الاتحاد

الملحق الثقافي

الحداثة.. أيّ ورطة معرفية عويصة هذه؟

حتى لو اقتصر أمرها على الفنون التشكيلية بأنواعها، فإن قضية الحداثة وما بعدها، عربياً، تبقى أمراً عويصاً على المستوى النظري، وتستدعي قَدْراً عالياً من ذلك النوع من التأمل الذي يمارسه أهل الاختصاص في الأمكنة العالية. ففي هذه المسألة المعرفية الإشكالية، لا يمكن البقاء في غابة الفنون هذه التي تمتد على مساحة لأكثر من مئة عام؛ لذلك لا بد من الخروج إلى الجبل لرؤية الغابة كلها ومعرفة مداخلها ومخارجها.


هكذا بدا الأمر خلال الندوة “الحداثة في الفنون العربية”، التي أقامها المركز العربي للفنون ـ إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة على هامش جائزته المتفردة عربياً “جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي”، التي عقدت مؤخراً على مدى ثلاثة أيام بدءاً من الثامن والعشرين ولغاية الثلاثين من الشهر الماضي بمشاركة عشرة باحثين عرب.
ولعل أوّل ما يلفت الانتباه في جملة الأوراق التي جرى تقديمها عبر ست جلسات هو ذلك الحضور العنيد وذو السطوة لارتباط الحداثة العربية وما بعدها بالغرب إجمالاً، وعلى وجه التحديد كل من بريطانيا وفرنسا وكأنهما قدَر لا فكاك منه.
في ورقته التأسيسية، نظرياً، للندوة يشير الباحث والناقد موليم العروسي إلى أن مناهضة اللوحة الاستشراقية التي منحت العرب فكرة اللوحة المسندية وأخرجت الفن في المنطقة العربية إلى حداثته اللوحة ذات النزعة للحفاظ على الهوية العربية في المطبّ الاستشراقي ذاته، أي أن نقل الواقع إلى اللوحة لم يُفضِ في آخر الأمر سوى إلى مأزق التساؤل حول الفن ودوره دون تساؤل حول موقف الفنان من المعرفة ومن العالم ومما يدور حوله.
والأرجح، أن هذه الإشكالية، أي إشكالية الحداثة وما بعد الحداثة العربية في الفنون التشكيلية، ربما تكون بلا حلّ على مستوى الثقافة العربية راهناً وما يجري إنتاجه من أفكار حولها، دون حلّ لمعضلة هذا الحضور ثقيل الوطأة للغرب الاستشراقي منذ بدأت الذات العربية تتحسس ذاتها مطالع القرن التاسع عشر.
يطرح الناقد العروسي فكرته الجوهرية في الورقة على أساس أنه لا بدّ من إعادة تفكيك تاريخ اللوحة في سيرورتها العربية، والذي هو تاريخ فسيفسائي من فرط ما أنه متشظٍ، وإعادة إنتاج طرح آخر لاستيعاب ما هي عليه “حداثة” الفن التشكيلي العربي، وبالتالي ما بعد الحداثة فيه، هو الذي تختلف أسئلته وتتنوع بتنوع واختلاف الفنانين أنفسهم بل واختلافهم عن أنفسهم بين مرحلة وأخرى بأثر كبير من التجاذب العميق بين المعطيات الاجتماعية والسياسية من جهة وأثر التجارب التشكيلية الأوربية والأكاديميات الفنية الأوروبية على الفنان العربي مضافا إليها ثقافة الشخص وتجربته الإنسانية.
ترى، هل تجد هذه الأسئلة صدى آخر لها في ما قدمه الناقد والفنان طلال معلا، في ذلك الذي يكاد يكون غامضاً، لقابليته للعديد من التأويلات والاحتمالات، ويقوله في السطر الأول من ورقته (الحداثة والتغيير ـ الحقيقة والتحدي)؟. يقول معلا: “تشكل الحداثة بوابة للاختلاف حول التحديات التي طالت التفكير التشكيلي في المحترفات العربية، إلى حدّ اعتبارها نافذة على الانقلاب والجنون لكونها تمضي بشدة باتجاه غير المتصوَّر، داعية للتحرر مرة والتقيد مرة”.
يحسب المرء أن ما يصل قول العروسي بقول معلا على نحو وثيق هو الحاجة إلى الرجّة العنيفة التي تُحدثها تلك الانقلابات المدوية في الفكر والوعي الجمعيين، وبالتالي ما هو فردي بالنسبة لهما، لتتخلق إمكانية حقيقية للوعي بالذات في مرآة ذاتها.
غير أن ما يقوله الشاعر والباحث في جماليات الفن الإسلامي شاكر لعيبي يجرح الوعي بأمر الحداثة وما بعدها لقوة صراحته وما فيه من حيادية أكاديمية خالصة: “ما زال مفهوم الحداثة، بإطاره العريض، موضعاً عربياً للمساءلة، بل الالتباس القادم من تداخل واختلاط فكر (التحديث modernisation) التقنيّ، وأحياناً الشكلانيّ، بسياق ومرجعيات (الحداثة modernité)، مصطلحان يتناوبان الأدوار في الاستخدام النقديّ العربيّ ويثيران جملة من الإشكاليات الفرعية، خاصة عندما يعتبر دخول التقنيات الجديدة رديفاً للحداثة، أي من دون الأساس السياقيّ والمفهوميّ والتاريخيّ للمفهوم. لن يختلف اثنان على أن هذا السياق أوربيّ بالدرجة الأولى، الأمر الذي يضيف المزيد من المشكلات”.
هكذا تصبح الإشكالية ليست خاصة بالحداثة وحدها بل بتداخل الأنساق والسياقات التي تمّ فيها إنتاج معرفة ما حول الذات بعيداً عن حضور الآخر، لكنّ هذه المعرفة الآن أكثر قصوراً من أن تثير أسئلة حول واقع راهن فكيف هو الأمر إنْ طُلِبَ منها أنْ تحلّ إشكالية معرفية من النوع العويص، كما هي مسألة الحداثة وما بعدها، على الأقل، في الفنون التشكيلية العربية؟.
بالتأكيد، ليس مطلوباً من هذه الندوة أنْ تعطي جواباً قاطعاً عن أسئلة شائكة إلى هذا الحدّ، لكنها على الأقل أثارت السؤال من جديد.
وبالتأكيد، فإن الأوراق الأخرى التي قُدِّمت في الندوة لها أهميتها الخاصة، غير أنها تندرج في إطار الحقل النقدي التطبيقي لعدد من التجارب المحلية والعربية التي ساءلت الحداثة وما بعدها ولامست هذه الإشكالية في الصميم.
غير أن ما ينبغي ذكره هو تلك الكتب الخمسة التي أصدرتها الأمانة العامة للجائزة، وهي: تحولات الراهن ـ مستقبل النقد الفني العربي في ظل انفتاح الأنساق الفكرية الإنسانية، وهو عبارة عن مجموع الأبحاث التي شاركت في ندوة تخصصية تحت العنوان نفسه في مارس من عام 2008، وشاكر حسن آل سعيد ـ الحقيقة في الفن لنزار شقرون، والريادة الفرنسية في تونس ـ توطين العمود الأكاديمي لمحمد بن حمودة، وفكرة الريادة بين ثوابت التاريخ وتقلبات الفضاء البصري العربي لياسر المنجي، وهي الأبحاث الفائزة بالجوائز الثلاث الأولى على التوالي لدورتها الأولى، ومن ثم ذالك البحث الذي نال جائزة لجنة التحكيم: العتبة والأفق ـ تجربة الانفتاح في الفن العربي المعاصر لفريد الزاهي.
جائزة التواصل بين الفنان والناقد



