الاتحاد

الملحق الثقافي

جيمس جويس.. الصاخب الصامت

ولد جيمس جويس في فبراير من عام 1882 في مدينة دبلن الايرلندية، واشتهر باستخدامه التجريبي للغة واكتشافه للمناهج الأدبية الجديدة، واستخدامه للأسلوب الأدبي “تيار الوعي” الذي كشف عن مسار الانطباعات، وانصاف الأفكار، وتداعيات المعاني، والشكوك، والدوافع، إضافة الى الأفكار العقلانية لدى شخصياته. عمله الرئيس “يوليسس” (1922) يركز على الوصول إلى عمق الشخصية. وكان عمله الرئيس الآخر “الدبلنيون” D bliners أو مواطنو دبلن مجموعة متكونة من قصص قصيرة تصور مسقط رأسه، ورواية أخرى عبارة عن شبه سيرة ذاتية اسماها “بورتريت لفنان شاب ـ 1916” ومن ثم “يقظة فينغانس ـ 1939” ورواية تجريبية ظهرت أول مرة بشكل أجزاء في عام 1928 واستمرت الى 1937. النص التالي هو جزء من حوارات مطولة أجراها الكاتب الإنجليزي آرثر باور، ونشرها فيما يشبه سيرة ذاتية وفكرية وأدبية لجيمس جويس.


في مرقص B llier التقيت بجيمس جويس للمرة الأولى. ذهبت إلى هناك ليلة السبت لأني كنت على موعد مع Annette الغسالة الشابة التي كانت تمرّ مرة واحدة في الأسبوع لكي تأخذ ثيابي للغسيل. وهي فتاة جميلة وعنيدة أصبحت فيما بعد “موديلا” أو انتهت حياتها بطريقة مأساوية.
واعتقد أن العيش في “الاتيليه” هو الذي جعلها تهتم بالأعزب المتوحّد الذي كنته في ذلك الوقت. أحيانا، وأنا أتحدث اليها كانت تتسلى بأن تضرب برجليها قطع الفحم المتناثرة أمام الموقد لكي تلقي بها الناحية الأخرى من الغرفة وهي طريقة جدّ حاذقة لكي تظهر لي انها لاتجعل من طريقتي في ترتيب البيت مسألة مهمّة. وبما أنها أعلمتني أنها تذهب للرقص كل ليلة سبت فإني اقترحت عليها أن نلتقي في “B llier” وهو مرقص شعبي في حي MONTPARNASSE اختفى الآن مثله في ذلك مثل كثير من الأشياء في باريس القديمة لكن في ذلك الوقت كان يقع في أعلى جادة SAINT-MICHEL في جادة L’OBSERVATOIRE مقابل حدائق L xembo rg.
والمرقص نفسه كان بناية كبيرة يلج إليه مرتادوه بنزول المدارج، ذلك أن الطابق الأرضي كان تحت مستوى الشارع. في الداخل حلبة رقص محاطة بشرفة تدعمها أعمدة حديدية وتحت هذه الشرفة تصطف طاولات ومقاعد حديدية. وكانت هناك فرقتان واحدة نحاسية، والأخرى وترية، تتبادلان العزف في كل ناحية من القاعة. ولم تكن الفرقتان من الصنف الأول ذلك أن المرقص كانت ترتاده بائعات المحال التجارية الصغيرة، كما كان يرتاده البعض من المثقفين الذين أتعبتهم المقاهي، فأخذوا يجيئون إلي هناك لكي يتسلّوا معجبين بجوّه الصحفي وبأشيائه الزهيدة، وعندما دخلت إلى هناك رأيت مجموعة من الناس جالسين حول واحدة من الطاولات بينهم كانت هناك صديقة ل”JO DAVIDSON”. وقد حرصت على تجنب الإقتراب منهم، ذلك أنني ذهبت إلى هناك لكي ألتلقي بـ”ANNETTE” وليس لكي أقضي السهرة مع مثقفين. وكنت جدّا متوترا لأنني سأقضي السهرة مع فتاة جميلة كنت قد بدأت أحبها أنا الأعزب المتوحّد، وإني إن أسعفني الحظ سأكون متيماً بها قبل نهاية الليل. كان الوقت يمرّ ثقيلا ودائما لا أترك” ANNETTE” وذلك برغم أني طفت أكثر من مرة في القاعة بحثاً عنها، وفي النهاية يئست تماما من قدومها وجدّ راغب في العثور على من يساعدني على نسيان خيبتي. مررت في نهاية السهرة بالطاولة التي كانت تتحلّق حولها المجموعة التي كنت شاهدتها عند دخولي إلى المرقص والسيدة التي أعرفها أشارت إلي بأن التحق بهم، وقدمتني إلى سيّد ضعيف البنية، بقسمات لطيفة، وعثنون على شكل القرن. وكان يضع على عينيه نظارات سميكة.
