الاتحاد

الإمارات

إرهاب ON LINE

«هل أنت مسلم أم كافر؟»، سؤال ظهر على شاشة لعبة الطفل «سمير» المفضلة، حينما كان يلهو مع أصدقائه بأحدث إصدارات الألعاب الإلكترونية، ليتبدل السؤال سريعاً بنافذة أخرى «هل أنت سني أم شيعي؟»، فيحاول «سمير» ببراءته التخلص من هذه النوافذ وإغلاقها، دون إدراكه لمحتواها، لكنها تستمر بالظهور وبشكل متكرر، بطرح أسئلة أخرى عن عدد أفراد عائلته، وعن والديه بالأخص، وهل يقرأ القرآن أم لا؟ مؤشرات تدلل على ما تم تداوله مؤخراً حول مقطع صوتي لأم تتحدث مع ابنها، بأنه أثناء اللعب طُلب منه قتل والدته وأفراد عائلته من قِبل بعض المشاركين باللعبة، وكانوا 4 أشخاص، حيث رد الطفل على أمه بأنه حظرهم بحكم أنه ليس له صداقة مع أي منهم، وأنهم قاموا بإضافته في اللعبة وأرسلوا صوراً تحريضية للعبته تطالبه بقتل أحد أقاربه حتى يدخل الجنة.. فمن يقف وراء ذلك؟ ولماذا الأطفال؟

تحقيق - منى الحمودي وهزاع أبوالريش:

كل النماذج السابقة تشير إلى جماعات متطرفة وفئات ضالة تستهدف عقول الأطفال والمراهقين، فتحرضهم على القتل، والعنف من خلال إنتاج ألعاب عنف وقتل وتشويش أو اقتحام الألعاب عبر الإنترنت، ليتسنى لهم بث سمومهم بطريقة مروعة بين أطفالنا، واستدراجهم إلى منهجهم الضال، واستخدام التقنيات الرقمية لإخضاع وإخافة الآخرين، وبث أفكار تدعو إلى الطائفية، واتباع الجماعات المتطرفة .
وبرزت أخطر هذه الألعاب في لعبة «كلاش أوف كلانس» وتعني بالعربية صراع العشائر، التي تقوم على فكرة السماح للاعبيها بإنشاء عالمهم الخاص، والقيام بالمهام العسكرية كتدريب الجنود، ومهاجمة اللاعبين الآخرين للحصول على الذهب والإكسير، في حين يستطيعون بناء أنظمة الدفاع وأنظمة الهجوم، كما يستطيع اللاعبون استخدام خاصية الدردشة في اللعبة وبمجرد ولوج الطفل للعبة، يصطاد المتطرفون الأطفال «أون لاين» ويتحدثون معهم عن الجنة، وأنهم لن يدخلوها إلا بقتل أحد أقاربهم أو أحد الكفار، فيعملون على غسل عقول الأطفال، وترسيخ مفاهيم خاطئة عن الدين لديهم، ما يؤثر على الطفل ويقنعه بأن أي تفجير يقوم به يعتبر «تحريراً للمسلمين»!!.. عندها تحل الكارثة في غفلة من الأهل عن أبنائهم.

تواصل مجهول
براءة الأطفال تأتي بما تحمله روحهم، من فطرة جبلت على الخير والإنسانية، أسوة بذويهم، فالطفل سيف علي المنصوري، يقول: «إن الألعاب التي نلعبها تسهل لنا التواصل مع الجميع، داخل الدولة وخارجها، ولكن بالنسبة لي لا أتعرف على الأشخاص الأكبر مني سناً، وأتجنب الانخراط في المجموعات الغريبة، ودائماً لا أدخل اللعبة إلا مع أصدقائي عبر مجموعات لنلعب، ونتواصل فيما بيننا».
ويضيف صديقه الطفل حمد حسن الشحي: «هناك مجموعات غريبة، في حواراتها، ونقاشاتها فابتعد فوراً عنهم، ولا أخالطهم عبر هذه الألعاب، أو أي وسائل أخرى»، لكن صديقهم الطفل عبد الرحمن أحمد الرميثي، يتساءل عن دور الرقابة الممارسة على الألعاب، ويقول: «أغلب الألعاب لا اعتقد أن عليها رقابة من الجهات المعنية، لوجود صور فاحشة فيها، وغير لائقة تماماً، فدائماً نتساءل فيما بيننا كيف دخلت هذه اللعبة إلى السوق، وأين الرقابة؟ لأن الطفل اليوم كل ما يشاهده خلال هذه الألعاب، يترسخ في ذهنه وتبدأ التساؤلات تنطرح حتى يذهب بعيداً بأفكاره».

