السبت 21 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
مشكلة الدستور العراقي في الروح قبل النص
30 أغسطس 2005

غسان مكحل:
الدعوة التي اطلقها رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق عبد العزيز الحكيم من اجل منح الاقاليم الجنوبية الشيعية في العراق، صيغة فيدرالية كتلك التي يطالب بها الاكراد في الاقاليم الشمالية، تعكس انقساما فعليا على مستوى العراق ككل يصعب ان يجد حلا في الدستور الجديد مهما كانت نصوصه المتوقع الاتفاق عليها··
فالاكراد يطالبون بعراق مزدوج القومية عربي كردي، وهو ما لقي قبولا من مختلف القوى السياسية والمجتمعية في البلاد، رضوخا في الاساس الى امر واقع فرضته موازين القوى على الارض ونتائج الحرب الاميركية على العراق· والان يطالب عدد من القادة الشيعة بعراق مزدوج الطائفية، على اساس ما يعتبرونه الغبن الذي عانى منه الشيعة على مدى عقود من الحكم البعثي، تحديدا في عهد الرئيس السابق صدام حسين· اي ان العراق مهدد بتعددية قومية وتعددية طائفية، تتناقض في الجوهر مع صيغة العراق الموحد·
وهناك مشكلات اساسية في هذه الطروحات، ابرزها ان ضعف السلطة المركزية في بغداد،لا بد وان يؤدي الى تزايد قوة الاقاليم، بعد اقرار تلك التعدديات، وبالتالي جر العراق الى حالة تقسيمية، وصراعات داخلية، يصعب تصور افق ومدى لانتهائها·
نظرية ما بعد صدام
المؤسف ان مثل هذه التوجهات، ستقوي من طروحات اولئك الذين روجوا لنظرية ان العراق بعد صدام حسين مصيره الانقسام والتفتت والتقاتل، وهو ما يصب في صالح النظرية الشوفينية المعروفة التي تتحدث بأن العراق لا يمكن ان يحكم الا من قبل شخصيات ديكتاتورية مثل صدام حسين·
من المؤسف القول ان النقاشات الحاصلة في العراق واجواء التوتر والانقسام التي ترافقها، تظهر بأن قوى المجتمع المدني في عراق ما بعد صدام حسين غير قادرة على قيادة البلد الى بر الامان، وغير قادرة على الاحتفاظ بوحدة البلد وايصاله الى بر الاستقرار· صحيح ان الاحتلال الاميركي، يلعب دورا اساسيا في المسار التدميري الذي يسير فيه العراق الا ان هذا لا ينفي حقيقة ان العراقيين كشعب وكمؤسسات ومنظمات مجتمع مدني تتحمل المسؤولية الكبرى في تكريس هذه الخطوط الانقسامية·
والمؤلم ان قوى المعارضة السابقة في عهد صدام حسين، والتي باتت في الحكم حاليا، اثبتت من خلال ما يجري ومن خلال مطالباتها الانقسامية، انها لم تكن معارضة وطنية بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت حركات تمردية، ليس ضد نظام صدام حسين وممارساته فقط بل في الاساس ضد صيغة العراق البلد الواحد الموحد·
أي ان تلك القوى، وهي في غالبيتها شيعية وكردية، كانت تستهدف الحصول على مطالب ومكاسب فئوية وتستهدف ركوب امواج الفئوية من اجل الوصول الى اهدافها، وليس السعي الى اقامة عراق موحد لكل ابنائه يقوم على اساس المواطنية· وبالتالي فهم شاركوا الى جانب صدام حسين في وضع الشعب العراقي امام خيارين مرين، اما الوحدة الوطنية بحماية نظام متسلط ظالم ، واما تفتيت البلاد على اساس قومي وطائفي ومناطقي·
