الاتحاد

الملحق الثقافي

ربعي المدهون: «حرب الرواية» بعد «حرب الكرة»

يتحدّث الروائي الفلسطيني ربعي المدهون في هذا الحوار عن روايته “السيدة من تل أبيب”، التي صعدت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية الدولية للرواية العربية (البوكر العربية)، فيجيب على أسئلة أثارتها الرواية عن الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، ومدى تحوّل مفهوم الوطن وصورته في الرواية ولدى الكاتب. كما يتحدث عن التجريب في الرواية وكتبه السابقة، وردود الفعل التي صاحبت إعلان القائمتين المرشحتين لجائزة البوكر العربية.

هناك سرد مختلف يبدو في روايتك “السيّدة من تل أبيب”. فهي تقدّم صورة مغايرة للوطن الفلسطيني الذي قرأناه في ما سمّي بأدب المقاومة، بالقدر نفسه تستكشف جوانب أخرى لصورة ما كان إلى الأمس يوصف بـ (العدو). هل هو استيقاظ للذاكرة الفلسطينية أم إعادة قراءة لها تنحو في اتجاه أدب ما بعد اتفاقية أوسلو ومحاولة العودة إلى الوطن؟
? بداية لا تنتمي “السيدة من تل أبيب” إلى ما اصطلح على تعريفه بـ”أدب العودة”، أو “ما بعد أوسلو”. فالعائدون بمعظمهم، توقفوا في أعمالهم عند “صدمة الوطن” الذي عادوا إليه محملين بشوق السنين ولوعة اغترابهم، فلم يعثروا عليه، فعادوا إلى منافيهم يعلنون ولاءهم لها، ويجددون البيعة للهويات الجديدة، أو المختلفة على الأقل. تتجاوز الرواية تلك الصدمة، وتذهب بعيدا إلى ما ورائها، إلى عناصر تشكل الوطن نفسه وملامحه الجديدة. إذ يتمرد السرد على الشخصية الفلسطينية التقليدية، ويغادر مرحلتي المقاومة والأعمال الأدبية والدرامية التي ارتبطت بها وحملت اسمها، مثلما يغادر مرحلة أوسلو ويتخطى نتاجها ويقدم صورة أخرى مغايرة للفلسطيني راهنا. لم يعد فلسطينيو اليوم أبطال غسان كنفاني، الذين جبنوا أو عجزوا عن دق جدران الخزان. ولم يعودوا على مثال بطل جبرا ابراهيم جبرا، وليد مسعود، الذي ابتلعته المنافي، وحتى سعيد أبي النحس المتشائل، الغريب في وطنه نفسه لكن المصر على البقاء فيه، طرأ على هويته تغيرات كثيرة. كان لا بد إذن من الخروج من هذه المرحلة، وتحرير البطل الروائي من نمطيته، وغسله من بقايا الشعارات العالقة، وتمزيق ثيابه الآيديولوجية لكي نتمكن من رؤيته كما هو، ومن إعادة طرح الأسئلة الكثيرة التي توقفت سرديات أوسلو عن طرحها. تأخذ الرواية المنحى نفسه في التعاطي مع الإسرائيلي، الآخر في معادلة الصراع. تخرجه من صورته النمطية في الروايتين الفلسطينية والعربية، التي اكتفت بتقديمه بأوصاف آيديولوجية في الغالب، وتقدم عدوا من لحم ودم. عدو يمكن النفاذ إلى داخله والبحث عن منابع الحقد والكراهية والعنصرية فيه، وتعريتها انطلاقا من ممارساته اليومية لا انطلاقا من الصورة الموحدة في الذهن العام عنه.

