الاتحاد

الملحق الثقافي

شاعرة بلا سلطـــــة

شاعرة جزائريّة، لها عدّة إصدارات وتعدّ من بين الأصوات النّسائيّة المتميّزة على السّاحة الأدبيّة في بلدها. عرفت زينب الأعوج منذ صدور ديوانها الأوّل: “يا أنت من منّا يكره الشّمس” كشاعرة سخّرت كلمتها لكلّ ما يصنع سعادة الإنسان وسط مجتمع عادل متوازن. ومجموعتها “أرفض أن يدجّن الطفل” التي نشرت بدمشق والجزائر أكّدت مسارها ذاك ورسّخته في ذاكرة قارئها.
ضمّنت زينب الأعوج ديوانها هذا رحلة ذاتها المتعبة بين المنافي الاختياريّة من باريس إلى لوس أنجلس، رحلة البحث عن النّفس الثّوري والتطلّع إلى الأفضل والحلم بالحب والسّلام.
ولأن زينب تضطرم شوقاً إلى الحرف فقد سالت بين السّطور مطرا سخيّا ولم تكتف بإصدار ديوان واحد فتبعته بثانٍ ناطق بلهجة قومها عنونته بـ”نوارة لهبيلة” ويتضمّن نصوصا نابعة من الرّوح الشّعبيّة، وهو لا يختلف عن “راقصة المعبد” إلا بأسلوب الكتابة، إذ اتّجه الأول إلى اللّهجة الجزائريّة المحلّيّة صراحة ومن دون تكلّف. بينما حاول الثّاني التملّص من قيود الدّارجة والانتماء إلى العربيّة الفصيحة لكنه لم يستطع التخلّص من شوائبها كليّا فحضرت مفردات دارجة بين السطور معلنة تشبّث الشاعرة بجذورها وبحثها عن السبل المؤدّية إلى لغة عربيّة صحيحة بسيطة تلبسها عطر الأنثى وتوهّجها بعيداً عن الإثارة والإغواء.
تتجلّى الأنثى في هذه القصيدة حالّة ضفائرها، فهي تحتوي الأشياء وتمتزج بالطبيعة، وهي أيضا تلك العروس التي تسير إلى حبيبها من دون وشي أو حليّ، حاملة بين جنبيها انفعالاتها البريئة ولا شيء غيرها.
تقول: “يا عاشقة الرّموز والغواية/ والمباهج تعالي فكي جدائلك/ فكّي الجداول و الخطوط”. نزعة أخرى تهزّ كيان الشاعرة وتحرّضها على التحدّي وعدم قبول واقعها الذي أملته عليها نواميس العشيرة وتقاليدها، هي المرأة المبدعة التي تعيش وسط مجتمع ذكوري لا يرى فيها غير جارية لا ترتفع أبدا إلى مستواه الفكري والبطوليّ.
تقول: “لا حياء في الدّين/ والرجال على النساء/ قوّامون إلى يوم القيامة/ (...)/ لحظة هيجانكم/ أطفئ بغبني/ بكبتي/ وسنيني العجاف/ المكويّة قهرا/ لحظة تأجّجكم”.
على الرغم من وعي أنثى القصيدة بمرارة واقعها وصعوبة إثبات شخصها ووجودها وسطه، استطاعت أن تكون الأقوى لا عن طريق الفظاظة والخشونة، سلاح الآخر ضدّها بل بما لديها من قهر وضعف، ذلك الكامن الذي سيتحوّل لحظة ارتطامه بأوّل شرارة حريقاً يلتهم العصيّ المتوعّدة المهدّدة.
من ناحية أخرى نجد الشاعرة تسعى مجتهدة إلى كسر السّلطة الأبويّة التي تجاوزتها المبدعات في بعض الأوطان المتفهّمة لحقوق المرأة ولم تزل قضيّة تشغل نصوص الكثيرات في أوطان أخرى تعاني المرأة داخلها من الغبن والقهر.