الكثيرون يرون ان في النقاش الحاصل حاليا بشان الدستور ومستقبل العراق، نقاطا ايجابية، اي ان الحوار هو السائد، الا ان النباهة تتطلب رؤية ما هو خلف النقاش من تجييش وتحريض وتعبئة واثارة للكراهيات،الى درجة تقريب العراق من حد الحرب الاهلية او حتى الانقسام الاهلي الكامل· فبعد ان كان العراقيون عراقيين اولا ومن ثم سنة وشيعة واكرادا وتركمان، بات العراقيون مصنفين على اساس فئاتهم اولا وحتى اخيرا، ما عدا قلة قليلة، رفضت، برغم المعاناة والاخطار، الانجراف في التيار التفتيتي·
الانفصال الكردي
وما يزيد من القلق على مستقبل العراق ان القوى السياسية الظاهرة على السطح، والتي تتولى مسؤولية في تحديد مستقبل العراق، مهتمة بالدرجة الاولى في ارضاء الجانب الاميركي، في التوصل الى اي حل مهما كان في الموعد المحدد،وليس في تحصين الوطنية العراقية والوطن العراقي، من دون احتساب الاوقات، لان المقدس هو الشعب والوطن وليس المواقيت وارضاء اهداف الخارج·
ويمكن الكشف بسهولة عن نوايا الاطراف والفئات كلها، او بالاحرى القوى التي تعتبر ممثلة للفئات العراقية· فالاكراد لا يهدفون فقط الى تحقيق حقوقهم التي يقولون انهم حرموا منها في عهد صدام حسين والعهود التي سبقت، بل يريدون استخدام هذه الدعاوى في الحقوق من اجل الحصول على اكبر قطعة ممكنة من العراق، والانفراد بها· فهم يريدون توسيع اقاليمهم الشمالية الى اقصى الحدود بإتجاه الجنوب والشرق، ويريدون الانفراد بالثروة النفطية لكركوك عبر ضم المدينة الى اقاليمهم· وهو ما يؤمن لهم القدرة المالية والاقتصادية الضرورية للانفصال لاحقا، ويؤمن لهم عاصمة يتحدون خلفها· اي ان المسألة ليست حقوق الاكراد بل هي في الواقع استخدام حقوق الاكراد من اجل الانفصال بالكامل مستقبلا·
واذا كان من حق الاكراد ان يطالبوا بالانفصال وان يطالبوا بإقامة دولتهم المستقلة، الا ان ليس من حق اي فئة ان تعتبر العراق غنيمة للتقاسم في مرحلة ما بعد الحرب، وان تسعى للحصول على اكبر قطعة، بصرف النظر عن الاحقية فيها·
وهنا لا بد من الانتباه الى التحريض الخطير من جانب القيادات الكردية ضد العرب، على اساس الادعاء بأن العرب هم الذين وقفوا ضد الحقوق القومية للاكراد، مع انه عندما تقررت خارطة المنطقة ورسمت حدود دولها بعد الحرب العالمية الاولى، لم يكن العرب قوة تذكر، وكان القرار بيد الغرب، الذي حرم الاكراد من دولة خاصة بهم· وهو امر ما زال ساريا الى الان، ولا ذنب فعليا للعرب فيه·
والاخطر من ذلك ان موازين القوى في المنطقة حاليا وفي المستقبل المنظور لا تسمح بقيام دولة كردية مستقلة، تحديدا اذا ما استمرت تركيا وايران ودول اخرى في المنطقة معارضة لها،وبقي الغرب غير متحمس لها· وبالتالي فإن الدعاوى التقسيمية من الجانب الكردي لن تؤدي الى قيام دولة كردية، بل ستزيد من ضعف العراقيين اكرادا وعربا وتركمان، ولن تسفر الا عن زيادة ثروات ونفوذ القادة الاكراد الذين بنوا ثروات هائلة اثناء سنوات الحصار وبعد الحرب، على حساب قدرات الشعب العراقي بكرده وعربه وتركمانه وكل قومياته وفئاته·
الفئة الخاسرة
