الاتحاد

تقارير

أوباما... هل يُنهي العقدة الكوبية ؟

كوبا··· ملف مثير في رئاسة  أوباما

كوبا··· ملف مثير في رئاسة أوباما

منذ زيارة ريتشارد نيكسون للصين، لم يحدث أن أصبح موضوع ما من الموضوعات المستعصية جاهزاً تماماً للحل مثل موضوع العلاقات الأميركية- الكوبية· فعلاقات الولايات المتحدة مع كوبا اليوم -مثلها في ذلك مثل سياسة أميركا تجاه الصين عام 1972 -غدت في مسيس الحاجة إلى التغيير· ويذكر أن العلاقات بين البلدين، كانت قد انقطعت منذ50 عاماً تقريباً لأن واشنطن لم تقبل بخروج دولة من دول أميركا اللاتينية عن المدار الأميركي، والهروب من هيمنتها، ولأن ''فيدل كاسترو'' كان عاقداً العزم على عمل هذين الشيئين تحديداً·
أما الآن فإننا نجد أن تأثير هذه الإهانات الكوبية للمصالح الأميركية قد تضاءل منذ زمن بعيد، وأن انتهاء الحرب الباردة أنهى بدوره محاولات هافانا للظهور بمظهر القوة الدولية المؤثرة، كما أنهى أيضاً ما كانت تمثله من تهديد لمصالح الولايات المتحدة· إلى ذلك، عادت القوات الكوبية من أفريقيا، وتوقفت عن تدريب قوات حرب العصابات الطامحة إلى الحكم في أميركا اللاتينية· أما كاسترو نفسه الذي كان يجد متعة في التحرش بالرؤساء الأميركيين فقد أقعده المرض، وأصبح مكتفياً بلعب دور المعلم أو الأب الروحي، في حين لوحظ أن أخاه الأصغر، الأكثر براجماتية ''راؤول كاسترو'' قد امتنع -منذ أن حل محل أخيه في الحكم-عن الخطابه الزاعقة المناوئة للأميركيين كما عرض الحوار على أميركا في العديد من المناسبات· يُشار كذلك إلى أن العديد من حلفاء الولايات المتحدة سواء في أوروبا أو أميركا اللاتينية الذين ظلوا يسيرون وراء الولايات المتحدة فيما يتعلق بعلاقتها مع كوبا، لما يزيد عن قرن من الزمان، قد أصبحوا يقيمون الآن علاقات اقتصادية ودبلوماسية طبيعية مع هافانا، كما يشار كذلك إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد صوتت للمرة السابعة عشرة خلال 17 عاماً بأغلبية 185 صوتاً مقابل 3 على إدانة الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا· وفي شهر ديسمبر الماضي، منحت 33 دولة من دول أميركا اللاتينية والكاريبي الأعضاء فيما يعرف بـ''مجموعة ريو'' عضويتها الكاملة لكوبا، وطالبت بأنهاء المقاطعة الأميركية للجزيرة· والعديد من أسلاف باراك أوباما في البيت الأبيض، فكروا في تطبيع العلاقات مع هافانا، ولكن كان يحدث عادة شيء يعطل ذلك·
كان كنيدي أول من حاول ذلك مستغلاً غضب كاسترو من الروس بسبب عدم تشاورهم معه في القرار الذي اتخذوه إزاء ما عرف بأزمة الصواريخ الكوبية، ولكن اغتياله عطل ذلك· كما حاول ذلك أيضا هنري كيسينجر إبان إدارة الرئيس ''جيرالد فورد''، وذلك بعد أن أدرك أن فعالية نظام المقاطعة ضد كوبا قد تآكلت، ورأى العديد من حلفاء أميركا يعيدون العلاقات مع هافانا· وفي ذلك الوقت عُقد ما لا يقل عن 12 اجتماعاً بين الدبلوماسيين الأميركيين والكوبيين في أماكن مختلفة بغرض تطبيع العلاقات بين الدولتين، ولكن قرار كوبا بإرسال 30 ألف جندي مقاتل لمنع جنوب أفريقيا من التدخل في أنجولا أدى إلى قطع هذه الاتصالات·