لم أر سوى غربتي
? ما بعد أوسلو لاحظ محمود درويش “وقوع الغريب على نفسه في الغريب”، واستعاد كفافيس بقوله إن الرحلة أجمل من الوصول أو أن “الطريق إلى البيت أجمل من البيت”. كيف وجدت أنت الوطن، أو تنظر إليه على الأقل؛ لا أعني شخصيتي وليد وعادل في الرواية، بل ربعي المدهون؟
? حقا، من يتعرف على الآخر المواطن أم الوطن؟ الغريب أم الغريب؟ في الطريق إلى الوطن، تمضي محمولا على أجنحة النوستالجيا، حيث تصطف أشجار الحنين على جانبي الطريق التي تأخذك إلى أحلامك القديمة. لكنها لا تخبرك بالحقيقة التي تنتظرك. فحين تتأمل الوطن بعد أربعة عقود، لا تجد بيتك أقل جمالا من الطريق، بل أنت لا تجده أصلا. في لحظة من لحظات البحث عن ماضي، وقفت قدماي فوق طفولتي. ارتعشت ساقاي حين أدركتا الحقيقة. في مرآة الوطن لم أر سوى غربتي. كلانا كان يحدق في الآخر ويسأله عن هويته. أشياء كثيرة تبدلت عبر قرون. زمن احتل زمناً، وأجيال محت بطريقة عصبية عاصفة، بقايا من سبقها. غزة كانت موشكة على الغرق في البحر ذات يوم، كما اشتهى لها شمعون بيرس وتمنى رابين، لكن البحر رفض ابتلاع جثتها، فابتعلتها المنظمات المسلّحة والمليشيات، والعصابات ودفنت رأسها في الفساد وغطت جسدها بالبراقع السوداء التي لا يدخل في حياكتها خيط واحد رفيع من حرير الوطن، الذي طرّز ثوب أمي مئات السنين.

? في المنحى نفسه من قولك هذا، تستعيد في رواية “السيدة من تل أبيب” بانورما تاريخية في مجريات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لتتناسخ عدة شخصيات ورواة، فمن الكاتب إلى الشخصية المسرودة الرئيسية وليد دهمان، التي بدورها تنسخ روايتها الخاصة “ظلان لبيت واحد”، من خلال عادل البشيتي المنقسم إلى شخصيتين متشظيتين، الأولى تعود إلى غزة عبر مطار بن غوريون ومعبر ايريز والثانية اختارت معبر رفح الحدودي مع مصر. هل يمكن القول إنك في هذا الشكل تكتب فلسطين: تاريخ الصراع مع إسرائيل وتحولاته، وصولاً إلى الحوار مع سيّدة من تل أبيب، وانقسام الهويّة الفلسطينية، إذا لم يكن ارتباكها في اللحظة الراهنة؟
? يمكن قراءة “السيدة من تل أبيب” وفق هذا المنظور إن شئت باعتباره حصيلة قراءة لا سبباً للكتابة. كمؤلف، اقتربت إلى مسافة كافية من آخر صورة لفلسطين في ألبوم تحولاتها عبر مجرى الصراع، ومن ملامح شخصياتها. لا لأطلب من هذه الشخصيات التعريف على نفسها وحسب، بل ولأدعها تكتب حكاياتها بمعزل عن سلطتي كمؤلف. بل ذهبت في بعض الفصول إلى حد ارتكاب جريمة أدبية بقتل المؤلف، فجاءت خالية من التأليف، بعد أن تم إفراغها على الورق ـ أو هكذا تبدو ـ من مسجل ديجيتال صغير كان يخفيه وليد دهمان في جيبه. لقد تركت فلسطين تكتب نفسها بينما تحدد الوقائع والمعطيات شكلها في النص. فالكاتب الذي يصف المعاناة القاسية عند معبر ايريز الإسرائيلي شمال غزة، لا يقدم لقارئه سوى نصف الحقيقة، لأن غزة سرعان ما تتدخل وتعلن اعتراضها، إذ تقول لك إن ما يخنقها هما معبران لا واحد. على السرد إذن عليه أن يستجيب لما تقول. وعليك كمؤلف، أن تمر من المعبرين في لحظة زمنية واحدة، لتنقل مشهدين يبدو فيهما الفلسطيني مسحوقا بطريقتين. عادل البشيتي انقسم إلى شخصيتين، ومر من معبرين ليقدم الصورة الأخرى على معبر رفح، تاركا لوليد البطل، رسم المشاهد الفظيعة عند معبر ايريز. أما وليد المؤلف، فلم يقل على امتداد سرديته الخاصة به أكثر مما يعرفه. لذلك لم يكن ساردا عليما. فيما قدمت الشخصيات الإسرائيلية نفسها بنفسها، وتلك إحدى تقنيات الرواية وبعض جديدها في التعاطي فنيا مع الصراع وأسلوب تناوله. أنت لست بحاجة، على سبيل المثال، إلى الغوص في أعماق جندي يقف عند المعبر لكي تكتبه. يكفي أن تراقبه في عاديته يتصرف بروح جندي عنصري يرفض حتى تخفيف كراهيته لك، حتى في أكثر اللحظات الإنسانية تذكيرا له بالإنسان في داخله. إنه يقمع بتلقائية ومن غير تكلف. بهذه الطريقة، التي أزعم أنها جديدة، ينكتب الصراع كلّه، متآلفا مع علاقة وليد ودانا، اللذان لم يحاول أي منهما إقناع الآخر، ولم يخوضا جدلا أو سجالا سياسيا، بل قالا ما يفكران به. ومع ذلك كان كل منهما يحاكم سرا في داخله ما سمعه، وعلى القارئ الذي يطّلع وحده على أسرارهما، أن يشارك بدوره في رسم ملامح لطريق موصلة إلى العيش في “بيت واحد” له ظلان.

? “بيت واحد له ظلان”، هل هذا مقترحك لحل المشكلة: وليد يعد دانا، وهي السيدة من تل أبيب، أن يضع اسمها على الغلاف إذا وافقت هي على أن تكون إحدى شخصيات روايته التي يكتبها “ظلان لبيت واحد”، في إشارة إلى إمكانية التعايش: شعبان في دولة واحدة، مع أنّهما لا يلتقيان في النهاية، إذ يختفي وليد في ظروف غامضة قبل موعد لقائه معها. كيف تقرأ مسار السرد المقترح لأفق الصراع، في ظل المواجهات الواقعية وتعددها إلى حد التناقض، مع الشخص وذاته، أو الشخص وظلّه؟
? غالبا ما تكمن الإجابة في ما وراء السرد لا في السرد نفسه. دعني أفكك بعض النص: اسم دانا بالعبرية على غلاف داخلي، لم يكن مجرد مساومة نصية، بين مؤلف وإحدى شخصيات روايته، مشروطة بموافقة دانا. تأمل معي الغلاف موضع حوارنا. صفحة تقارب بنية السرد. تقول بتشكيل هو مزيج من كلمات قليلة بالأبيض والأسود، تباين حجم حروفها الموزعة على مساحات بيضاء، ما يقوله السرد نفسه. ظهور اسم دانا بالعبرية على الغلاف الداخلي الأول في رواية يكتبها ربعي المدهون، هو إعلان صريح بقبول الفلسطيني للآخر الإسرائيلي شريكا، ولكن بشروط قبوله مبدأ التعايش (إذا وافقت هي على أن تكون احدى شخصياته، كما يقول النص)، مقابل حصة تتحدد مساحتها على الأرض كما تتحدد على الغلافين. في الغلافين الداخليين، نعثر على إشارات التعايش، لكن الغلاف الخارجي يقول غير ذلك. حيث وليد ينظر إلى روايته “ظلان لبيت واحد” الملقاة على مقعد خشبي إلى جانبه، بكثير من الشك. حصيلة الأغلفة الثلاثة هي رواية رابعة، بعد الروايات الثلاث التي قدمتها “السيدة من تل أبيب”. ففيها حصيلة الصراع كلّه، كما أنها المؤشر الأقوى على اتجاهات السرد ودلالته. حصيلة تقول ببساطة إن الطرفين، كشعبين لا كزعامات، راغبان في التعايش لكنهما لم ينضجا بعد لمساومة تاريخية.

غزّة وإسرائيل
? حضور الإسرائيلي في الرواية، بدا وكأنّه تنّوع لا يختلف تماماً عن الصورة المألوفة لشخصية الإسرائيلي القلق، كما أنه حضور من زاوية أو وجهة سياسية تختلف عمّا ينظر هو إلى نفسه، وأعني هنا الإسرائيلي المختلف وليس المروي عنه من قبل إسرائيلي يبدو متوافقاً مع الفلسطيني كحال دانا ووليد [يقول وليد: أنا من مؤيدي السلام إلى أبعد الحدود، وأكره العنف بكل أشكاله، فترد عليه: كأنك دانا بالضّبط]. ألا يبدو لك أنك قد مضيت إلى كتابة رواية فلسطينية، وليس رواية صراع فلسطينية/ إسرائيلية؟
? ما يبدو لي هو شيء آخر تماما. فسؤالك يحيلنا إلى المحظور الذي سقطت فيه الرواية الفلسطينية والعربية، التي اكتفت باعتبار الصراع هو بين نقيضين مطلقين، كتلتين متجانستين. بين شر مطلق وخير مطلق. صراع يستدعي تطرفين أو تطرف أحد الجانبين لتبرير الفعل الدرامي، كما في أفلام سينمائية من نمط “فتاة من إسرائيل”، أو “مهمة في تل أبيب” وما شابههما. في “السيدة من تل أبيب” بطولات موزّعة، وسمات لشخصيات لا تؤهلها لأن تكون النموذج الذي تتوفر فيه مواصفات الكل النمطي. فلا وليد هو النموذج الفلسطيني، ولا دانا جاءت تعبيرا عن شخصية إسرائيلية نمطية. كما لم ينته لقاء وليد بها إلى علاقة تقليدية حيث، كما كتب الناقد حسن خضر، “الشخصيات النسوية، عادة، في الحياة كما في الروايات، خصوصاً في حالات الصراعات القومية والإثنية، يُعاملن كحد من حدود هوية الآخر، ويتحوّلن بهذه الصفة إلى موضوع للرغبة إما لانتهاك الآخر، أو التصالح معه”. وليد ودانا شخصيتان باحثتان عن سلام مفقود، تلتقيان في لحظة تتكشف فيها ملامح هويتين. يتعرضان لعملية استكشاف للنوايا. يتبادلان مشاعر إنسانية تتشابك مع التباسات كثيرة. فما أن يغادرا مطار بن غوريون حتى ينفصلان إلى عالمين مختلفين، يكشفان عن صراع لا تسمع فيه أصوات القذائف وانفجارات الانتحاريين في أجساد غيرهم، بل يقدّم نفسه بما هو أعمق وأكثر تأثيرا وقيمة فنية أيضا. دانا اهوفا، الإسرائيلية القلقة، كما قلت، تذهب إلى بيتها، تجلس في الشرفة، تحتسي قلقها الخفيف مع فنجان نسكافيه، في الوقت الذي يواجه فيه وليد أقسى ما يواجهه بشر يحاولون لتسع ساعات متواصلة تخطِّي مئة متر فقط في طريق العبور إلى الوطن. تذهب الرواية إلى تفاصيل كثيرة في ثنايا المجتمع الإسرائيلي من خلال ذاكرة دانا وعلاقاتها، في الوقت الذي تقدم فيه بانوراما للمجتمع الغزاوي، كما شكّله الاحتلال والمليشيات في وقت واحد. ومثلما عايشنا بوريس ابراموفيتش، بشخصيتيه، بوريس الأوكراني الطالب المهاجر البسيط الضائع بعد سقوط اشتراكية والده، وتعرّفنا على قصة حبّه الجميلة التي أخذته إلى إسرائيل كأنها وعد خلاص، تعرّفنا فيه أيضا على داني الإسرائيلي الذي لم يتحمل إسرائيليته، سلخها عن جلده ورحل عائدا إلى مهجره. ثم عايشنا الكثير من النماذج التي عكس تماسها مع الفلسطيني أقصى حالات الصراع. إن مشهد تعامل المجندات الإسرائيليات مع وليد دهمان مثلا، في غرفة فحص وثائق “الشخصيات المهمة جدا” (في آي بي)، يكشف للقارئ بطريقة هادئة عمق الصراع وأبعاده. لم تكن رواية فلسطينية، بل سردية استوعبت تفاصيل الصراع العربي ـ الإسرائيلي بطريقة غير مألوفة، وبأسلوب لا قذائف سياسية أو أيديولوجية فيه.