أما بالنسبة الى الجنوب فإن التاريخ دار دورة كاملة منذ العام 1979 تاريخ انتصار الثورة الايرانية، عندما دق ناقوس الخطر على مستوى المنطقة والعالم ايضا تخوفا من قيام الشيعة في المناطق المجاورة ساعين الى الانفصال بمناطقهم او الى اقامة انظمة شيعية·
ونجاح الدعوة التي اطلقها عبد العزيز الحكيم ، من أجل كيان اتحادي شيعي في الجنوب، يعني حدوث هذه المخاوف، ونجاح المخططات الانفصالية التي كانت اطلقت في اواخر السبعينات· والاخطر من ذلك فإن هذه الدعوة تعني نهاية العراق الموحد، ونجاح مرض الانقسام والتفتت في التمكن من الجسم العراقي والانتقال الى الاجسام الاخرى في المنطقة، تحديدا تركيا وايران·
وربما تكون ايران مستفيدة في الظاهر الا انها ستكون في حال فوز القوى الانفصالية الشيعية الخاسر الاكبر· فإذا كان من حق الشيعة ان يكون لهم كيان اتحادي او ربما دولة في المستقبل في العراق، فإن ذلك يعني ان من حق السنة والعرب والاذريين والبلوش وغيرهم اقامة كياناتهم في ايران وان من حق الاكراد والعرب والعلويين وغيرهم اقامة كياناتهم في تركيا، وهو ما يعني الدخول في حالة من الانقسام او دعوات الانقسام المتواصلة التي ستؤدي الى انقسامات اخرى متزايدة و في النهاية الى تفجر كامل على مستوى المنطقة ككل·
وبالنسبة الى شيعة العراق فإن المشكلة الاساسية لم تكن في اي مرحلة من المراحل، في انهم يتبعون سلطة مركزية في بغداد او انهم جزء من الكيان العراقي الواحد، المشكلة كانت في ان قياداتهم المحلية من عائلات الاقطاع الديني المعروفة، والقيادات المركزية في بغداد، كانت تتصرف بحسب مطامعها ورغباتها وتبيعهم وتشتريهم بحسب تلك المصالح· وهو امر كان موجودا قبل صدام وفي عهده وحتى الان··
وفي حين يبدو السنة العرب الفئة الخاسرة في هذه المرحلة، وهو امر في الظاهر فقط اما الواقع فمختلف اذ من الطبيعي ان تكون القوى التي تقاتل حاليا تحت شعار تحرير العراق، ابرز القوى المشاركة مستقبلا في تكون العراق الجديد· الا ان المشكلة الاساسية في سلوك جانب من القيادات السنية العربية، وهي تصوير ما يجري حاليا على انه صراع طائفي وفئوي بين العراقيين، وهو ما يزيد من حدة الاحتقان، ويفسح في المجال امام القوى الخارجية للتدخل و محاولة التحكم بمصير العراق··
وسواء نجح العراقيون في اقرار الدستور الجديد ام لا، فإن المشكلة تبقى في الروح وليس في النصوص، خصوصا وان السلوك السياسي للقيادات العراقية، في غالبيتها ومن مختلف الفئات، يتجه يوما بعد يوم بعيدا عن روح الوطنية العراقية وعن اهداف المواطنية، وهي علة تفوق علة الاحتلال··
المجتمع المدني ··والمسؤولية الكبرى
من المؤسف القول ان النقاشات الحاصلة في العراق واجواء التوتر والانقسام التي ترافقها، تظهر بأن قوى المجتمع المدني في عراق ما بعد صدام حسين غير قادرة على قيادة البلد الى بر الامان، وغير قادرة على الاحتفاظ بوحدة البلد وايصاله الى بر الاستقرار· صحيح ان الاحتلال الاميركي، يلعب دورا اساسيا في المسار التدميري الذي يسير فيه العراق الا ان هذا لا ينفي حقيقة ان العراقيين كشعب وكمؤسسات ومنظمات مجتمع مدني تتحمل المسؤولية الكبرى في تكريس هذه الخطوط الانقسامية·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©