الاتحاد

الملحق الثقافي

إدانة «مستقبلية» لحروب الإبادة

“أنا ملك العالم “.. سمعنا صرخة النشوة هذه في فيلم: “تايتانيك” عندما رأينا بطل الفيلم “جاك” وهو يقف على سارية السفينة الأسطورية ويفتح ذراعيه مداهما لرياح البحر ولعاصفة الحرية والرغبات الهائجة التي لا تعرف سقفا أو حاجزا يمكن الاستسلام لشروطه. واليوم وبعد مرور ثلاثة عشر عاما تقريبا على تلك التحفة السينمائية التي قدمها المخرج جيمس كاميرون لعشاق الأفلام الملحمية، فإن من حق هذا المخرج الطموح جدا وبعد تحقيقه لفيلم “أفاتار” أن يصرخ وبنشوة مضاعفة هذه المرة: “أنا ملك الإبهار”!


فهذا المخرج الاستثنائي الذي قال بعد عرض الفيلم: “لا زلت طفلا في الستين”، يبدو ملازما لمنطقته الخصبة المحفوفة بالرؤى والأحلام التي هي في الأساس صنيع قراءاته المبكرة، وهوسه الجامح بقصص الخيال العلمي، ومجلات “الكوميكس”، ومخيلة الطفولة المزدحمة بكائنات خرافية وكوابيس ناعمة ومنامات سارحة في الأسطورة، ومحلقة نحو ما هو غرائبي ومتجاوز ومختلف.
هناك أيضا الرغبة الحثيثة لدى كاميرون لاختراق عالم المستقبل واستشراف الذعر من هيمنة الآلات والتكنولوجيا الذكية على سكان كوكب الأرض، وتحويلهم إلى عبيد خاضعين لقوة فتاكة وخارجة عن نطاق السيطرة، هذا الهاجس التشاؤمي رأيناه واضحا في أفلام كاميرون المبكرة مثل “المبيد” أو “ترموناتور” بجزأيه الأول والثاني، وكذلك في سلسلة أجزاء الفيلم المستقبلي “غرباء” أو “إيلينز” الذي احتشد بكائنات مرعبة وحسّ سوداوي قاتم.

الانتصار للطبيعة
انتظر كاميرون عشر سنوات قبل أن يتزود بعدّة تقنية متطورة، وقبل أن يختم العام 2009 بتحفته السينمائية الجديدة “أفاتار” أو “القرين” الذي شكك الكثيرين في نتائجه الفنية والجماهيرية، وتنبأوا له بالفشل حتى قبل عرضه، فهو لن يتفوق مثلا على أفلام الخيال العلمي أو الأفلام الغرائبية المبهرة والتي سبقته كـ”حرب النجوم” و”الحديقة الجوراسية” و”سيّد الخواتم” و”قراصنة الكاريبي” وغيرها من الأفلام التي اتكأت على الثورة التقنية والكاميرات المتطورة وأجهزة المونتاج وبرامج الجرافيك التي لامست أقصى حدود الخيال السينمائي، البعض الآخر بالغ في تشاؤمه وقال إن الفيلم سيكون مجرد نسخة منقحة وعالية الجودة لإحدى ألعاب الفيديو المتداولة في السوق، ولكن وبعد عرض الفيلم في صالات السينما حول العالم وفي توقيت واحد تبدلت لغة المتشككين فجأة من النقيض إلى النقيض، وتحول الفيلم إلى أيقونة لعشاق النوع، لأنه زاوج بين الشكل البشري والشكل الافتراضي وبصورة متفوقة ومقنعة لأبعد حدّ، خصوصا وأن تقنيات التصوير والمونتاج التي حلم بها كاميرون أصبحت في متناول يده واستطاعت أن تترجم رؤاه ورسوماته الذهنية التي كان من المستحيل تنفيذها في الماضي، كما أن مضامين ورسائل الفيلم وخطوطه السردية كانت مكرسة لصون الطبيعة والانتصار للسكان الفطريين والشعوب المضطهدة على هذا الكوكب المنذور للجشع الإنساني والآيل في أية لحظة للفوضى والتدمير والخراب.
أعتبر الفيلم أيضا بمثابة إعجاز بصري وتقني لم تختبره شاشات الفن السابع من قبل، كما أن كوكب “باندورا” الذي بزغ في الفيلم والذي صاغته مخيلة المخرج اخترق كل الميراث الأدبي والأسطوري لفكرة الفردوس المفقود أو الجنة التائهة المأهولة بالسحر والغموض والمخلوقات العجائبية والكائنات المجنحة، والجبال المعلقة في الهواء، والأشجار المضيئة، والألوان اللازوردية، ورعشة الطبيعة البكر التي تخدّر الحواس.
هذا الحيز السينمائي المتخم بصريا لم يأت على حساب المحتوى الدرامي للفيلم، وإلا كان مجرد عرض إعلاني لأحدث تقنيات التصوير بالأبعاد الثلاثية، ومخرج مثل جيمس كاميرون لن تتوقع منه أن يفعل ذلك، فهو يمنح شخصيات فيلمه ما تستحقه من ثراء و عمق عندما يتعلق الأمر بالبعد النفسي والتأثير الدرامي لمجريات القصة، كما أن نظرية: “موت الممثل” التي روجها النقاد وألصقوها بفيلم أفاتار، لم تكن نظرية دقيقة لوصف الشخصيات الرقمية والافتراضية في كوكب باندورا، فهذه الشخصيات لم تظهر على شكل آلات مبرمجة وميكانيكية محايدة، وعلى العكس من ذلك ضخ كاميرون في هذه الشخصيات كل ملامح القوة والضعف والنشوة والانكسار والغيرة والحب والحزن، حتى انك تنسى ولزمن طويل في الفيلم أنك تشاهد شخصيات منفذة ومصاغة من خلال الكمبيوتر.