? في كتابك “طعم الفراق: ثلاثة أجيال فلسطينية في ذاكرة “ الصادر عام 2001، هناك تجربة سردية تجمع بين السيرة الذاتية والجمعية، في شكل وطن من حنين أو ذكرى. فيما نجد الوطن في “السيّدة من تل أبيب” على شكل ملتبس، قد يعني حيناً كل شيء، وقد لا يعني أي شيء حيناً آخر. هل شكل السرد اختلف في الكتابين، أم أن الوجهة تغيّرت؟
? حكايات “طعم الفراق” هي حكايات النكبة واللجوء والخيام ومدارس الانروا والفقر والقتل والمذابح والحروب، وضياع الوطن والهوية. حكايات ماض ذي وقع تراجيدي مأساوي، أملى شكلا من السرد مختلفا بالضرورة. حكايات تقع في الشفوي وتغرف من خزائن الذاكرة. وبسبب ذلك تماهت شخصية الفرد إلى حد كبير، مع صورة الجماعة، ولم يكن فصلهما ممكنا أصلا. النكبة لم تكن مأساتي الخاصة، ولا ما تلاها من حروب ومجازر. ولم يفصل المخيم على مقاسي، لذلك كان من العبث، وكنت سأفشل تماما، لو كتبت سيرة تنفصل بي وبخيط عائلة المدهون بعدا عن الكل الفلسطيني. “طعم الفراق” كانت سيرة أجيال، لم يكن الفرد فيها يحمل الكثير من السمات الخاصة المميزة. “السيدة من تل أبيب”، تخلصت من روح الجماعة، غادرت الماضي لأن الحاضر غادره وشكّل صورة أخرى للفلسطيني عبر 60 عاما من الصراع والتشرد في الوطن وخارجه. فذهبت الرواية تبحث في مصير الفرد في الوطن والشتات بتعدد ألوانه. ستون عاما تغيرت فيها خريطة الوطن والشتات وولدت هويّات وأخرى لم تزل جنين انتماء، وعلينا الاعتراف بأن ثمة تطورات حقيقية على هذا الصعيد. السرد في “السيدة من تل أبيب” يستجيب لهذه التطورات. لهذا جاء جديدا ومختلفا عن السائد. فقد تخلص من كل ضغوط الأيديولوجية، وقدّم الوطن في صورته الحقيقية، والهويّات في لحظات تشكلها الجديدة، بما فيها تلك التي لم تزل ملتبسة أو تقع في منطقة رمادية.

? التجريبية التي قمت بها في لعبة الأغلفة الداخلية للرواية؛ ألم تواجهك مشكلة فنّية لدى إخراجها من قبل النّاشر، لكونها غير مألوفة؟
? التجريب مغامرة قد تأتي بجديد إن أدار الكاتب لعبته بحرفية، أو تكسر ظهر نصه نتيجة انعطافة صغيرة خاطفة او حادة غير محسوبة. لهذا قبلت نوعا من المساومة مع الناشر. ذلك أن مغامرتي تقع داخل النص، بينما مغامرته هو مرتبطة بتقاليد مؤسسته، وأسلوب صناعتها للكتاب، وتقاليدها التي يحرص على المحافظة عليها، بل وبعضها متعارف عليه عالميا، مثل الصفحة الثالثة التي تتضمن التعريف بالرواية وتاريخ إصدارها وحقوق النشر إلى آخره. وهكذا واجهت بعض متاعب انتهت بحصول الناشر على صفحته الثالثة، وتقبله للأغلفة الداخلية. وهكذا لم يتدخل حقيقة في هذا الجانب على الإطلاق، ولم يعترض حتى على وجود اسم دانا بالعبرية لقناعته بأنه جزء من بنية السرد شأن الأغلفة نفسها.

