الاتحاد

الملحق الثقافي

«أدرينالين».. العلم والجريمة في سياق واحد

اختار المخرج السينمائي محمود كامل في ثاني أفلامه الروائية الطويلة “أدرينالين” استمرار التحليق خارج السرب، وتقديم نوعية افتقدتها السينما المصرية لسنوات وهي أفلام الاثارة والغموض والتي تعتمد قصتها على حقائق علمية وطيبة صاغها محمد عبدالخالق في سيناريو ثري بالتفاصيل والفيلم بطولة خالد الصاوي وغادة عبدالرازق وإياد نصار ومحمد شومان وسامح الصريطي وهاني حسين وألفت عمر وياسمين النجار.
وتبدأ الأحداث بوصول ضباطي الشرطة محمود أبو الليل (خالد الصاوي) وعمر (إياد نصار) الى مسكن نحات معروف هو اسامة فؤاد (سامح الصريطي) الذي أبلغ جيرانه عن انبعاث رائحة كريهة من شقته واختفائه هو وزوجته الطبيبة وعندما يعاين رجال المباحث المكان يجدون جثة مشوهة بطريقة متعمدة حيث ازيل جلد الوجه واليدين تماما وأصبح من الصعب التعرف على شخصية القتيل، وتشير اصابع الاتهام الى الطبيبة د. منال (غادة عبدالرازق) ويتم القبض عليها بتهمة قتل زوجها وتشويه جثته بعد أن تعرف احد اصدقاء الزوج على الجثة.
وتنكر التهمة وتعترف بأنها كانت على خلاف مع زوجها وأنهما اتفقا على الطلاق ويتم اقتيادها للمشرحة للتعرف على الجثة وتسقط الطبيبة في حالة أغماء ويتم نقلها لغرفة العناية المركزة رغم ان طبيعة عملها تجعلها تتردد على المشرحة!
ويتابع ضابطا المباحث خالد الصاوي وإياد نصار العمل للتحقق من دوافع الجريمة ولكن لكل منهما هدف مختلف، فمحمود أبو الليل (خالد الصاوي) همه الأساسي الوصول للحقيقة بينما يسعى زميله (إياد نصار) الى إنهاء القضية كجزء من عمله. ويصر الضابط محمود (خالد الصاوي) على ان هناك غموضا وراء القضية ويطلب الاستعانة بالطبيب الشرعي المتميز أيمن الحلواني (محمد شومان) الذي حصل على اجازة لقضاء شهر العسل، ويبدأ عمله تحت الحاح من صديقه ضابط المباحث.
وفجأة يظهر الزوج النحات اسامة فؤاد (سامح الصريطي) ويسلم نفسه ليبرئ زوجته الطبيبة “منال” ويعترف بانه هو القاتل دفاعا عن الشرف بعد أن وجد زوجته مع رجل غريب في حجرة النوم. ولكنه ينكر تهمة تشويه الجثة ويصر على انه لا يمكن ان يتحمل القيام بعملية التشويه البشعة. ويكشف الطبيب الشرعي الحلواني (محمد شومان) عن ان القتيل مصاب بالعجز الجنسي ولا يمكن ان يكون على علاقة بالطبيبة “منال” التي تبدو في حالة غير طبيعية طوال الاحداث ويسيطر عليها الارتباك والانفعال وفي النهاية تعترف بأن القتيل كان احد المرضى ويتردد عليها للحصول على جرعة من المسكنات والمورفين حيث يعاني الادمان، وان الزوج قتله بطريق الخطأ نتيجة سوء فهمه للموقف.
ويلقي السيناريو الضوء على الجانب الانساني في حياة ضابط المباحث (خالد الصاوي) الذي يعاني الى جانب ضغوط العمل ضغوطا اجتماعية من زوجته واسرتها حيث تصر على طلب الطلاق نتيجة انشغاله التام بعمله ورغم ذلك يرفض ان يغلق ملف القضية وتحال اوراق القضية للمفتي. ويؤكد صديقه الطبيب الشرعي شكوكه حول وجود شريك آخر في الجريمة.
