناس العاديين، ولكن الوزير الأول سابقاً يجزم بأن شيراك لم يكن انتهازياً مثلما يدعي ذلك خصومه السياسيون”.
والكتاب الذي يمكن تصنيفه كسيرة ذاتية هو محاولة من مؤلفه لتلميع صورته واستعادة مكانته لدى الرأي العام وتغيير الانطباع الذي يحمله عنه الفرنسيون كرجل جاف وحاد. إنه يريد تقديم نفسه كسياسي ربما يمثل المستقبل لفرنسا، وقد أخّر صدور كتابه، واختار بدقة خروجه إلى الناس في هذه الأيام التي نزلت فيها شعبية ساركوزي. إن الفرنسيين يغلب عليهم في هذه الفترة التشاؤم، وهم تائهون والكتاب محاولة من جوبيه أن يقنعهم بأن يلتفوا حوله، وهو الذي أظهر أنه الرجل الذي يملك صفات رجل الدولة. مرّ آلان جوبيه في مسيرته السياسية بعقبات كأداء ولكنه عرف دائما ونجح في تجاوزها والقفز فوقها، وفي كتابه يتحدث أيضا عن المرض والموت والألم ويحلل المظاهر الكبرى التي يرى أنها بصدد تغيير وجه العالم على غرار الثورة الرقمية، ويقول إن الثورة الرقمية تبشر بتقدم مذهل للبشرية، ولكنها تحمل أيضا في طياتها مخاطر كبيرة، ويفسر كيف أن مواقع الثروة تغيرت، ويشرح مفهومه للقوة وللقيم. إنه يفتح قلبه ويتحدث عن تجاربه ويصل إلى حد الكشف عن أحزانه في حياته الخاصة بعد موت والده وأمه، كما يتحدث عن الحب أيضا الذي يقول إنه يعطي معنى للحياة.

حياة عاصفة
يقول: “عشت سنوات مضطربة عاصفة تحت أضواء الصحافة ووسائل الإعلام، وتحدوني اليوم رغبة بأن أعود الى السير من جديد في الطريق الوعرة لعالم السياسة وأن أتجرأ على القول ما كنت كتمته طويلا”.
إن رئيس الحكومة الفرنسية سابقا يعدد نجاحاته السياسية ولكنه لا يتوانى أيضا عن تعداد خيباته وفشله. ويقول صراحة: “لقد حلمت بأن أكون مرشّحاً للانتخابات الرئاسية خلال كامل حياتي السياسية، ولكن محنا قطعت عليّ الطّريق، هل يمكن أن أفكّر مستقبلا في الرئاسة؟ الحياة وحدها هي التي بإمكانها أن تجيب”، ولكنّه اسرّ في اجتماع عام قائلا: “إنّني أشعر أنّني في أحسن حال، وفي عديد المناسبات قيل لي: يجب أن تكون رئيسنا المقبل” إنّه يتنفّس سياسة، ويريد أن يأخذ بثأره بعد أن تمّت محاكمته عام 2004 بسبب تمويل غير شرعي للحزب الذي ينتمي اليه، وصدر حكم بحرمانه من حقوقه المدنية. ورغم أن جوبيه على شبه يقين بأنّ نيكولا ساركوزي، سعيد بترشّحه لولاية ثانية، لكن الوزير الأول الفرنسي سابقا له تحليله الخاص، فهو يرى انه إمّا أن ينجح ساركوزي عندما يترشح إلى ولاية ثانية، وإن فشل، فإنّ المرشّح اليساري هو الأكثر حظّا للفوز بالرّئاسة، ولكن آلان جوبيه وحتّى ولو كانت حظوظه في حدود 1 في المائة، فإنّه على إستعداد لخوض التّجربة، وهو اليوم في إنتظار ما سيسفر عنه الزّمن.
لقد وقع جوبيه في عالم السّياسة أكثر من مرّة ولكنّه نجح في جمع قوّاه والوقوف من جديد، فقد أصدرت إحدى المحاكم عليه حكماً بحرمانه من كلّ حقوقه المدنيّة والسّياسيّة، وكان ذلك عام 2004، ولكن حال إنقضاء فترة الحكم عاد لممارسة السّياسة وتمّ إنتخابه من جديد عمدة لمدينة “بوردو” بالشّمال الغربيّ الفرنسيّ، وفي عام 2007 خسر في الانتخابات البرلمانيّة، وغادر بسب ذلك منصبه الوزاري في أوّل حكومة للرئيس نيكولا ساركوزي، وهناك من يردّد أنّ ساركوزي يخشى ـ بالنّسبة للإنتخابات الرئاسية المقبلة ـ شخصان فقط: هما فرانسوا بيرو (من الوسط) وآلان جوبيه (من حزب ساركوزي نفسه)

اقرأ أيضا