حرب الرواية
? صاحب صعود ست روايات، ومنها روايتك، إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، في هذه الدورة، الكثير من الجدل الإعلامي، كيف تقرأ حال هذا الجدل وهذه الملاحظات؟
? ما شهدناه من جدل، هو عن أزمة تُرافق إعادة تشكيل الخريطة الثقافية إقليميا، بعد أن تراجع المركز الذي صاغ خطابها إلى حافة الانهيار، وكانت له، فيما مضى، الريادة مثلما كان له التمايز والسبق على الدوام. حين نعيد قراءة المقولة القديمة الشهيرة ‘’مصر تكتب ولبنان يطبع والعراق يقرأ’’، نكتشف كيف فقدت دلالاتها بالكامل، ولم تعد ذات معنى. فلبنان تحول إلى بلد منتج للثقافة. والسعودية دخلت بقوة حقل الرواية. والجزائر بدأت تقدم إنتاجها. والفلسطينيون، ينافسون في المجال نفسه. وقس على ذلك التبدلات التي شهدها الخليج ككل. هذا التغيير في الخريطة الثقافية، بما في ذلك مجالات الآداب والفنون المختلفة والصحافة والإعلام والتربية وغيرها، احتفظ لمصر ـ المركز، بدورها الريادي، لكنه أفقدها دورها القيادي وعلى مستويات عدة. ولأن هذه التغييرات حدثت في زمن ردة ظلامية معاصرة شاملة، فقد جاءت ردود الفعل على إعلان القائمة القصيرة، وقبلها الطويلة، انطلاقا من المركز نفسه، وكانت متشنجة وموتورة ومتخلفة، وعبّرت عن انهيارات أخلاقية، وكشفت عن نخب تحتكم إلى الشائعات الوطنية والنميمية القومية، ولا تحتكم إلى الحقائق والعقل والمنطق، ولا تكلف نفسها حتى السؤال عن الحقيقة. ولم تقتصر هذه الصورة السلبية على المركز المتداعي وحده، بل شملت الأطراف الساعية إلى وراثته وتعزيز مكانتها. فهذه اتبعت في سبيل ذلك، وسائل سلبية لا تقل بشاعة. وهكذا أنتج كلاهما، في النهاية، هذا الكم الصاعق والصادم من الانهيارات التي شملت رموزا بارزة انتقلت من مواقع النخبة العاقلة الواعية إلى غوغاء الشارع لتخوض “حرب الرواية” بعد “حرب الكرة”. البوكر جائزة مهمة ومرموقة، تلعب دوراً كبيراً وفريداً على المستوى العربي والعالمي، تحاول مؤسسة نفسها في سنتها الثالثة وبلوغ قدر كبير من الشفافية، وسط وضع عربي يعيش، بغالبيته، مرحلة ما قبل الدولة، لا يثق في المؤسسة ولا يعترف بها. من هنا أستطيع أن أفهم ما أسميه ظاهرة “أم المعايير النقدية”، حيث وجدنا عددا من النقاد، وبعضهم حاز على صفة كبير، يملأ الكون احتجاجاً على غياب معايير النقد الأدبي، مستخدماً خطاباً لا يستند إلى أية معايير نقدية أو حتى أخلاقية.

ابن النكبة.. والمهجر




في عام 1945 ولد في مدينة المجدل (عسقلان) لينتقل بعد نكبة 1948 إلى قطاع غزة مع عائلته، حيث أقام في خان يونس، ودرس هناك تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي.
حصل على ليسانس آداب قسم تاريخ عام 1970 من جامعة الإسكندرية. عمل في الصحافة والبحث الأكاديمي، ونشر قصصه ومقالاته السياسية في العديد من المجلات والصحف العربية.
يحمل الجنسية البريطانية ويعيش في لندن منذ 16عاماً. صدرت له عام 1977 مجموعة قصصية وحيدة بعنوان “أبله خان يونس”، ولم ينشر بعدها سوى قصص قصيرة قليلة في الصحف والمجلات. في عام 2001 صدر له كتاب “طعم الفراق: ثلاثة أجيال فلسطينية في ذاكرة” وهو بمثابة سيرة للأجيال الفلسطينية يتقاطع فيها الذاتي مع الجمعي. “السيدة من تل أبيب”، هي روايته التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2009، واختارتها لجنة تحكيم جائزة البوكر العربية من ضمن الروايات الست في القائمة القصيرة المرشحة للجائزة. جاء في قرار لجنة التحكيم: “يتناول الكاتب الفلسطيني ربعي المدهون في روايته قضية الصراع الفلسطيني/ العربي/ الإسرائيلي ويختار لحظة مشحونة بالهواجس والتوتر والريبة حدَّ الانفجار. البطلان هما وليد دهمان العائد من مغتربه الأوروبي بعد سنين طويلة لزيارة أهله في غزة عبر مطار بن غوريون في تل أبيب، والإسرائيلية دانا أهوفا التي تشاء المصادفات أن تجلس في المقعد المجاور لمقعده. هكذا يبدأ التماس بينهما، وما يشبه الحوار المتقطع الذي يأخذ القارئ إلى أصقاع نائية في الذاكرة والتاريخ والذات البشرية. رواية تحاول مقاربة الحقيقة في تعقدها ولبسها وغموضها، ولا تركن إلى أحكام أيديولوجية جاهزة”

اقرأ أيضا