اقتل تربح
ويتجه معظم الأطفال إلى الألعاب التي تحتوي على الحركة أو «الأكشن»، لما يتمتع به الطفل من نشاط وحيوية وهي عنده مجرد تسلية وترفيه، وأحياناً الألعاب تحتوي على عمليات قتل تحت مسمى فنون قتالية، وكلما قتل اللاعب أشخاصاً زاد رصيده.
مريم الظاهري (الأخت الكبرى لشقيقين) كانت تراقب إحدى الألعاب الإلكترونية لأخويها الصغيرين... وتقول: «هذه الألعاب تعلم الأولاد أن القتل ممتع ومقبول، وهذا يشكل خطراً كبيراً على ثقافة الطفل، ما يساعد على ترسيخ أفكار العنف في عقله».
وهناك اللعب المباشر «أونلاين» مع طرف آخر مجهول الهوية، أذ تقول مريم الظاهري: «يستطيع الشخص محادثة الآخر عبر الرسائل النصية، وقد يتعرض اللاعب، وخصوصاً الأطفال، لعدد من المخاطر، منها: دخوله في حديث مع بعض الإرهابيين والدواعش، ما يزيد الطين بلة ويتعرض الطفل هنا لعملية غسيل دماغ، وأبسطها خطر التعرض للتحرش، عبر دعوة الشخص المجهول للطفل للقائه خارج المنزل، على سبيل المثال، لذلك فإن رقابة أولياء الأمور لأبنائهم مهمة، خصوصاً وأنه أصبح من الصعب مراقبة محتويات الألعاب، ومعرفة تفكير الأشخاص الذين يلعب معهم على الإنترنت بسبب الطرق البديلة التي يلجأ إليها مروجو هذه الأفكار.
ومع ازدياد الطفرة التكنولوجية، تطفو إلى السطح آثار سلبية، قد تكون هي الضريبة التي يتلقاها المستهلك، فمؤخراً اشتكى العديد من الآباء والأمهات من تشكل حالة من العزلة والانطوائية لدى أطفالهم، يقولون إنها جاءت عقب تعلقهم بالأجهزة الذكية.
وتضيف ولية الأمر، موزة الكتبي: بسبب التطور الإلكتروني، ظهر هذا النوع من الألعاب، حيث أصبح الأطفال في حالة عزلة وانطواء، بعيداً عن طفولتهم والتي يجب أن يمارسوها بطبيعيتها، فبدلاً من ممارسة الرياضة واللعب مع الآخرين وارتياد النوادي، أصبح الطفل يجلس وحيداً مقابل الجهاز الإلكتروني.
وتقول موزة: يعمد المراهقون إلى دفع مبالغ هائلة من أجل شراء رصيد النقاط، لتصدر المراكز الأولى في بعض الألعاب الإلكترونية عبر الأجهزة الذكية وتطبيقات الهواتف المتحركة، إضافة إلى أن هناك من يقوم بشراء حسابات لآخرين يمتلكون أرصدة عالية من النقاط بمبالغ خيالية تبدأ من 5000 درهم، ولا يعرف منتج اللعبة أو التطبيق، ويتم دفع المبالغ المالية لشراء النقاط لها، وبالتالي لا يمكن معرفة لمن تذهب المبالغ. أصبح الأطفال والمراهقون أمام تغذية تطرفية إلكترونية، تصل إلى عقر بيوتنا عبر الكابلات الضوئية الفائقة السرعة، وتوزع داخل المنازل عبر الواي فاي، متضمنة ألعاباً إرهابية تحرض على التطرف بشكل غير مباشر وأحياناً مباشر، وهي أيضاً تحمل طابع العنف الذي يعمل على إشباع عقول الأطفال بالأفكار المتطرفة ويغذي عقل الطفل بطرق القتل، وبالتالي يتحول لشخص مقلد لهذه الألعاب ويتأثر سلوكه بها، فبعض الألعاب تحرض على تجاوز القانون، وتدفع الطفل إلى قتل من أمامه مهما كانت شخصيته، وكذلك تخريب المرافق العامة وتفجيرها، بحسب وصف الأخصائية الاجتماعية العنود الرميثي.
وتضيف: دائماً تعمل هذه الألعاب على تحفيز الطفل على اللعب باستمرار، للارتقاء بمستوى أعلى للعبة، بعد أن تطلب من اللاعب إنهاء حياة أكبر عدد من الأشخاص في اللعبة، ومن هذه الألعاب (كول اوف ديوتي، وبلاك كوبس، وباتل فيلد)، وهي الأكثر مبيعاً في العالم وتأخذ طابعاً حربياً، يعتمد على المغامرة والقتل وإدارة الحروب.
ولكن القضية آخذة في التفاقم مع غياب الدور التوعوي والرقابي «أحيانا»، كما تقول الأخصائية، إذ لم نعد نستغرب عندما نرى الجيل الحالي لا يحرك ساكناً للأحداث الحقيقية والحروب الدامية التي يشاهدها عبر التلفاز، ببساطة لأنه تعود على ممارسة القتل في عالمه الافتراضي.. فهل وجب دق ناقوس الخطر أم أنها حالة عرضية تقتصر على ألعاب معينة؟..