لكن هذه الأنثى حتّى وهي تصارع العصيّ والأغلال تدرك أنّها الأصل وهي المتميّزة عن الرجل لأنّها تساهم في وجوده من خلال الحمل والولادة وهي من أجمل الهبات الإلهية التي تميّز المرأة وترفع من شأنها في المجتمعات والشاعرة في هذا الديوان تؤكّد ذلك عندما تقول: “لا ذكر لا أنثى/ لا نطف بدون رغوة دمي/ وحرارة أرحام/ أفرش وهج جمرها عند كلّ العتبات”.
بدا واضحا هنا أن الشاعرة تحارب نوعا خاصا من القهر، ذلك الظّلم الصّادر عن الرجل الابن والزوج والأخ والأب الذي تنكّر إلى صدر توسّده وتغذّى منه.
تنقلت الشاعرة بين منافٍ اختياريّة ظاهريّا، لكنّها ضروريّة حين نلامس جوهر الأشياء. لأنّه لا يكفي أن نعيش وسط أوطاننا نعمل ونأكل ونشرب وننام، بل نحن في حاجة ماسّة إلى التّعبير عن ذاتنا والبحث عنها بين تعرّجات الحياة وخطوطها، والمبدعة لم تجد ذلك أو صعب في وقت ما لذلك هاجرت، باحثة عن وجودها وسط أصقاع أخرى لكن طيف الوطن ظلّ يلاحقها ويبرز لها في ملامحه المختلطة.
تقول: “رحل المكان/ من المكان/ لا ماء/ لا حشيش/ لا نوّار”.
رحلت الشاعرة عن المكان، وجعلته هو يرحل، وهذا يعكس ما ذهبنا إليه سالفا وهو رحيل الوطن فيها هي المبدعة، التي هرّبته خارج أغلاله وقيوده لتشكّله على هواها وحسب رغبتها وسط الكلمات. نلاحظ أيضا أنّ الشاعرة ترهق نفسها بحثا عن الأمل والبهجة لكنّ مرايا حزنها كثيفة حدّ التجمّد، لذا عكست أجواء الحزن واليأس والموت.
تقول: “هذا الواقف على الجمر/ عمّد حرقتك/ بالرّماد السّاخن/ قبل أن ينبت الخوف/ على شفتيك”.
تركن الشاعرة إلى ذاكرتها هروبا من الرّاهن، مفتّشة داخلها عن حلم قديم عن عشبة لها رائحة موطنها، عن باب يفضي إلى أمها، إلى أهلها، من اشتاقت لهم وهي تتأمّل وجوها لا تشبههم.
تقول: “تقبّل التّربة/ ورائحة الحجر”.
اختارت الشاعرة لصياغة جملتها وسط هذا الديوان قاموسا نائحا شاكيا، وكأنّها خنساء أخرى تبكي رجلا لآخر، فإن كانت الأولى مجّدت خصال صخر، فهذه تبكي حالها وتعدّد مآثرها، باحثة عن كلمة تهزّ كبرياء الرّجل المتعجرف وتسقطه تحت قدميها.
تقول: “كلّ المراثي/ والدّمع عصيّ/ أرتّب الأسماء/ بتواريخها”.
تنثر الشاعرة كلماتها مثلما ينثر الفلاح الحبّ، فهي لا تنطلق من موضوع بعينه بل تترك المفردات ترسم مصيرها، كلّ كلمة تعبّر عن ذاتها من دون الحاجة إلى غيرها، وكأنّها خارج القصيدة. وهذا لم يخدم النصّ بل جعله يفقد وحدته وينفرط وسط خليط من المفردات المفضية إلى الفراغ. من ناحية أخرى بدت الصّور ضبابيّة منكسرة يصعب إدراك محتواها بسبب الانفراط أيضا. إضافة لهذا اختارت الشاعرة قاموسا لا يتماشى وأسلوبها الثّوريّ، الرّافض وهو أقرب إلى الاستكانة والهزيمة منه إلى الرّفض والتحدّي، فكلمات مثل: “غصّة، نواح، مراثي...الخ” لا يمكنها أن تقود إلا إلى الضّعف والانكسار، قد يكون هذا نتيجة تأثّرها بموروث مجتمعها، وميلها إلى اللّهجة الدّارجة يؤكّد ذلك، خصوصا عندما تخلط بين العربيّة الصحيحة ولهجة قومها من دون أن ترى في الأمر تعدّيا على مقاييس الكتابة العربيّة

اقرأ أيضا