طقوس سحرية
تقفز بنا قصة الفيلم إلى المستقبل البعيد، وتحديدا إلى العام 2154، حيث نرى مجموعة من العلماء والعسكريين وهم يحولون كوكب باندورا النائي والغامض إلى قاعدة عسكرية ومختبر علمي لاكتشاف الطبيعة البيولوجية لهذا الكوكب الذي يخبئ تحت رماله معدنا نادرا لا يقدر بثمن، يجتمع الجشع الاقتصادي هنا مع الفضول العلمي لإنقاذ كوكب الأرض من الكارثة التي ألمت به جراء الجفاف الشديد في موارد الطبيعية بسبب الهدر والإسراف والتلوث الصناعي وتفشي الأمراض وهيمنة الحروب والكوارث البيئية.
وللدخول عميقا في هذا الكوكب استطاع العلماء في القاعدة استنساخ الجينات العضوية لسكانه الأصليين الذين يتميزون بلونهم الأزرق وببنيتهم الجسدية التي تجمع بين شكل الإنسان وشكل الحيوان، كما يتميز هؤلاء السكان الذين يطلق عليهم مسمى: “شعب نافي” بقاماتهم الطويلة التي تصل إلى ثلاثة أمتار، وفي وصف هزلي وتهكمي كان العسكريون في القاعدة يسمونهم: “القردة الزرق” نظرا لقدرتهم على تسلق الأشجار العالية والقفز من مناطق مرتفعة ولتعاملهم الفطري والسلس مع تحديات الطبيعة. ومثل هذه الصفات التهكمية لاحقت معظم الأقليات المستعمرة في العهود الكولونيالية البائدة.
يتم الاستعانة بالجندي المشلول ـ جاك سولي ـ يقوم بدوره سام ورثينغتون كي يحل مكان توأمه المتوفى في إحدى المعارك، من أجل تنفيذ مشروع “أفاتار” الذي يحاكي ويجسد سكان شعب نافي، بحيث يتحول هذا الشخص المتحول جسديا وذهنيا إلى جاسوس ينقل طبيعة الحياة وطبيعة الثقافة وسط هؤلاء السكان ووسط تلك الغابات الإكزوتيكية بكل مخلوقاتها المتوحشة وبكل جمالياتها وفتنتها أيضا.
يصاب القادة العسكريون في القاعدة بالارتباك وتتعقد خططهم لغزو باندورا عندما يتعاطف المجند المستنسخ جاك سولي مع السكان الأصليين ويغرم بإحدى فتياتهم وهي “نايتيري” تقوم بدورها ـ زويي سالدانا ـ والتي تقوم بتدريب “سولي” وتعريفه بطقوسهم السحرية وبطبيعة الحياة في الكوكب، وهي الطبيعة التي تستحوذ على المجنّد، كونها حياة مجبولة على البراءة والتأمل والصفاء الداخلي، وهي الحالات والمشاعر التي كان يفتقدها في المقلب الآخر من حياته البشرية.
يقرر القائد العسكري في القاعدة مهاجمة الكوكب بكل آلات الفتك والتدمير التي يملكها دون الاستعانة بالمعلومات التي يملكها المجند المتمرد، ورغم معارضة العلماء لهذه الهجمة المدمرة، إلا أن القائد يأمر بالبدء في الهجوم وهزيمة السكان الأصليين معنويا من خلال هدم الشجرة العملاقة التي تمثل لهم رمزا مقدسا وقيمة روحية عظيمة، كما أنها تخبئ تحت جذورها كميات هائلة من المعدن الثمين.
تنشب معركة شرسة وغير متكافئة بين الطرفين فمقابل الدبابات الفولاذية الضخمة والأسلحة المتطورة التي تطلق قنابل حارقة ومدمرة كان السكان الأصليون بقيادة جاك سولي المتمرد يستخدمون الخيول والسهام والرماح الخشبية، وقبل انهيار المقاومين والتدمير الكلي للكوكب تستجيب شجرة الأرواح “إيوا” لصلوات السكان المستضعفين فتبدأ كل الكائنات المتوحشة في الكوكب بمقاومة العدو وتحطيم جبروته العسكري وجشعه الأعمى، ينهزم المحتل في النهاية لأن منطق القوة لا يمكن له أن يتفوق وللأبد على منطق المحبة واحترام الطبيعة.