التحصين الآمن
ربما يرد البعض بالنفي، لأن حياتنا اليوم أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بوسائل الاتصال الحديثة، وهذا ما يعني انه بات لزاما توافر الحماية اللازمة لأطفالنا، إذ يقول حافظ سالم العبري، أخصائي في التواصل الاجتماعي والرقمي: «إن انتشار الإرهاب الإلكتروني بين أبنائنا وأطفالنا يحتم ضرورة البحث عن الأمن الإلكتروني، حيث أصبح من الصعب جداً الحفاظ على الخصوصية في منازلنا، وحتى مراقبة الألعاب التي يلعبها أطفالنا، والتي وجد فيها الإرهاب طريقه إليهم»، وهذا يعني أن الناس لا يمكن أن يعيشوا بمعزل عن التقنيات الحديثة، وهنا يطرح التساؤل: هل العالم الافتراضي الذي فرض على أبنائنا (مسالم)؟ ويوضح أن الإرهابيين استغلوا هذه النقطة وأصبحوا يبثون سمومهم في عقول الأطفال، حتى يصبحوا بذرة لأنشطتهم الإرهابية، وهي حالة غير صحية.
وأيضاً الألعاب الإلكترونية في تطور مذهل، مع ازدياد العمليات البرمجية، وتهافت الجميع على سوق الألعاب، وهو ما يشكل مصدر قلق أو إرهاق للمراقب الأمني الإلكتروني، وهو ما يعني انه المصدر الأول في مواجهة شرسة مع كم هائل من الألعاب المتعددة.
ويعلق راكان بو خالد، من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، بأن الموضوع مرهق فكرياً، وأصبح يأخذ حيّزاً من فكر كل مسؤول عن الأطفال وهم كثر في هذه الحالة، وأولهم العائلة، ويعلل وجهة نظره، بأن المراهقين انصاعوا لمثل هذه الألعاب، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من نشاطاتهم اليومية وان لم تكن الوحيدة أحياناً.

جريمة مع سبق الإصرار
وعند فتح ملف الثورة التقنية والمعلوماتية، يبرز إلى السطح العديد من القصص الواقعية، أو ربما التجارب المريرة، فهي إن صح القول أضحت ذات تأثيرات سلبية خطيرة لا تقل عن «الجريمة مع سبق الإصرار والترصد»، بحسب وصف الدكتور عماد الدين حسين خبير التميز المؤسسي، ومع تصاعد الإرهاب بكل أشكاله في العالم، يبقى الإرهاب الإلكتروني أخطرها على الإطلاق.
ويضيف أن كل واحد منا يتلقى الآلاف من الأفكار عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر مواقع الإنترنت المختلفة، فأصبح يستعصي على المفكر المثقف والسياسي المحنك والباحث الأكاديمي والأديب المتخصص أن يغربل تلك الأفكار ويصنفها أو حتى يحكم عليها أو يستنبط منها الجيد من الرديء والهادف من الهدام والمعتدل من المتطرف، فما بالك بأفراد الأسرة إذا كيف سيواجهون هذا السيل من الأفكار، الجارف، الذي قد يقذف بهم في غيابات الفكر الإرهابي، وقد صار لا يكاد يخلو بيت من شبكة الإنترنت.
هنا يكمن مربط القضية، الإنترنت غزا المنازل بشكل لا يصدق إذ أوشك أن يكون وضعه داخل البيت، مثل صنبور الماء لا يمكن الاستغناء عنه، وفي بعض الأوقات تجاوز هذا الحد، لكن ما الخطر في ذلك؟ يجيب خبير تطوير رأس المال البشري والقيادة والتخطيط الاستراتيجي، الدكتور عماد الدين حسين، بأن العالم الافتراضي أصبح مرتعاً لذوي النفوس الخبيثة ولأصحاب الأفكار والمشاريع المتطرفة، ولهذا فإن الشاب أو الطفل الذي يجلس أمام شاشة كمبيوتر أو لديه هاتف مسؤوليتنا جميعا، ويجب أن تتضافر كل الجهود لحماية أبنائنا وشبابنا من هذا الغزو الإرهابي المهول، لأنه غزو للفكر، وللقناعات، وللمعتقدات، وللقيم، وللأخلاق، وللوسطية والاعتدال في الدين والدنيا.
وبالإضافة إلى كل هذه الكوابيس، فقد فضل أصحاب الفكر المنحرف، بلورة أسلحة أخرى تكاد تكون اشد فتكا من النارية، أذ تعمل على غسل عقول أطفالنا وتطفيها منذ الصغر.
ويشير الدكتور عماد الدين حسين إلى أن سلاح أصحاب الفكر الإرهابي الخبيث والذي يحاربوننا به هو السيطرة على عقول أبنائنا وشبابنا، أجيال الغد وقادة المستقبل، إذ تبنى القناعات وتترسخ المعتقدات والقيم وتتشبع الأفكار في عقل صغير غض لا تزال صفحاته بيضاء نقية تغرس فيها ما تشاء... فأي مصيبة تلك في طريقها إلى فلذات أكبادنا أو أنها فعلاً قد وصلت؟ وهنا يشرع السؤال.
ويذهب الخبير البشري إلى نقطة مهمة يؤكد فيها، بأن الإرهاب الإلكتروني يمكن أن نكون نحن من ندعمه من حيث لا ندري، إن لم نستحدث أدوات مواجهة فاعلة على الصعيدين الاحترازي والوقائي وبشكل مستمر فردياً وأسرياً ومجتمعياً.