السيد جيمس جويس! قالت السيدة.

عن مدينته
كانت مفاجأة بالنسبة لي، ذلك أني لم أكن أعرف أنه في باريس وفي آخر مرة سمعت الناس يتحدثون عنه كان يعيش في سويسرا، وعندما كنت أعيش في دبلن كنت قد قرأت “أناس من دبلن” وفيما بعد “صورة الفنان شابا” لكن في ذلك الوقت كان الأدب الرومانطيقي هو الذي يهمني ولذا لم تدهشني كتبه كثيرا، لكن لقاء واحد من كتابنا المهمين أثار فضولي. وهكذا وجدت نفسي جالساً إلي جانبه. سألني إن كنت قادما من دبلن، وبدا مغتبطاً عندما أجبته بأني كنت هناك قبل وقت قصير، وطلب مني أن أذكر له اسماء من أعرف. لم ترق لي مثل هذه الأسئلة ذلك أنني جئت إلى باريس من ايرلندا عموما ودبلن مسقط رأسي بصفة خاصة.
قطعت حوارنا شابة أميركية تدعي SILVIA BEACH التي اقترحت أن نرفع نخب نجاح الكتاب الجديد لجيمس جويس، تعني بذلك “اوليسيس”. عند منتصف الليل تفرقت المجموعة، ولكن ونحن نسير في الشارع اقترح علي جويس أن نشرب كأسا آخر فيLA CLOSERIE DE LILAS في الناحية الأخرى من الشارع قبل أن نفترق. وقد حدثني عن الصعوبات التي اعترضته للعثور على ناشر لكتابه الجديد في حين استغرقت كتابته ثمانية أعوام كاملة. عقب تلك السهر لم التق بجويس لبعض الوقت ثم تلقيت منه رسالة شفوية بواسطة صديق فيها عرض علي أن أزوره في شقته بشارع RENNES. بعد ذلك بيومين كنت مارا أمامها وأنا في طريقي إلى سهرة في مرسم في “MONTRO GE” صعدت إلى هناك عارضاً عليه مرافقتي. في ذلك الوقت كنت اعتقد أنه بإمكان الفنان أن يكون بوهيميا، خصوصا في الظروف المثيرة التي تتيحها مدينة مثل باريس، وقد بدا إلي أثناء الوقت القصير الذي رأيت فيه جويس أنه يحيا حياة بورجوازية، وأنه يلتقي بقليل من الناس، وكنت أريد أن أقنعه بمرافقتي إلى السهرة في المرسم والتي نظمها رسام روسي يدعي FEDER وهو يهودي تمكن من الأفلات من مذابح ODESSA لكي يصبح رساما في باريس، وهو يملك مجموعة رائعة من المنحوتات الزنجية واحدة منها من الصندل الأترجي اللون تمثل الشمس تبسط سهاما من الأشعة على كل مساحة الجدار، وهذا الرجل الخير والمهذب صاحب الروح النبيلة والمتهكّمة كان مضيفا رائعا.

