الاتحاد

الملحق الثقافي

إبراهيم الحميد يحكي قصة بادية الفرات السورية .. ووجوه أسطورية وديعة

في معرضه الفردي الحادي والعشرين الذي أقيم في صالة السيد بدمشق، يعلي الفنان التشكيلي إبراهيم حميد راية (التراب)، فيسمي معرضه بهذا الاسم، حيث قدم ثلاثين لوحة تراوحت أحجامها بين المتوسط والكبير. وانقسمت بعض اللوحات إلى لوحتين أو ثلاث، رغم أن كل واحدة منها تشكل منفردة لوحة لوحدها، وتقدم لوحة جديدة كلياً إذا اجتمعت.
يبدو إبراهيم في معرضه مشغولاً بفكرتين: الأولى أن التراب هو أصلنا جميعاً، وهو أمنا الطبيعية. أما الثانية فتتمثل في أن المرأة هي جوهر الإنسان وأمه الشرعية. لذا تتجاور مع التراب في معظم لوحاته على بساط من الأسطورة الفراتية خصوصاً والسورية عموماً. لينهمك في هاتين الفكرتين: الأم أصل الحياة، والإنسان خلق من تراب وإلى التراب يعود. وتوشك الفكرتان أن تتحدا بفكرة واحدة، فكأن الأم والتراب ذات واحدة. فالتراب هو أمه الطبيعية الحنونة الوادعة، وأمه الشرعية أكثر وداعة!. وعلى أرضية هذه الفكرة الواحدة ينسج إبراهيم أسطورته، ويذهب بعيداً في رموزها من خلال استحضار الماضي في لوحاته الثلاثين التي جاءت بلون التراب والرمل والبرتقال، حيث تشاهد وجه الأم في تجليات عديدة، ما بين الحزن والوداعة والحنو، وما بين الأمل والانتظار والحلم، فكأنه يحلم بين تدرجات ألوانه مستحضراً الماضي وذاهباً إلى المستقبل.

لكن المرأة في لوحاته لا تتجسد في صورة الأم القديسة وحسب، فالمرأة عنده أيضاً هي الغواية والفتنة والملل والحب والكره والفرح والحزن، وهي كل الألوان والخطوط التي يرسمها في اللوحة.
يصنف إبراهيم حميد نفسه كابن لبيئة منطقة الفرات السورية وحضاراتها المتلاحقة عبر العصور، لهذا فإن مفرداته التشكيلية تعبر عن تلك المنطقة ورموزها وموروثها البيئي والثقافي، وفي حوار معه قال لي: أكثر أعمالي الفنية التي رسمتها تخص ذلك المكان (الفرات)، حيث ولدت وتعلمت ولعبت.
ويكاد يجمع النقاد السوريون في غالبيتهم أن إبراهيم فنان ملتزم ببيئة الفرات التراثية، وقد جعل منها لوحات فسيفساء يكررها مع تطور تجربته التي تزداد غنى مع كل معرض جديد له.
كما يشير نقاد آخرون إلى أن فناننا عندما يرسم تراث (الفرات) فإنه يبدعه في صورة وجوه تعبّر عن نبض الحياة متجلية في زرقة ماء الفرات، وخضرة الواحات واللون الأصفر الذي يعبر عن رمال البادية. وهو لكونه ابن البادية والتراب والرمل يملك مخزوناً لونياً كبيراً يجعله يقدم إضافات هامة في تجربته المميزة.
لأن منطقة الفرات مرتع لحضارات متعاقبة، يمنح إبراهيم من ذاكرة الطفولة والشباب أشكالاً لحيوانات موجودة في المنطقة، وفي بلدته القريبة من آثار مدينة ماري التاريخية، ليشكل عالماً هو مزيج من الواقع الحالي والأسطورة المتوارثة، ضمن البيئة الفراتية وحكاياتها الشعبية. يقول: (إن كل الأساطير والملاحم والحكايات تتمحور حول الإنسان، لذا فقد رسمته على خلفيتها لأقرأ ذاتي). وحين حدثني عن أمه رأى أنها تحتضن رمّان (باخوس) وخبز (أوروك)، وحزن (آشور) وطيبة (جلجامش)، وكلها رموز أسطورية فراتية سورية. كما أن عشتار وتناقضاتها تحضر في أعمال إبراهيم لتختزل هذا الكون المتحول. ويضيف: أنا منتج من حضارة قديمة، ولا بد أن يظهر أمامي الأثر المخزون الذي نشأت عليه واكتسبته، ورغم إيضاحات إبراهيم وتفسيراته، فإن ما يقلق المشاهد ويثير أسئلة عميقة في داخله هي تلك العين التي تكاد تكون واحدة في معظم أعماله، سواء كانت في حالة دهشة أو حزن أو تأمل، حتى غدت العين في لوحة إبراهيم وكأنها (تميمة) أو سر أسطورة يخبئها، أو يجهل كنها، لكنها تطل كأنها سر، يبحث عن تفسير.
بعد ثلاثين عاماً من الإبداع، نضجت تجربة إبراهيم حميد أكثر فأكثر، وهو يمارس حريته في التعبير بعيداً عن الالتزام بأية مدرسة فنية بعينها. لأنه لا يصنف نفسه، لكنه في الوقت نفسه يقف عابراً للمدارس الفنية جميعاً، فهو ينطلق من واقعية ممزوجة بالأسطورة، ولا عجب إذا رأيناه أحياناً سريالياً أو رمزياً أو تجريدياً!.
وقد أخبرني أنه لم يصنف نفسه يوماً تعبيرياً أو انطباعياً أو كلاسيكياً، فهو يرسم ما يجول في خاطره، دون أن يشغل نفسه بالمدارس، لأن المدارس ظهرت ثم سميت كذلك.
أما اللون في تجربة إبراهيم، فهو محاولة لقراءة المبهم، وتعبير عن عوالم وانفعالات نفسية، لذا نراه مولعاً بالألوان المتوهجة النارية ـ الأصفر والبرتقالي والأحمر بكل مشتقاته ـ دون أن يغيب لون ماء الفرات الأزرق. وإذا كانت الألوان الحارة تعبر عن اندفاعة الحياة الدائمة، فإن الأزرق رمز هادئ وشفاف لأحزان الإنسان. يقول: اللون حاجة داخلية مرتبط بالظروف النفسية، لذا تراني منحازاً إلى اللون الأحمر الحار، لأن بيئتي الفراتية حارة، وكل سطوح التربة والصحراء تعكس أثر هذا اللون، وأنت تراه في ملابس الفلاحين، وتشاهده في داخلي.
وأنت تتجول في معرض إبراهيم حميد، وتشاهد التراب والأم، والتراث والأسطورة، تتوقف أمام لوحة (حدائق الأقصى) التي رسمها أيام العدوان على غزة، حيث يطل الشهداء من أسفل اللوحة، وتطل عيونهم ـ ذات العيون! ـ فيبدون كجذور تحت التراب تنبت أطفالاً، تصطف وجوههم منذ منتصف اللوحة وحتى أعلاها. وجوه فيها بسمات غامضة، وفيها أحزان وآلام، وفيها عيون تسأل. وأنت ذاتك تسأل: لماذا حشد إبراهيم وجوه الأطفال الباسمة والحزينة، فوق قامات الشهداء؟ لماذا برزت عيون الأطفال؟ ولماذا اختفت عيون أخرى؟

اقرأ أيضا