عزلة القفزة الحضارية
والألعاب الإلكترونية مثلما لها مزايا، فإن لها مساوئ، فهي سلاح ذو حدين، ويقول الكاتب علي أبو الريش: نحن انتقلنا الآن من الفطرة المفتوحة إلى المادية المنغلقة، وهذه لعبة تاريخية تشهدها أغلب المجتمعات عندما تقع تحت طائلة القفزة الحضارية، فالألعاب الإلكترونية تجعلنا نواجه مشكلتين رئيسيتين: الأولى: عزلة الأطفال خلف جدران الغرف المغلقة، والثانية: فقدان هؤلاء الأطفال فطرتهم، ونقاءهم، وأيضاً قدرتهم على الإبداع لأنهم يقعون الآن أمام تقنيات حديثة، تقدم لهم كل الجاهزية من دون أن يبذلوا أي جهد، بينما كان في سابق العهد للطفل دور أو شراكة في صناعة لعبته، والإبداع بها، والتفنن فيها.
وأيضا ورقة جديدة في القضية تتحدث عن حالة إن ثبتت كان الأمر اشد قسوة في العلاقة بين الأطفال والأب والأم، وهي العزلة، إذ يؤكد أبو الريش أنها مشكلة، خلقت شرخاً واسعاً في نفوس الأطفال، بحيث أننا الآن لا نستطيع أن نجد هناك الحوار المفتوح - أي الحوار الأسري ما بين الأطفال والأب، والأم - الأمر الذي جعل من الأطفال يعيشون في عالم مغلق، وفي دائرة محكمة الإغلاق أيضاً، وهذا الشيء كما يراه أبو الريش، وفي المستقبل القريب، سيلغي دور الأسرة ذات الامتداد الأفقي، إذ سيصبح لكل شخص، ولكل طفل بالذات أسرة ذاتية خاصة به، وشؤون شخصية لا علاقة لأحد بها، ولا علاقة لأي شخص يسكن خارج الغرفة، التي يقطن فيها، مما يجعل هذا الأمر ذا مشكلة كبيرة ستتضاعف آلامها عندما يصل هؤلاء الأطفال إلى مرحلة الشباب.
ويضيف: سيصبح هؤلاء الأطفال مثلما هذه الأجهزة الإلكترونية التي يتعاملون معها، حيث ستكون مشاعرهم هكذا متجمدة عند حدود نقطة الصفر، بالإضافة إلى عجز الأطفال في المستقبل عن بذل جهد للإبداع ما يضيف إلى قدراتهم، وإمكانياتهم، وما يؤكد شخصيتهم، وذاتيتهم المستقلة عن ذات الآخرين، بمعنى أن الطفل حين يجلس أمام الجهاز الإلكتروني فقط بمجرد إدارة زر هذا الجهاز، تصبح الأمور عنده سالكة، وما عليه إلا أن يقف مشاهداً، ومتابعاً للمشهد من دون أن يبذل أدنى جهد، وهذا بالطبع سيؤثر سلباً لأن القدرات البشرية بحاجة إلى تحفيز، واستفزاز، فحين لا تجد هذه الملكات ما يستفزها، وما يجعلها تتحرك في دائرة العقل تصبح أداة سلبية، ومن هنا ينكفئ الطفل إلى مرحلة الطاقة السلبية.

كبسة زر
الأمر حالياً لا يستغرق سوى بضع ثوان لكبسة زر لتأخذ الطفل إلى دهاليز العالم الافتراضي، حيث إن أبرز السلبيات المصاحبة للتطور التقني، تكمن في اختراق الألعاب الإلكترونية التي يستعملها النشء والشباب، خاصة الألعاب القتالية التي تتضمن المحادثة الفورية، يقول المقدم طاهر الظاهري، رئيس قسم الجريمة المنظمة في إدارة التحريات والمباحث الجنائية، في شرطة أبوظبي، ويحذر إن ذلك يستدعي التنبه منها مبكراً كي لا تهدد أمن الأفراد والمؤسسات، وهي تعتبر من الجرائم الإلكترونية، التي تحمل طابع التهديد عبر الإنترنت، والإساءة والتحرّش إلى الأطفال، وتبث أفكاراً متشددة مسمومة، تستهدف عقول الأطفال والشباب لتشويش أفكارهم، وتحريضهم على خرق القانون.
ويذكر أن الجرائم الإلكترونية أحياناً يكون ضحاياها من الأطفال، بسبب الاكتفاء بتزويدهم بحواسب وأجهزة لوحية وهواتف ذكية، وإهمال الأسر مراقبتهم، فيصبح الطفل فريسة سهلة وضحية لإغراءات البرامج والألعاب الإلكترونية المحظورة.
ولكن هل من فارق بيّن المجرم الإلكتروني والتقليدي؟ يجيب الظاهري: «الأول تكون لديه خبرة إلكترونية باستخدام التقنيات الرقمية المتطورة، ويمكن أن يعمل في الخفاء في مكان غير محدد خارج الدولة، ما يتطلب تتبّع تحركاته وصولاً إلى مكان تواجده بالتنسيق مع الجهات المعنية دولياً.