استقبال سيء
وكنت أعتقد أنه في جوّ كهذا يمكن لجويس أن يستريح أو يشرب كأسا ويثرثر مع الفتيات، غير أن عائلته استقبلتني بطريقة سيئة خصوصا عندما عاينت أن جيوبي كانت مليئة بالقناني، وبما أن بصر جويس كان ضعيفا جدا في ذلك الوقت فقد منعه الأطباء من الشراب، وبالنسبة لعائلته كنت السكير الإيرلندي الذي قدم ليدعوه إلى سكرة (...) وقد انحنى ابنه على الكرسي الذي كنت جالسا عليه وكأنه يريد أن يقول لي: “متى تخرج من هنا؟”، وكان وضعا مرعبا لذا قررت أن أنقذ نفسي بأقصى سرعة، وخاضعا للعاصفة المنذرة بالانفجار رفض جويس دعوتي فسارعت بالانصراف وأنا سعيد بالتخلص من ذلك الجو الخانق، وقد رافقني جويس حتى الباب وعند بلوغي قرص الدّرج استند إلى الجدار ليقول لي بصوت شاك لكنه مازح:
“تعلم أنني إنسان ذكي لكن لابد أن أتأقلم مع أشياء كهذه” ثم أضاف مبتسما بأننا سوف نلتقي ذات يوم. موقف كذلك جعلني أتصور أن جويس يمكن أن يقاد بسهولة ويسر، ولكن عندما خبرته جيدا وتعرفت على عائلته وأدركت الخطر الجسيم الذي كان يتهدّد بصره، غيّرت رأيي. ثمّ التقيت به بعد ذلك بوقت قصير في شارع BAC وذلك عندما دعاني إلى شقته المعتمة ذات النوافذ الحديديّة. وللتوّ أصبحت صديقا كبيرا للعائلة ولزوجته “NDRA” بالخصوص، التي أدركت أنني لاأرغب حقا في جرّ زوجها إلى سهرات خمريّة، وإنّي لا أبالغ في الشراب.
وعاجزا عن البقاء في مكان محدّد، كان جويس يغيّر سكنه طول الوقت، للضرورة أحيانا، واستجابة للطبيعة في غالب الأحيان. بعد ذلك انتقل إلى شقة مستحبّة، مهواة جيّدا، تقع مقابل “To r Eiffel”. وقد أديت له فيها العديد من الزيارات.
وكنت أحتاط أللا أحل إلى هناك قبل نهاية الظهيرة، وهو الوقت الذي يغادر فيه جويس مكتبه، ليدخل إلى قاعة الجلوس مرتديا بذلة العمل، البيضاء القصيرة، والتي لا تختلف في شيء عن بذلة طبيب الأسنان. ثم ينهار على الكرسي مطلقا زفرة طويلة تنطلق من القلب. وكانت زوجته تقول له: “بحق اللّه يا جيم، انزع عنك هذه البذلة”. غير أنّ الجواب الوحيد الذي تتلقاه منه هو ابتسامته التي تشبه ابتسامة “الجيوكانده”، ثم يلقي عليّ نظرة مفعمة بالدعابة والظرف من خلال نظارته السميكة. بعد ذلك، خلال السهرة، كان من عاداته أن يذهب إلى “Trianons”، وهو مطعم فاخر يقع أمام محطة “Montparnasse”، ليتناول عشاءه. في هذا المطعم، التقيت بـLa rencin” “Marie التي توقفت عند طاولتنا لتتحدث لجويس. وأنا كنت معجبا بأعمالها، ومفتونا بالفتيات الشابات الهشات وذوات الحساسيّة المفرطة التي كانت ترسمهن. لكني فوجئت أنا الذي كنت أتصور أنها شبيهة بموديلاتها عندما وجدت نفسي أمام إمرأة ثقيلة الجسد، بملامح ذكوريّة وحسب الشائعات كانت ماري لورانسان تفضل الرياضيين، لاعبي الكرة والدراّجين. قالت لجويس:
ـ سيد جويس.. أريد أن أرسم ابنتك. قل لها أن تأتي إلى مرسمي الأربعاء المقبل، في الساعة الحادية عشرة صباحا.