كان ''جيمي كارتر'' من الرؤساء المؤمنين بأهمية الحوار مع الخصوم، وبعد وصوله إلى البيت الأبيض بأسابيع قليله أصدر أوامره باستئناف الاتصالات التي انقطعت مع كوبا، وهو ما حدث بالفعل وأسفر عن توقيع اتفاقيات بين الجانبين بشأن حقوق الصيد والحدود، وعن تعيين دبلوماسيين في عاصمتي البلدين لأول مرة منذ انقطاع العلاقات بينهما عام ·1961 ولكن ما حدث بعد ذلك، عندما قررت كوبا توسيع دورها في أفريقيا من خلال إرسال قوات لدعم حكومة إثيوبيا اليسارية، والدفاع عنها ضد غزو الصومال المجاورة فإن كارتر فكر في اشتراط الربط بين استكمال تطبيع العلاقات بين البلدين وبين انسحاب القوات الكوبية من إثيوبيا، وهو ما لم يحدث، وأدى إلى توقف تلك المباحثات·
عندما تولى بيل كلينتون، كانت الحرب الباردة قد انتهت وكان الاتحاد السوفييتي نفسه قد تفكك، وكانت الولايات المتحدة قد بدأت في تطبيع العلاقات مع الأعداء السابقين بدءاً من روسيا وحتى فيتنام وهو ما جعل كلينتون يتجه نحو إنهاء الحرب الباردة في منطقة الكاريبي أيضاً· بدأ كلينتون السير في هذا الطريق بالفعل، ولكن هناك عقبة اعترضت طريقه تمثلت في اللوبي الكوبي الغني، والمنظم والواسع النفوذ السياسي والذي يتركز في فلوريدا الجنوبية· وهكذا فإنه على الرغم من أن مستشاري الرئيس كانوا يحبذون تطبيع العلاقات مع هافانا، فإن الرئيس نفسه تردد أمام جسامة الثمن السياسي الذي يمكن أن يدفعه قبل أن يوافق مرة ثانية على الدخول في محادثات مع كاسترو لتطبيع العلاقات بين البلدين· وفي النهاية توقفت تلك المحادثات عندما قامت مقاتلات الميج الكوبية بإسقاط طائرتين مدنيتين بحجة اختراقهما للمجال الجوي الكوبي، مما أدى إلى قتل طياريها الأربعة الأميركيين من أصول كوبية·
عندما يدخل أوباما البيت الأبيض سيجد أمامه نفس الظروف المواتيه التي حركت الرؤساء المشار إليهم نحو تحسين العلاقات مع هافانا: فخلال هذا الشهر، ستحل الذكرى الخمسون للثورة الكوبية كما تحل أيضا الذكرى الخمسون لقطع العلاقات بين الدولتين في يناير من عام ·1961 ولأول مرة خلال نصف قرن يجتمع المنطق السياسي، والحقائق السياسية للعلاقات بين البلدين ليتيحا الفرصة للرئيس أوباما لفك العقدة المستعصية التي أعجزت سابقيه في المنصب·كذلك، خلال حملته الانتخابية وعد أوباما بالالتقاء مع راؤول كاسترو كجزء من استراتيجية أميركية جديدة للاشتباك السياسي مع كوبا· وعلى الرغم من أن عقد مؤتمرات القمة يحتاج إلى تحضيرات دقيقة، فإن أوباما في رأينا يجب أن يعمل على تحقيق وعده الآن قبل الغد· على الرغم من كافة أخطاء نيكسون، فإن العالم يذكر رحلته إلى الصين باعتبارها مبادرة شجاعة بعيدة النظر فتحت عهداً جديداً من العلاقات الصينية- الأميركية· وليس هناك شك في أن قيام الرئيس أوباما بزيارة مماثلة إلى كوبا لن يكون أقل تاريخية من زيارة نيكسون·

ويليام إم· ليوجراندي
عميد كلية الشؤون العامة بالجامعة الأميركية
بيتر كورنبلو
مدير مشروع كوبا التوثيقي بأرشيف الأمن القومي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا