الاتحاد

الملحق الثقافي

واقعية رثة تشرّح بنية متحللة

ظاهرياً، تبدو رواية جمال ناجي الجديدة “عندما تشيخ الذئاب” رواية شخوص وحسب، أو مجرد شخوص يتصارعون في ما بينهم. لكنها، في العمق، رواية هذه الشخوص بقوتها وضعفها، وكل من خلال موقعه في المجتمع، خصوصا أن مصائر الجميع مأسوية تنطوي على قدر من التراجيديا، تحديداً في ما يتعلق بـ”الذئب” الأكبر (الشيخ الجنزير)، فهي رواية المجتمع في لحظة انتقال شريحة من شرائحه من البؤس إلى “الذئبية”. ولئن كانت حوادث الرواية تجري في الأردن، وفي المكان الأردني بأسمائه الواردة فيها، ففي الإمكان تعميمها على غير بلد من العالم (العربي خصوصاً). وهنا إضاءات على جوانب من الرواية، ولا أقول قراءة نقدية لها.
أبدأ بشخوص الرواية وهي صنفان: الأول هو الفاعل القوي المؤثر والمولد للحدث والحياة، وهم سندس وعزمي والشيخ الجنزير، والثاني شخوص مفعول بها وضعيفة متأثرة وخانعة الخ.. سندس هي أول شخوص الرواية من خلال حضورها شاهدة أولى على رأس الفصل الأول، وعزمي هو الاسم الأول الذي تنطق به، والشيخ الجنزير هو الاسم الثاني الذي تذكره. وهي بذلك ستقف بين عزمي والجنزير، وتقوم باستفزاز مشاعر كل منهما وغرائزه الحيوانية تجاهها والعدوانية تجاه الآخر، بعد أن يخضعا لأنوثتها التي تفيض فتحرق كل من يقترب منها.
الشخصية الثانية التي تتحدث في الرواية هي الشيخ الجنزير (دلالات القيود التي يملكها في عز ذئبيته، ويفقدها بالتدريج في مواجهته مع عزمي)، فالاسم الأول الذي يذكره في شهادته هو اسم عزمي أيضا. فمنذ تعرفه إليه قربه منه وحاول الهيمنة عليه. لكن عزمي سيكتشف بعض ما يجري في عالم الشيخ فيبتعد بحذر، ويكون لنفسه عالما لا يقل عن عالم الشيخ قوة وأهمية.
بهذه الشخوص الثلاثة الفاعلة وعدد من الشخوص “المفعول بها” يبني جمال ناجي روايته، مستخدما تقنية “الأصوات” التي يسيطر على بنائها وتفعيلها وتطويرها نحو نهايتها. فلكل من هذه الشخوص صوته في الرواية، إلا عزمي وحده لا يمتلك صوته الخاص به، بل يأتينا عبر الأصوات الأخرى، فهو المحور الذي لن يعرف مصيره على الرغم من انتهائه مطاردا من قوى الأمن (مع شعوره بوجود من يحميه أيضا)، وظهوره للشيخ الجنزير في أثناء أدائه فريضة الحج، أو يهيأ للشيخ ذلك، ما يعني استمراره ضمن ذلك القدر من الغموض حتى النهاية.
الجملة الأولى على لسان سندس في مطلع الرواية هي “عزمي الوجيه أذلني ثلاث مرات”، وهي جملة مركزية في ما سيجري لها ولمن حولها عموما، بدءا من مرارة فشل زواجها من شخص يخضع لرغبة والده في التخلي عنها، مرورا بزواجها من رباح الوجيه (والد عزمي؟؟)، ومحاولاتها إغواء عزمي، ورفضه لها، ثم طلاقها من والده كي تحصل عليه هو الرجل الوحيد الذي تمكن من الهيمنة عليها من دون زواج، وعودتها للزواج بخطيبها الأول وفرض هيمنتها عليه قبل أن يتوفى فجأة، ومحاولات الشيخ الزواج بها من دون جدوى، دليل انتصار عزمي عليه.
الرواية تقدم الجنزير (أو الخنزير) بوصفه الشيخ “المشعوذ” الذي يشفي من الأمراض ويساعد النساء على “الحمل” (هل ساعد زوجة رباح الوجيه ـ الذي سيظهر أنه عقيم ولا ينجب ـ في أن تحمل بعزمي)، وفي موازاته تقدم عزمي الشاب الذكي الطامح الذي يقترب من الشيخ وينضم إلى حلقته التعليمية ويتفوق على أفرادها. وفي الأثناء نتعرف إلى واحد من أفقر أحياء عمان وأشدها بؤسا (جبل الجوفة)، ثم الجهل والتخلف الاجتماعي، وأسبابهما والنتائج التي يفضيان إليها.