واعتقد أنه لما وصلت “L CIA” (ابنة جويس) إلى المرسم، وجدت ماري لورانسان ممدّدة في غرفة مسدلة الستائر، شاكية من صداع سببته لها “قنبلة” الليلة البارحة. لذا أجلت الموعد معها. وأنا لم أر أبدا “البورتريه” وهذا أمر مؤسف ذلك أن “L CIA”، بملامحها المرتابة والجفولة، كان يمكن أن تكون موضوعا جيّدا لماري لورانسان. عند عودته إلى شقته الكائنة ب “Sq are Robiac”، كان من عادة جويس أن يكون متهيئا للحديث والنقاش، وله مزاج جدّ اجتماعي. وكنت أجده، وبجانبه قنينة “Saint-Patrie” شرابه الأبيض المفضل والذي اكتشفه عند قضائه لإحدى العطل في منطقة “Midi De La France”. وفي الحين نشرع في الحديث حول أشياء كثيرة ومختلفة. غير أن موضوع حديثنا الأساسي كان الأدب بطبيعة الحال، وهو الشيء الذي يجمع بيننا. وفي المعنى العادي للكلمة لم يكن جويس فصيحا. وفي الحقيقة كان رجلا جدّ صموت. “الصمت والمنفى والحيلة” كانت الأسلحة التي كان يتباهى بها على الرغم أنه لم يقدم دليلا يمكن أن يقنع الناس بأنه يمتلك السلاح الثالث. لقد كان صريحاً بشكل عجيب ولا علاقة له بالمكر أو بالخداع لا من قريب ولا من بعيد. لكن الحقيقة أن الرجال الصموتين ربما يكونون محتالين أكثر من الثرثارين. وخلال نقاشاتنا، كنت أتكلم أكثر منه، وأعتقد أن فكري التحليلي هو الذي للغرابة قوّى صداقتنا. وعندما أعطاني جويس مخطوط “أوليسيس” أخذته وكان ثقيلا مغلقا بورق الصرّ. وأنا أجتاز الطرقات المزدحمة بالتاكسيات عائدا إلى مرسمي، كنت أرجف طول الوقت مذعورا من أن تدهسني سيارة وأن أفقد المخطوط. ولكن عندما شرعت في قراءته، أدهشتني حداثته وأسلوبه الجديد، واحسست أنني ضائع وسط زوابع نثره المعقد، دون أن أدري أن تلك الحادثة قد وقعت فعلا أم لا، أو أن ما حدث لم يكن غير وهم من الأوهام. وفي الحقيقة كنت قد أغضبت جويس فيما بعد عندما شرعت في التحقيق بطريقة دقيقة حول ما حدث بالفعل خلال لقاء “Bloom” بـ “Gerty Macdowell” على الشاطئ. واذكر أن جويس قال لي: “لم يحدث أي شيء، كل شيء حدث في خيال “Bloom”.

أوراق متناثرة
وبعد أن قرأه، وضع “H.G.Wells” نسخة من الطبعة الأولى التي كانت مجلدة بشكل سيء حتى أن الأوراق تناثرت على الأرض، وشعر أنه قمع ثورة كانت في طور الإنفجار. غير أني كنت أعلم أن تلك الثورة كانت قد اندلعت ولم يعد باستطاعة أحد ايقافها في المدينة التي ولد فيها، والتي كان كارها لها في الماضي، غير أنه أعاد ابتكارها ليحبها من جديد، كان جويس قد خلق واقعيّة جديدة، في جو كان في نفس الوقت مزيجا متساويا من الواقع والحلم. وبشأن مسألة التماثل الشهير مع “الأوديسة” لهوميروس، وهو تماثل كنت وضعته شخصيا موضع الشك، أتذكر أن جويس أخذ كمثال على ذلك فصل “جنيات البحر” الذي يوجد في “Ormonb Bar” على الأرصفة. وهو قارن النادلات في البار بجنيات البحر عند هوميروس، ملاحظا لي أن النادلات بتصفيفات شعرهن المنجزة بعناية، وبزينتهن وفساتينهن البيضاء لسن جميلات إلا حد النصف الأعلى من القامة. أما على مستوى الجزء الأسفل فهن يرتدين تنورات قديمة وينتعلن أحذية بالية، وجوارب مرقعة.
احتفظت من شبابي بذكرى غائمة عن محال البغايا، التي تقع في حي سيء السمعة، بعدد من المنازل ذات سقوف من القش حيث كل شيء كان مباحا، وحيث كانت تتسلع نساء، بالأحرى عجائز يرتدين أقمصة سوداء. وإذا ما أنت نهضت لكي تتحدث إلى أحدهم، تجد عند عودتك إلى مكانك، كأس الشراب الذي طلبته وقد تحوّل إلى كأس ماء، في حين، كانت هناك فينوس ريفية ممددة في آخر القاعة وبجانبها شمعة ملتهبة بالقرب من فراش الزوجية. برغم هذه الذكريات المنفردة، فإنه كان مهما بالنسبة لي أن يعود ايرلندي قادم من زيوريخ إلى باريس ومعه عمل أدبي عظيم، مكتوب بلغة حديثة، وموضوعه المدينة التي فيها ولدت. وفي الحقيقة، لأنني كنت دونما شك فخورا بذلك العمل، وليس باخراج جويس من حياته البورجوازيّة، فاني حاولت أن آخذه معي إلى السهرات في المراسم. فلقد كنت أرغب في عرضه على أصدقائي.