تأتي أهمية جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي من جهة أنها الجائزة الوحيدة على المستوى العربي التي تولي البحث الفني والبصري مكانته وتبرز الجهود المبذولة فيه من قبل الكتاب والنقاد والأكاديميين، وتحاول أن تعلي من شأن النقد باعتباره موازياً إبداعياً للعملية الفنية. وهي إذ تعمل على جمع الجهود المختلفة، فإنما ترمي لمتابعة الأفكار المميزة وتحفيز البحث النقدي التخصصي في مجالات الفنون التشكيلية والبصرية بأنواعها المعهودة ودور المبدعين والحركات والاتجاهات وتوثيقها، كما ترمي لإيجاد لغة مشتركة بين النقاد من جهة وبينهم وبين القارئ المهتم والتأسيس لإنتاج الثقافة الفنية والبصرية وتسجيلها. ولهذا، فإن أمانة الجائزة ستسعى لتحقيق خطتها الإعلامية والوصول إلى مختلف الجهات والهيئات والمؤسسات والأكاديميات والأفراد بما يحقق استقطاباً مميزاً للمشاركات في هذه الدورة والدورات القادمة عبر مختلف وجهات النظر التي تعتمدها البحوث، إذ تتعدد مجالات البحث الفني بتعدد العلوم الإنسانية المتصلة بعلم نفس الفن، وعلم اجتماع الفن وانتربولوجيا الفن وتاريخ الفن، وكذلك البحوث التأملية كعلم الجمال وفلسفة الفن والنقد الفني، وعلى المشاركين ابتكار أدواتهم لتحقيق الهدف المنشود من موضوع أي من دوراتها (الهوية في الفنون التشكيلية العربية) هو عنوان دورتها الثالثة (التي يعلن عن الفائزين بها في ديسمبر المقبل).
وتهدف الجائزة إلى التواصل مع الباحثين ونقاد الفن التشكيلي العربي والتعريف بأعمال الكتاب والنقاد التشكيليين العرب وتوسيع دائرة الاهتمام بالتجارب التشكيلية العربية، كما تهدف إلى توثيق الحركة التشكيلية العربية عبر اشتغالات نقادها وتشجيع المواهب النقدية الشابة والتعريف بها ورصد حركة النقد التشكيلي في المحترفات العربية وبناء الصلة بين المجتمع وفنونه عبر اللغة النقدية.

اقرأ أيضا