الاتحاد

الملحق الثقافي

قصة حقل أبو البخوش

كثيرة هي الأحداث التي مرت بدولة الإمارات العربية المتحدة وكنت محظوظا بمواكبتها إعلامياً من خلال برنامجي “الذهب الأسود”.
ولن أتناول في هذه السلسلة تلك الأحداث كمؤرخ أو موثق، بل سأتناولها من جوانب أخرى قد تكون أكثر التصاقا باهتمام المواطن الذي يريد أن يعرف طبيعة تسيير الأمور في ذلك الزمن الذي عشت فيه وأحاول نقله إلى عقل وقلب القارئ.
عرفت منذ البداية أن هناك شركتين رئيسيتين للنفط في أبوظبي، واحدة في المناطق البرية والأخرى في المناطق البحرية. وأصبت بالدهشة عندما قرأت شروط الاتفاقيات الأولى الموقعة مع حاكم أبوظبي السابق الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان رحمه الله.



فاتفاقية شركة نفط أبوظبي البرية تشمل جميع الأراضي التابعة للإمارة واتفاقية شركة نفط أبوظبي البحرية أدما تشمل جميع المياه الإقليمية التابعة لأبوظبي.

قبل

بكلمة أخرى، لا مجال للشركات الأخرى أن تدخل لا إلى البر ولا إلى البحر.
ولعل هذا الشرط المجحف هو أول عقبة واجهت الإدارة الوطنية للبترول والتي قادها المغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد وولي عهده الأمين صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وتسلم زمام المسؤولية الإدارية فيها معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة أول مواطن مسؤول عن النفط في الإمارة.
وأمام الإلحاح الذي قامت به الإدارة الوطنية للبترول والضغط الذي مارسته على الشركتين للتخلي عن بعض المناطق ليمكن منحها لشركات أخرى، فقد تحقق بالفعل التخلي عن العديد من المناطق ودخل إلى الصناعة البترولية الكثير من الشركات والتي نجح عدد كثير منها في اكتشاف النفط في بعض تلك المناطق المتخلى عنها.
من هذه الشركات نذكر اليوم شركة توتال أبو البخوش، وهذه الشركة متفرعة عن شركة توتال الفرنسية، وكان لها حصة في الشركة تصل إلى 51 % ومعها شركة أميراداهيس كوربوريشن بنسبة 12.25 % وشركة سننجديل أويلز بنسبة 12.25 % وشركة نيبكو ايسترن بنسبة 24.5 %.
حصلت هذه الشركة على امتياز للنفط في المناطق البحرية وفي حقل أبو البخوش والذي كان جزءا من امتياز شركة أدما.
لم تكن شركة أدما تجهل وجود النفط في ذلك الحقل، بل على ما يبدو كانت متأكدة من ذلك ولكنها كانت تتجه بعد معرفتها لخطة الإدارة الوطنية بتطبيق مبدأ المشاركة مع الشركات إلى عدم المغامرة والقيام باستثمارات جديدة.
ورغم مطالبة الإدارة الوطنية لها من خلال دائرة بترول أبوظبي التي يرأسها الدكتور العتيبة بالحفر والإنتاج من ذلك الحقل إلا أنها كانت دائما تتقاعس عن ذلك وتتجاهل المطالبة إلى أن طلب منها رسمياً التخلي عن الحقل لإعطائه لمن يستطيع أن يستغله.
وهكذا في عام 1973 تم نقل هذا الحقل والمناطق القريبة منه إلى هذه الشركة الجديدة (شركة توتال أبو البخوش) والتي طلب منها القيام بتطوير ذلك الحقل بأقصى سرعة ممكنة.
وبالفعل ما هو إلا عام واحد يمر حتى تمكنت الشركة من تطوير الحقل والذي تبلغ طاقته الإنتاجية حوالي مائة ألف برميل يوميا.
بدأ الحقل إنتاجه في 23 يوليو 1974.