ذات مساء، كان لنا حوار حول خصائل Synge. وكان جويس قد تعرف عليه لما سكن في شارع “Assas” غير أنه كان يرى أنه شخص من الصعب معاشرته.
إنه يتأجّج ويغتاظ من أجل لاشيء. أتذكر أني ذهبت إليه ذات مرة لأقترح عليه قضاء 14يوليو (عيد الثورة الفرنسيّة) في حديقة “Saint-Clo d”. غير أن “Synge” اغتاظ جدّا من فكرة قضاء يوم عطلة مثل ـ حسب التعبير الذي استعمله ـ “أي بورجوازي يتشارك في نزهة على العشب” ورفض الذهاب معي. وفي الحقيقة نحن كنا نتوتر جدا ونحن نتناقش حتى أنني قررت في النهاية عدم مقابلته.
سألته:
ـ وماهو رأيك في عمله الأدبي؟
فأجاب: “انه لايهمني، ذلك انني أعتقد أنه يكتب بلغة مصطنعة وغير واقعية تماما مثل شخوصه. بالإضافة إلى ذلك، وحسب تجربتي، أرى أن الفلاحين في ايرلندا مختلفون جدا عن الفلاحين الذين هم في أعماله الأدبيّة. فهم قساة ومحتالون ومبتذلون في لغتهم وأنا لم أسمع أبدا واحدا منهم يتكلم اللغة التي يستحملها “Synge” باسمهم”.
ورددت عليه قائلا: “لكن من المؤكد أنه أخذ ذلك من مكان معيّن. ففي غرب ايرلندا مثلا، سمعت أحيانا جملا مدهشة. أتذكر أنني سألت ذات يوم من فلاح في خليج “Costello” إذا ما كانت هناك فقمات، فصاح بي: “فقمات؟ أكيد إنها نائمة هناك مشدودة إلى بعضها بعضا مثل أصابع اليد، وأنها تتدفأ بأشعة الشمس على الصخور”. هذه الجملة بدت لي وكأنها واحدة من جمل “Synge”. وأنت تتذكر خطبة Mary Byrne في “أعراس المبيّض” حول الملكات الكبيرات وهو سنهن بتنظيم حفلات الزواج، واللقاءات. وفي النهاية يقول “Synge”: “وطوال النهار هنّ يرتدين فساتين من الحرير البرّاق، وأقمصة بيضاء لليل”. وردّ جويس محتجا: “ولكن متى سمعت أحدا يعبر بمثل هذه التعابير؟
ـ المسألة هو أن نعلم أن كان لا بد أن يكون الأدب واقيا أو أن يكون فنا فقط. وأجاب جويس: “لابدّ ان يكون الحياة. وثمة شيء لم استطع أن أتعود عليه خلال فترة شبابي الا وهو الفرق بين الحياة والأدب. أتذكر صديقا ذهب ليستقر في الغرب (يقصد غرب ايرلندا) وعاد من هناك بخيبة مرة. وقد قال لي: “لم أسمع ولو جملة واحدة من جمل “Synge” طوال الوقت الذي عشت فيه هناك”. مثل هذه الشخصيات لا توجد إلاّ على ركح “المسرح الوطني الإيرلاندي”. لكن خذ شخصا مثل ابسن.. هاخو مسرحي حقيقي بالنسبة لك. انه يكتب مسرحيات جدية حول المشاكل التي تهم جيلنا.
ومندهشا صحت فيه قائلا: “ابسن؟ لايمكنني أبدا أن أقارن بين ابسن وسانج ذلك انه يوجد في مسرحيات ابسن شيء بشع للغاية في المسرحيات التي تدور أحداثها في ضواحي المدن، وفي تلك الشخصيات المضجرة التي تعيش في الأحياء الخلفيّة التافهة، في حين ان شخصيات سانج هي برأيي كائنات رائعة تعيش في وئام مع الطبيعة. وهذا ما تدلل عليه جمل مثل: “مع الربيع الذي يصعد على الأشجار” أو “قمر جديد في السماء” أو “مطعم ريفي على طريق المعرض”. انها شخصيات خارقة، وجسورة وجدّ مختلفة عن شخصيات ابسن التي تقضي حياتها في العيادات أو في حضور اجتماعات مجلس المدينة. شخصيات مزعجة ومكبوتة تمثل طبقات البورجوازية في أي مدينة.
