الاتحاد

الملحق الثقافي

محمد عبدالله بولحية يبعث الذاكرة الغاربة في المعرض الدائم لمقتنيات وزارة الثقافة في أبوظبي

حديث الوجوه في أعماله النحتية والتركيبية التي تعرض حالياً في المركز الثقافي ضمن المعرض الدائم لمقتنيات وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، يقدم لنا الفنان النحات محمد عبدالله بو لحية تجربة بحثية

ودراسة جمالية تستند إلى إمكانات البرونز وطاقاته التعبيرية، هذا المعدن الذي يحمل على ظهره ميراث آلاف السنين منذ تم اكتشاف قدرته على ترجمة أشواق البشر وآمالهم وحتى معتقداتهم الدينية والأخلاقية. وهي أعمال تملك أن تعرفنا على ملامح أشكاله النحتية المضمرة، أعني ملامحها الخفية أو دلالاتها أو ما ترمز إليه خارج وظيفتها التقليدية المعلنة.


تبدو هذه التجربة، على ما تظهره الأعمال، مدعومة بوعي جمالي يتقصى حمولات هذا المعدن التاريخية وانزياحاتها الدلالية على أكثر من مستوى، بحيث لا يسعى الفنان إلى نقل الظاهر المرئي بواقعية محضة. وباستثناء تمثال الصقر (عمل تدويني بدا نسخة طبق الأصل عن الصورة التي يظهر فيها في الواقع)، يسلك بو لحية سلوكاً تأويلياً اختزالياً يقدم للمتلقي أكثر من اقتراح جمالي، وذلك عبر تراكيب وتكوينات تناقض في أحجامها الواقع الملموس، مما يجعل من منتجه الابداعي محاولة لتطويع المعدن لبنية تشكيلية تبحث عن فضائها الخاص وتسعى لبناء عالمها وروحها المتميزة.
رغم ذلك لا يمكن القول إن أعمال الفنان تجريدية محضة أو واقعية بحتة، بل تراوح بين المشهد الواقعي والتجريدي، وتتموقع بينهما من دون أن تقطع “شعرة معاوية” مع الواقع الماثل في الحياة. إنها أعمال تتسلل ببطء في طريقها، تدرس خطواتها بعمق، بحيث لا تقترف خطيئة التغييب الكامل لمضمون العمل في أرض الواقع ولا ترتهن إليه بالكامل.

هندسة الخيال

يسعى الفنان في اشتغاله الفني إلى تحويل المفردات البسيطة والعادية إلى قيم فنية وبصرية (السفينة، الصقر، الوجوه، الحصان، المرأة). وتتميز أعمال بو لحية بكونها أعمال صغيرة من حيث الحجم، تقل أحجامها عن أحجامها الطبيعية في الواقع.. وإذا تذكرنا أن حجم العمل النحتي يتأثر بالغرض الوظيفي الذي يؤديه، جاز لنا أن نتساءل فيما إذا كان صغر أحجام المنحوتات يرمز إلى ضآلة حضورها في الواقع المعاصر.

إن الفنان هنا يهندس مشهده وفق صورة متخيلة في رأسه، وكل حركة يقوم بها هي سعي لإنجاز هذه الصورة، وهي غالباً صورة الفكرة المجردة التي لا تتقاطع مع الصورة القديمة إلا في إطارها العام فيما هي تصوغ حضورها المقتَرَح وفق إيقاع روح الفنان الإبداعية التي هضمتها وحولتها إلى مرموزات عقلية ومعطيات نفسيه تتمظهر في النهاية على هذا النحو. إنها صورة غائبة، متلاشية، لا يعرفها إلا الفنان نفسه، لكنها قبل غيابها أو انمحائها وهبت الفنان ما يمثلها فنياً وما يشاهده المتلقي أمام عينيه.