سلاح المواجهة
وعن الحلول يقول الدكتور حافظ العبري، إن على أولياء الأمور تنبيه أبنائهم وتحذيرهم أثناء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن كيف؟ يقول: بعدم التحدث مع الغرباء، وفي حال الشك في هوية الشخص يقوم بإبلاغ ولي أمره بالواقعة وألا يعطي بياناته الشخصية مثل البريد الإلكتروني، ورقم الهاتف، ومكان السكن، وصورته الشخصية، حتى لا يستغلها ضعاف النفوس في تهديد ضحاياهم، اضف على ذلك يؤكد العبري انه على أولياء الأمور مراقبة أبنائهم ومعرفة المواقع والألعاب التي يمارسونها في العالم الافتراضي، وتقديم النصح والمشورة لهم بين الحين والآخر.
إلا أن راكان بو خالد، يرى في حلول القضية وجهين، الأول: يتمثل بمحاولة جادة من قبل المسؤول لتثقيف الطفل أو المراهق عما يجري من حوله بشكل مباشر أو غير مباشر، وعليه إيجاد طريقة تثقيفية حضارية لهذا الطفل المنغمس بخطر الإرهاب الإلكتروني، ويفسر معطياته، بينما يكمن الوجه الثاني، بتعزيز الرقابة الذاتية لدى الطفل مما يجعله مراقباً على نفسه، وتصرفاته، أي بعد أن يتمكن الأهل من توعيته بشكل صحيح من المخاطر المتوقعة من صناع الإرهاب.
لا لقد فات الأوان.. يرد الدكتور عماد الدين حسين، فما من جدوى لدروس تقوية في النصح والإرشاد لأطفالنا، ويشرح: بعد أن توغل هذا الفكر الإرهابي المجرم في أجهزتنا وتسممت به خيوط شبكة اتصالاتنا، وتسلل إلى بيوتنا، وأصبح أقرب لأبنائنا منا نحن الذين نعيش على خطوات منهم، فقد بات العمل على الحلول الواقعية والجذرية هو سبيلنا للخلاص، وهذا يتمثل بخمس آليات احترازية ووقائية للمواجهة، الأولى تكمن باستحداث مادة عن الفكر الإرهابي عامة والإلكتروني خاصة، ضمن مناهجنا التعليمية بكل مستوياتها، وتاليا، التأكيد على الأبناء بعدم إعطاء أية معلومات خاصة بهم شخصياً أو بالأسرة للغرباء على الإنترنت مثل الأسماء والعنوان وأرقام الهواتف وحي السكن وغيرها مع التركيز أيضاً على بناء علاقات اجتماعية واقعية وهادفة، وثالثاً تشجيع الأبناء على التعبير والتحدث والمشاركة عن أي شيء يشاهدونه أو يطلعون عليه بالإنترنت سواء كان جيداً ومفيداً، ورابعاً: تحذير الأبناء من تصديق أي حديث أو معلومات يعطيها الآخرون، وخير الأمور التي تشغل الطفل وتحميه من الفكر المتطرف هو العمل التطوعي الذي يعوده على الإيجابية والعطاء والرحمة والمسؤولية والشعور بالآخرين.
ولكن هل على الأهل منع أطفالهم من حيازة الأجهزة الإلكترونية الذكية؟ يجيب الكاتب علي أبو الريش: لا ندعو إلى التخلي عن الأجهزة، وإنما المطلوب تدخل الوالدين في تقنين التعامل مع هذه الوسائل الحديثة، وللأم والأب دور جوهري ومحوري في صناعة وصياغة العقل لدى الطفل، فإن شعر الطفل بأن هناك من يضع له الخطوط العريضة في التوجه نحو هذه الأجهزة، سيجد نفسه أمام قانون أسري، وأمام قيم، وأمام عادات وتقاليد، فسيرى المسألة ليست إلا مثل «واد يفيض بالماء وتتجه مياهه إلى اتجاهات مختلفة» وإنما يجب علينا توجيه مياه الوادي إلى المناطق المطلوب زراعتها، والاستفادة منها، واستثمارها لأجل أيام مستقبلية قادمة».