وسألني جويس: “وما رأيك في “DR.Stockman” في “عدو الشعب”. أنت لاتستطيع أن تنكر أنه شخص جيّد.
ـ انه شجاع حسب طريقته. بل انه شخص جميل لكن ياله من نقص فادح على مستوى الشعر في المسرحيّة. كل تلك القصص حول المجاري الملوثة، وحول قنوات المياه الفاسدة والحمامات الصحية “والمجموع العاجزين والمرضى”.
ورد جويس: انت لم تفهم شيئا من المسرحية، توزيع المياه الملوثة وقنوات المياه الفاسدة وكل هذا الذي أنت تتحدث عنه، هو رمز ما يعارضه الدكتور ستوكمان وهو يعني بذلك كل الينابيع الروحية والفكرية. أنت لاتستطيع أن تنكر أن الدكتور ستوكمان شخصية أكثر حذقا من شخصيات سانج وأن شخصا يناضل ضد سياسة المدينة الفاسدة موضوع أكثر أهمية من أولئك النصف مجانين.
وقلت له: اعتقد أن سانج كان يكره مسرحيات ابسن فهذا الأخير يعالج مايسميه سانج بـ “المواضيع الشائنة والمخجلة”.
وهز جويس رأسه ثم قال: أنت لم تفهم شيئا لامن نواياه ولا في عمقه السيكولوجي، وهو ما يتعارض مع الرؤية الرومانسية لسانج، أنت لم تفهم أيضا كم هي مبهرة دراساته للحياة الحديثة حيث استطاع أن يستبطن أعماقا سايكولوجية جديدة، وانطلاقا من ذلك أثر في جيل كامل من الكتاب، ولكن هل أثر سانج في كاتب ما؟ لا أحد تأثر به سوى بعض كتاب الدراما الذين يحاولون العمل مع المسرح الوطني الايرلندي في مواضيع فكاهية. ولكن هل إضحاك الآخرين أمر سيئ؟ في الحقيقة الرصانة بصفة خاصة عند ابسن هي التي تنفرني، وطريقته في النظر الى الحياة كما لو أنها ميدان قتال تتجابه فيه أفكار الشؤم التي هي أفكاره.
في روايتي “أوليسيس” حاولت أن أؤسس أدبا انطلاقا من تجربتي الشخصية وليس انطلاقا من فكرة مسبقة أو إحساس عابر أو طارئ.
سألته: أرى أنك كنت تكتب أفضل لما كنت رومانسيا... مثل “ديدالوس”؟ قال: إنه كتاب فترة شبابي... أما “اوليسيس” فهو كتاب فترة نضجي وأنا أفضل الفترة الثانية على الفترة الأولى. “أوليسيس” عمل يرضيني أكثر من الأول ذلك أن الشباب فترة نعذب فيها أنفسنا وليس باستطاعتنا أن نرى بوضوح، أما في “أوليسيس” فقد حاولت أن أرى الحياة بوضوح وأن أفكر في الحياة كما لو أنها شيء كامل. إن “أوليسيس” كان دائما بطلي المفضل. نعم هو كان كذلك حتى في فترة شبابي القلقة غير أنه كان علي أن أعيش نصف العصر لكي أدرك التوازن الضروري للتعبير عن ذلك. إذ أن فترة شبابي كانت موسومة بالعنف بصفة استثنائية، كانت صعية وعنيفة.
حياة كل إنسان صعبة وعنيفة حسب اعتقادي ذلك اليوم كنت أنظر إلى بندول ساعة في نافذة محل لبيع الأشياء القديمة وقد رأيت هذه الكلمات مكتوبة بالعرض على مينا الساعة: “كل واحدة تجرح والأخيرة تقتل”.
كل واحدة تجرح والأخيرة تقتل... هذا شيء رائع... وعليّ أن أسجل هذا حتى لا أنساه... قال جويس

اقرأ أيضا