تتداخل الشخصيات وتترابط في علاقات يغلب عليها التصارع والتنافس غير الأخلاقي، ويعمل الروائي من خلال رؤيته الخاصة على تشكيل الخطاب العام للرواية من خلال الخطاب الخاص لكل شخصية، ويستطيع من خلال اعترافات شخوصه وبوحهم أن يقدم تشريحا لما تنطوي عليه البلاد من فساد سياسي واقتصادي وديني واجتماعي، والدين هنا ليس سوى ما يجسده الشيخ الجنزير المشعوذ الذي سيتكشف عن قدر كبير من الفساد في أخلاقه من حيث نهبه أموال التبرعات الخيرية وعلاقاته مع رجالات السلطة السياسية، ومحاولاته للنيل من عزمي حين يبدأ هذا بالخروج من تحت عباءته ليبدأ استقلالا ماليا لا يرضي الشيخ.
الخطوط العامة للرواية، وهي خطوط الصراعات الكبرى بين شخوص شائهة عموما، لا تغني عن التفاصيل الصغيرة الكثيرة التي يبني منها الروائي شخوصه، تفاصيل تبدأ من حياة البؤس في الأحياء الفقيرة، وتأثيرها على بناء الجوانب النفسية والاجتماعية لكل من شخوصه وتوجهاتها وسلوكياتها وأخلاقياتها، والانتقال إلى عالم الثراء الفاحش في أحياء جديدة تعبر عن النقلة التي جرت في المجتمع، بوسائل وأساليب عدة، يتقن المؤلف حبكها بصورة مُقْنعة.
توظيف البناء المتين للشخوص (شخوص من لحم ودم) للكشف عن بنية ينخرها الفساد وتغول السلطة وأجهزتها، والانتقال السلس والبسيط للشخوص من موقع إلى آخر، يتم ضمن آليات سردية يستخدم فيها المؤلف إمكاناته الثقافية وتجربته الحياتية وثروته اللغوية على المستويين الفصيح والشعبي (العامي الذي يفيد من الثقافة الشعبية وحكمتها)، ذلك كله يقدم لنا عالما روائيا جديدا من حيث جرأته في تشريح البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وجديدا في استخدام التقطيع والانتقال بين الشخوص وإقامة التداخل بين عوالمها.
الجنس الذي يحضر في الرواية من خلال شخصية سندس، ليس هو السلوك الجنسي في حد ذاته، إذ ليس في الرواية كلمة تحيل إلى الأدب الجنسي المكشوف، بل هو تلك النظرة المتخلفة والذكورية إلى الجنس من جهة، وهو أيضا الحضور المهجوس به للجنس بوصفه وسيلة للكشف عما يخفيه المجتمع وأفراده من مكبوتات تشكل الدوافع الأساسية للكثير من السلوكيات الاجتماعية وما يرتبط بها من طموحات الأفراد وشهواتهم للمال والسلطة.
هذه ملامح من رواية تنطوي على الكثير من التفاصيل التي بنى الروائي شخوص روايته منها، مما يصعب اختزاله، ولهذا أتوقف أخيرا عند جبران (خال عزمي)، فهو يمثل شخصية المناضل اليساري في تحوله نحو السلطة، في سياق التحولات/ التشوهات التي أصابت المجتمع. ومشكلة جبران أنه تخلى عن يساريته فوجد نفسه خاضعا لمن حوله عبر الانتقال إلى الشريحة الصاعدة، ثم اقترابه من مراكز القرار لتحقيق حلمه بالوزارة، واستعداده لدفع أي ثمن، إلى حد الإذلال والظهور في النهاية كمهرج يستحق الشفقة. وقد أبدع جمال في “تشكيله” والسخرية منه، كما أبدع في إبراز مقدار التشوه والواقعية الرثة في كل شخصية من شخصيات روايته.

اقرأ أيضا