المدرسة
يقول الطفل أحمد محمد المزروعي: «في اعتقادي يجب على المدارس احتضان وتوصيل الفكر السوي والاعتدال وتبين مدى خطورة مثل هذه الألعاب، لأن الطفل أصبح يقضي معظم وقته في المدرسة، فليست المدرسة مقتصرة على الحفظ والتراكمات الدراسية والواجبات، بل يجب أن تكون هناك رسائل أخرى للطلبة، وتكثيف الأنشطة، كي لا يشعر الطالب بوقت الفراغ وبحاجة للألعاب الإلكترونية، ولتسهم المدرسة في صناعة المبدع، والمخترع».


النائب العام لأبوظبي:
حرب غير مباشرة
قال المستشار علي محمد عبد الله البلوشي، النائب العام لإمارة أبوظبي: «أصبحنا اليوم في حرب إلكترونية موجهة نحو مجتمعاتنا وهي حرب غير مباشرة لم تعد معتمدة على المواجهة والقتال المباشر كعادة الحروب المتعارفة، مشيراً إلى أن الجماعات والتنظيمات الإرهابية وأصحاب النوايا الخبيثة والنفوس الدنيئة وبعض مشايخ الدين وبعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي تستخدم هذه التقنيات لبث أفكارها المسمومة في عقول أبنائنا.
واعتبر أن أهم العوامل التي أدت لضرورة الانتباه لخطر الإرهاب الالكتروني، هو انتشار رسائل الترويع وصور ومقاطع العنف عبر الوسائل المختلفة من برامج التواصل الاجتماعي مثل تويتر، انستجرام، واتساب، سناب شات، وتيليجرام، بلاك بيري ماسنجر وغيرها من البرامج كاليوتيوب والألعاب الإلكترونية التي تبث العنف والانحلال وتكون on line.
وقال: تكمن خطورة هذه المشاهدات في الأثر النفسي السيئ الذي يقع في النفس، فيما قد يعتاد الأبناء على مشاهدة هذه الصور وتتجمد مشاعرهم الخيرة وتصبح قلوبهم قاسية وتنحدر الإنسانية في نفوسهم.
وبين أن العوامل التي تساهم في تفاقم المشكلة يكمن ابرزها بامتلاك الأطفال والمراهقين والأبناء لأجهزة الهواتف الذكية والآيباد وغيرها من الأجهزة، وتزويد هذه الأجهزة باشتراك لخدمات الإنترنت مما يتيح له السفر في فضاء الإنترنت وتزوده بكل ما يعرض عليه، وكذلك توفر خدمات الإنترنت wifi في الأماكن العامة.
وقال: هنا تكون صعوبة مراقبة الأبناء في عالم الإنترنت لأنه عالم مفتوح غير مراقب ويعرض الجيد والخبيث، وكذلك الصعوبة تكمن في إيجاد المغرضين والمجرمين طرق جديدة وتحديثها حتى لا يتمكن أحد من كشفهم أو حجبهم عن المواقع.
ولفت إلى أن خطر الألعاب الإلكترونية التي يلعبها الأبناء، يتعدى نطاق الغرفة التي يلعب بها ويتصل بها إلى أفراد في القارات الخمس الأخرى وخلالها تتم المحادثات والتعارف وتبدأ مرحلة الفضول والاكتشاف للطرف الآخر، وكذلك يضع بعضهم صور وعبارات في العرض تحمل صور لأعلام منظمات إرهابية وعبارات خاصة بهم وقد يتبادل معهم الأحاديث من باب التطفل أو بهدف من الطرف الآخر للوصول لهدف دنيء، وبالتالي يجد الابن نفسه غارقاً في مستنقع يصعب خروجه منه.
وكشف عن بعض صور المشكلات التي حدثت، حيث وقعت بعض الحالات كضحايا للتحرش الإلكتروني، وتعرض ضحاياها للابتزاز والتهديد والاستغلال.