وتتواصل الاحداث ليتم العثور على جثة “د. منال” (غادة عبدالرازق) بعد ان تناولت جرعات كبيرة من الاقراص المهدئة. ومرة ثانية يؤكد الطبيب الشرعي انها لم تنتحر. وانما أخذت الاقراص المهدئة على جرعات متباعدة وان سبب الوفاة هو حقنها بمادة “الادرينالين” التي تسبب الهياج والاضطرابات النفسية وعدم النوم. وتقود المعلومات الى د. كريم عوني الذي يعمل معها في نفس المستشفى ويجري أبحاثه على مادة الادرينالين.
وبعد مطاردة سريعة ينجح الضابط محمود (خالد الصاوي) في دخول المستشفى ويصل الى المشرحة حيث يعمل د. عوني (هاني حسين) الذي يشعر بوجوده ويقوم بحقنه بمخدر ثم يسلمه الى اسرة احد المتوفين ويتم خروجه ودفنه بينما يواصل الضابط عمر (اياد نصار) والطبيب الشرعي (محمد شومان) البحث عن زميلهما ويكتشفان مكانه في المقبرة وينقذانه ويسرع الثلاثة لالقاء القبض على “د. عوني” ويداهمون معمله الخاص ويعترف بانه هو القاتل الحقيقي حيث ان الطعنة الأولى التي قام بها زوج الطبيبة لم تكن كافية لقتل المجني عليه وهو احد المدمنين الذين يترددون على المستشفى ولكنه تصادف ان عرف سر العلاقة الخاصة التي كانت تجمع بين “د. عوني ود. منال” فقد كان يبتزهما ليحصل على ما يريد من مال ومواد مخدرة، ويؤكد انه قام باعطاء “د. منال” جرعات من عقار “الادرينالين” وقام بتصويرها ليسجل تأثير العقار وفي النهاية قرر التخلص منها حتى لا تعترف بأنه الفاعل الحقيقي. الفكرة التي بني عليها السيناريو تستحق الاعجاب فهي غير مستهلكة ولكن الاجواء والتفاصيل التي غلبت فيها الجوانب العلمية والفلسفية أبعدت الفيلم عن الإيقاع المشوق المطلوب في مثل هذه النوعية من الافلام ورغم ثراء التفاصيل الهامشية للشخصيات افتقدت الأحداث المنطق وتارة تبدو الطبيبة في غاية الرقة ولا تتحمل مشهد الجثة المشوهة وأخرى نراها تمارس الحب مع زميلها الطبيب في غرفة المشرحة.
تميز خالد الصاوي بأدائه المتنوع الصادق وجسدت غادة عبدالرازق شخصية الطبيبة المضطربة نفسيا بسلاسة واداء ناضج وسجل اياد نصار ومحمد شومان حضورا مميزا ولفت الوجه الشاب هاني حسين الأنظار في شخصية الطبيب المتجرد من المشاعر وبرع المخرج محمود كامل في اختياره لأماكن التصوير والكادرات المتنوعة والتي كانت أحد عناصر المتعة البصرية وهو يسير في طريق “ميكانو” للمرة الثانية وساهمت الاضاءة والظلال في رسم صور نابضة صنعها بحرفية مدير التصوير طارق التلمساني ورغم حساسية المونتيرة مها رشدي في الربط بين “الفلاش باك” والتسلسل المنطقي للشريط السينمائى فقد افتقد الفيلم سرعة الإيقاع وتناغمت الموسيقى التصويرية لهشام جبر مع الاحداث.
ويحسب للمخرج محمود كامل جرأته في البحث عن موضوعات غير تقليدية وأسلوبه المتميز في اختيار أماكن تصوير غير معتادة ونجاحه في الاعتماد على نجوم يملكون قدرات عالية في الأداء بعيدا عن نجومية الشباك وربما شعر بأن الجمهور قد لا يستوعب هذه النوعية بسهولة لذلك لجأ الى إعادة بعض الرسائل على لسان أبطاله حيث تكرر المعنى الواحد عدة مرات مثل الجملة التي رددها الطبيب الشرعي وكررها ضابط المباحث وجاءت في نهاية الفيلم مرة ثالثة وهي ان الجثث لها حرمة وكما تحفظ الأسرار فإنها تبوح بأسرارها لمن تشاء

اقرأ أيضا