ولأن الخيال لا يتعب من توليد الصور، ولأن الصور المتخيلة لا محدودة ولانهائية في العادة، تأتي الأعمال الفنية متنوعة الدلالات والمضامين في صوغ الأفكار وإعادة صوغها مرة بعد مرة، حتى لو كانت الخامة واحدة كما في أعمال بو لحية. والخامة هنا هي البرونز أو الحديد الذي (رغم صلابته) يلين ويرقّ مثل عاشقة، أو يتثنى مثل نغم أو يتموسق مثل موجة. المعدن في منحوتة الوجوه يحمل الكثير من العذوبة الفكرية والإنشائية. هنا، ينشئ الفنان أعماله/ وجوهه على أجساد هشة... أجساد بالكاد تحمل وجوهها... وجوهها الواضحة الملامح والتعابير والتفاصيل بل والحادة في حضورها فيما الأجساد تتلاشى وتكاد تغيب تماماً... وفي عملية التغييب هذه تتحول بين يدي الفنان إلى مجرد قضيب طويل أو حامل كل وظيفته أن يحمل الوجه الذي فوقه.
كل وجه يخبرك حكاية ما، يسرد عليك تعبيراً، يقترح فكرة، يأخذك إلى منطقة وعي مختلفة عن تلك التي يأخذك إليها الأول. وجه يواجهك/ وجه يدير لك جانبه الأيمن/ وجه يدير لك جانبه الأيسر/ وجه يخفي عنك ملامحه. وجه بعينين دائريتين يحدق فيك/ وجه بعينين مثلثتين يسألك ويحرضك ويستفزك/ وجه بعينين مستطيلتين ما أن يقع عليه بصرك حتى تشعر بالعجز والاستكانة فيما يبدو هو مغلوباً على أمره/ وجه بعيون مربعة هي أقرب إلى السجن... والمشترك بين الوجوه كلها هو تلك الحلقة المعدنية التي تتدلى بجانب كل وجه وفيها مفتاح.. يفتح في عقلك بوابات الأسئلة ويفتح في قلبك مشاعر منسية وعتيقة.

“الوجوه” عمل فكري وفلسفي وجمالي مكتنز بالدلالات. إنه حديث ممتد ذو شجون عن تلك الأسئلة الكبرى التي غالباً ما يتعب الذهن حين يوغل فيها، وتثخن الروح حين تلج كهوفها الوعرة... نحن أمام أطروحة تؤشر على العلائق والوشائج المحتملة بين الواحد والمتعدد، بحيث يمكن قراءة كل عمل على حدة بوصفه طريقة تعبيرية مستقلة بنفسها، ثم قراءته عبر موقعه في المجموعة كلها للخروج بفكرة ثانية، وتتيح قراءته بالنظر إلى جيرانه الأقرب من الوجوه الخروج بفكرة ثالثة، وهكذا... مع اتساع العناصر الداخلة في المشهد المنظور إليه من قبل المتلقي تتغير الفكرة وتنضاف لها احتمالات مفاهيمية جديدة.

إن تعدد القراءات لكل وجه على حدة، وتعدد قراءات العمل كله (الذي يضم جماعة الوجوه) لا يبتعد كثيراً في ما يشي به عن الفكرة القائلة بضرورة تحرير النظرة من رتابتها، وتحرير العقل من النمطية التي تسيطر عليه في تذوق العمل الفني، على سبيل المثال، ويمكن أن ينسحب هذا على نواحٍ أخرى من الحياة بالطبع. وهنا بالضبط تكمن إضافة العمل الفني، حين يضيف إلى بصيرة المشاهد بصيرة جديدة، ويزجِّه في حالات انفعالية تستدعي الكثير من الأسئلة الباحثة عن إجابات لها في انحناءات المعدن وتوترات الوجوه واختلافها في الطول والهيئة.

.. وما يروي

يرغب الفنان في تقويل المعدن وجعله يروي ما يريده، بل ويتكئ على تاريخية حضوره ليحوله إلى وسيلة تعبيرية صريحة تصوغ الوعي من دون أن يتعمد تحميل العمل الفني أكثر مما يحتمل. كل ما يفعله أنه يطرح على المتلقي تساؤلاته في صياغات متعددة الدلالات تاركاً له أن يجد طريقه بين هذه الأسئلة.
رغم ذلك، لا تسير الأعمال كلها في السياق نفسه، بل تحكمها تباينات في التعامل مع فكرة العمل ومضموناته الفكرية أو محتواه الإنساني، فثمة أعمال تستنسخ الشكل في وجوده الواقعي (تمثال الصقر)، وثمة أعمال تجنح إلى التجريد والتحليق بعيداً عن الواقع العياني في رمزية تحول بعض مكونات العمل الأصلي إلى مرموزات تعرض عليك حمولاتها الفكرية الجديدة: حصان لم يبق منه سوى الشموخ تجسده حركة القدمين المرفوعتين في الهواء/ سفينة لا تملك من مفهومها الاعتيادي سوى الشكل العام الذي يملك إيحاءات الشكل القديم فيما هو لا يتعدى كونه ما بقي من جسد الفكرة الماضية/ غواصون تحولوا في هذا المتبقي إلى مجرد براغٍ في الهيكل الذاهب إلى معنى جديد يقوله الخشب/ مجاذيف باتت مجرد أنابيب تشق الماء في حركة تحيل إلى الدوران ولا تنسى في الوقت نفسه أن تشق طريقها إلى ذاكرة المتلقي عبر ثيمة الدوران الحاضرة رغم سكونية العمل في حالة العرض/ امرأة تكاد تطير في خفَّة نزقة... يجسدها تمثال صغير جرى اختصار كل زوائده والمحافظة على الهيكل العام لفكرة الأنوثة. يقدم لك اقتراحاً للرقص، حيث المرأة تبدو في حالة طيران (اليد ممدودة إلى الأمام، والقدم مرفوعة في الهواء إلى الخلف في حركة أقرب إلى الباليه، فيما القدم الثانية ثابتة على نقطة في قاعدة التمثال، والرأس ممدود إلى الأمام ما أعطى المنحوتة نوعاً من الحيوية والانسيابية الأنثوية).
وفي أعماله يبدو بو لحية محكوماً بهواجس وذكريات وآراء تجد طريقها إلى تكويناته بعفوية وفي أشكال بسيطة، ومن خلال أشكاله الصغيرة يحقق انزياحات دلالية تأخذ المتلقي إلى القيم البصرية وجمالياتها. هنا تتحول الكائنات إلى مجرد انثيال مشاعري مشغول في نوع من الانسيابية أو الغنائية التي تجسدها دقة التوازنات بين تفاصيل العمل. علاوة على الرغبة في تأبيد أو تخليد الفكرة عبر معدن يمتلك سمة الدوامية والاستمرار، فالمعدن كما هو معروف قادر على الثبات والبقاء في حالة من التماسك وعدم التشقق أمام عوامل التعرية، وهو في الغالب ينجو من الأمراض التي تصيب اللوحات الفنية المنجزة بالألوان المختلفة (الكسر، التآكل، التشقق، البهتان، الانطفاء وغيرها) ناهيك عن طواعيته، في يد الفنان الماهر بالطبع، لقول الانحناءات والالتواءات وتجسيد مظاهر الحركة وهي تقدم للحياة صياغاتها الفنية.
أخيراً... لا تطمح هذه القراءة إلى تحميل أعمال الفنان أكثر مما تطيقه أو تؤشر عليه، وهو فخ يقع فيه النقد التشكيلي غالباً، بقدر ما تحاول إبراز إلى أي مدى يمكن الاستفادة من ذاكرات الأشياء التي تحيط بنا، وتوظيفها لتقول أو تبوح أو تتقاطع أو تتنافر أو تتجاذب أو تتشاجر مع ذاكرتنا الخاصة، أو الشائعة، أو المألوفة أو المكرَّسة حتى على صعيد الخامة التشكيلية، ولم لا... أليس الفن في نهاية المطاف محاولة راقية للشجار الفكري؟

اقرأ أيضا