وأضاف: من ذلك، جرائم تقنية المعلومات مثل نشر أفلام إباحية للأطفال من قبل أشخاص بالغين والذين تم رصدهم عن طريق جهات الاختصاص.
كما لفت إلى المخدرات الرقمية وانتشارها بين طلبة المدارس وفضول المراهقين في تجربتها وهي تؤثر سلباً على شخصية الابن وسلوكه.
ولفت إلى ضرورة عمل حملات توعوية تقوم بها دائرة القضاء، تستهدف فئة الأحداث وبالذات طلاب المدارس، حيث تبنت دائرة القضاء العام الماضي في إطار استراتيجيتها في نشر الثقافة القانونية في المجتمع من خلال مبادرة «2015 عام الثقافة القانونية للطفل» التي ركزت وبشكل كبير من خلال فعالياتها المختلفة على التوعية بالجرائم الإلكترونية، وتزويد الأطفال والمراهقين بالوعي اللازم لتجنيبهم الوقوع في هذه الجرائم كضحايا أو متهمين.
وقال: «دور الأسرة يتمثل في التوعية والتحذير والمراقبة، والحرص على التزود والتعلم بكل إصدار جديد في ثورة المعلومات والإنترنت حتى يتمكنوا من متابعة أبنائهم».
وأضاف أن دور الأسرة يتمثل في محاولة تقليل استخدام الأبناء لهذه التقنيات وإشراكهم في أنشطة خارجية بعيدة عن هذه الأمور وعلى الوالدين أن يبدأوا بأنفسهم بالتقليل من قضاء وقتهم على هذه الأجهزة واستغلال الوقت في الجلوس مع الأبناء والحوار معهم وممارسة أنشطة بدنية، عقلية، مسابقات، التنزه وغيرها .
وشدد على دور الإعلام في بث معلومات ورسائل توعوية وتحذيرية تحارب الإرهاب وغيره من المشكلات، وتوعيتهم بالمسؤولية القانونية وبالعقوبات التي قد تصدر بحق من يقوم بها.
كما أشار إلى أن دور التربية والتعليم، يتمثل في مناهج التربية الإسلامية والتربية الوطنية والدعوة إلى الاعتدال والوسطية.
وعن دور القضاء، قال: إنه يتمثل في إيقاع العقوبات وفق أحكام القانون بحق كل من يقوم بارتكاب هذه الأفعال وكذلك دور القضاء في المساهمة في حملات توعوية بهذا الشأن، كما أنه يقوم برصد الأسباب والإحصائيات ويقدم المقترحات المناسبة لاحتواء الظاهرة، وكذلك دور القضاء في المساهمة بحملات توعوية.

الإرشاد والنصح
بين تلك المعطيات يبرز دور الأهل وهو مهم جداً في هذه القضية، ويجب أن يكون إرشاديا في بعض المراحل وعلى شكل نصائح، نتيجة ما تسببه هذه الألعاب من مضار على الناحية النفسية، والاجتماعية، يفيد ولي الأمر عمر سعيد العامري، ويعلق: «يجب أن تتحدث مع طفلك عن اللعبة التي يفضلها، وأن تشاركه اللعب في بعض الأحيان، كأنك صديقه، مع أهمية المراقبة والمتابعة والتوجيه إلى الألعاب المفيدة، حتى لا يقع الطفل تحت قبضة أصحاب النفوس العقيمة، السقيمة».

اقرأ أيضا

زكي نسيبة يستقبل سفير كوريا الجنوبية