..وبعد
في ذلك اليوم قمت بتغطية حفل افتتاح الإنتاج من ذلك الحقل الجديد، ووصلنا إلى موقع الاحتفال الذي أقيم على بارجة في موقع الإنتاج في البحر ووصلنا إلى هناك على طائرات هليوكبتر.
حرص يومها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان على حضور ذلك الحفل مع عدد كبير من الوزراء والمسؤولين والعاملين لدى الشركة والدائرة والوزارة.
وكان سموه في ذلك الزمن ولياً للعهد ورئيساً للمجلس التنفيذي ورئيساً لدائرتي الدفاع والمالية، أنقل ذلك بالطبع من التسجيل الذي ما زلت أحتفظ به لذلك الحفل حيث ألقى معالي الدكتور مانع العتيبة كلمة ارتجالية أصغيت إليها بعد أكثر من خمسة وثلاثين سنة لأجده يركز على النقاط التالية:
1 ـ نوه بالفترة الوجيزة التي تعد قياسية (سنة واحدة) تم خلالها تطوير الحقل ووضعه في الإنتاج. وواضح أنه بهذا التنويه كان ينتقد تقاعس شركة أدما التي كانت تؤجل دائما أعمال تطوير ذلك الحقل.
2 ـ وضح السياسة البترولية التي تنتهجها الإدارة الوطنية للنفط في أبوظبي بدعم من القائد وولي عهده الأمين صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وأقتطف هنا فقرة أنقلها حرفيا لخطابه: “تقوم هذه السياسة على تسخير ثروة النفط لبناء اقتصاد الإمارات من جهة ودعم الإخوة العرب في جميع الجبهات وخاصة جبهة فلسطين”.
وقد أشار الدكتور مانع بوقفة الشيخ زايد رحمه الله في العام الماضي 1973 والذي أطلق الطلقة الأولى من سلاح البترول، وسخره لخدمة معركة العرب في سيناء والجولان.
3 ـ أشار الدكتور مانع إلى قرارات مؤتمر الأوبك الذي دعا إليه وعقد في أبوظبي ومنها:
أ ـ استعادة جميع الأرباح التي كانت تذهب إلى الشركات.
ب ـ إقرار الشركات أن الدول المنتجة ومنها الإمارات تسيطر على الصناعة البترولية بنسبة 100 % ويمكن الوصول إلى ذلك خلال أسابيع.
ج ـ ترحيب بالحوار بين الدول المستهلكة والمنتجة للبترول الذي اقترحته فرنسا وضرورة مشاركة الدول النامية غير المنتجة للبترول في هذا الحوار.
من هذا الاستعراض ندرك أهمية الدور الذي قامت به الإدارة الوطنية في ذلك الزمن للسيطرة على الصناعة البترولية وكيف تم فرض التخلي عن هذه المنطقة ومناطق أخرى كثيرة في البر والبحر من احتكار شركتين اثنتين فقط.
كان حقل أبو البخوش منطقة غنية بالنفط ولا تقوم شركة أدما بأي عمل استثماري لتطويره والاستفادة منه.
ما زالت شركة توتال أبو البخوش موجودة في أبوظبي، وما زالت تقوم بأعمال التطوير التي تشمل الحفر وتمديد الأنابيب وعمل محطات فصل الغاز المصاحب عن النفط الخام. وتطورت المساهمات في الشركة وأصبحت شركة توتال الفرنسية تملك 75% من أسهم الشركة بينما أميراداهسيس تمتلك 25 %. ويغطي امتيازها 115 كيلومترا مربعا وتبلغ مساحة الحقل ذاته 20 كيلومترا مربعا.
يبعد الحقل 180 كيلومترا عن مدينة أبوظبي وهو قريب من الحدود البحرية مع إيران. وحقل أبو البخوش يمثل في الواقع الجزء الجنوبي لتجمع بترولي كبير تفصله الحدود إلى قسمين، قسم تابع لأبوظبي وقسم تابع لإيران. وقد تعرض الحقل في 25 نوفمبر عام 1986 إبان الحرب العراقية ـ الإيرانية إلى غارة جوية مؤسفة سببت الضرر لمنشآته، مما دفع الشركة إلى بذل جهود كبيرة لإعادة الإنتاج وإيقاف تسرب النفط في الآبار وعاد الحقل إلى الإنتاج فعلا في يوليو 1987.
ولوجود الغاز المصاحب مع النفط الخام فقد كان الحل هو فصله وإعادة حقنه في المكامن إلى أن تم الاتفاق مع شركة أدنوك لإنتاج الغاز لصالحها منذ عام 1996.
هذه هي قصة واحد من الحقول المنتجة في المياه الإقليمية لإمارة أبوظبي، حقل أبو البخوش، وكان لي شرف مواكبتها ومتابعة أحداثها مع الإدارة الوطنية للنفط في إمارة أبوظبي.
ولا شك أن هذا الحقل كان ولا يزال أحد جسور التعاون مع الدولة الصديقة للإمارات والعرب فرنسا.
صحيح أن منشآت الحقل لا تقوم على البر مثل بقية الحقول البحرية التي أنشئت قواعدها على جزر مثل داس وزركوه وأرزنه وغيرها، ولكن الاستخدام المبدع للمنصات ومراكز الإنتاج جعل هناك قواعد حديدية تقوم في قلب البحر وقادرة على تحدي الأمواج والعواصف

اقرأ أيضا