دلالات موجعة
قدم كاميرون المعروف بنزعته اليسارية من خلال هذا الفيلم الإشكالي رسائل مباشرة وموجعة للإدارة الأمريكية التي مارست فظائع عسكرية في الماضي ومازالت تمارسها حتى الآن ضمن تعريفاتها المتناقضة لمصطلح “الإرهاب”، كما أنه عرض لنا شريطا طويلا من الدموع والآلام والذاكرة الاستعمارية المقيتة ضد الشعوب والأقليات المضطهدة مثل المايا والأزتيك في أمريكا الجنوبية والوسطى، وقبائل الهنود الحمر (الأباتشي) و(الكومانش) و(التشانك) في أمريكا الشمالية وشعب الماوري في نيوزيلاندا، والأبورجانيز أو السكان الأصليين لاستراليا، ويمكن أن تقيس رموز الفيلم على ما يحدث أيضا للأقليات المعاصرة في فلسطين وكردستان وجبال التبت وغابات أفريقيا وشرق آسيا. وللتواصل مع الإرث القديم لهذه الشعوب والحضارات اخترع المخرج جيمس كاميرون لغة خاصة لشعب باندورا تتكون من ألف حرف وتمتزج فيها لهجات ومنطوقات صوتية لشعب الماوري في نيوزيلندا والهنود الحمر واللغة الأمهرية في أثيوبيا.
ما قدمه جيمس كاميرون في هذا الفيلم، ورغم أنه يطرق وبقوة أبواب سينما المستقبل بميزانيته الضخمة وتقنياته الهائلة ـ وصلت ميزانية إنتاج الفيلم إلى 300 مليون دولار ـ لا يعني ان السينمات الفقيرة سوف تنقرض وتفقد حضورها في العالم، لأن القصص الإنسانية العميقة والمؤثرة لا يمكن لها بأية حال أن تخفت وتتبخر وسط السعار التكنولوجي والإبهار البصري، فهذه المؤثرات التقنية العالية هي مجرد مكملات وزوائد لقصص تعتمد أساسا على الثيمة الخيالية والمستقبلية للقصة لا أكثر.
ولكن هنا وعلى الأرض تظل الحكايات البشرية المتقاطعة مع الألم والفقد والموت والميلاد والنشوات العابرة والعواطف الدافئة هي مصير وقوام السينما الحقيقية والملازمة لأسئلة الإنسان الكبرى ولبحثه المتواصل عن قيمة الفن وقيمة الوجود أيضا

اقرأ أيضا