الاتحاد

تقارير

انتخابات المحافظات: حراك سياسي بجنوب العراق

على طول الطريق الممتد بين بغداد والبصرة والبالغ طوله 340 ميلا، تمتد مساحات هائلة من السهول الصحراوية التي يتخللها أحياناً كثبان رملية وبساتين نخيل، وقنوات ري، وأكواخ عتيقة طينية وحجرية· وعلى الرغم من رتابة الطريق المؤدي إلى المدينة، فإن هناك حراكاً سياسياً يضطرم بداخلها وهو حراك يتلخص في النهاية في مفارقة تخيم بظلالها على سكانها الذين أنهكهم الطغيان والحرب، والفساد·
تتمثل هذه المفارقة في إدراك سكان البصرة أن الديمقراطية على النحو الذي تطبق به في العراق لها حدود، لا تستطيع أن تتخطاها ومحددات لا يمكن لها أن تتجاوزها· ومن المتوقع أن تؤدي انتخابات المحافظات التي ستجري هذا الشهر إلى إعادة تعريف تكوينات القوة والنفوذ في العراق بأسره الذي يمر الآن بمرحلة انتقالية، حيث ينتظر أن يخوض غمارها الآف المرشحين من خلال مئات القوائم (بعضها يتكون من اسم واحد فقط)· ومن المعروف أن السنوات التي مضت على الاحتلال والسياسات البراجماتية التي اتبعها مسؤولوه العسكريون والدبلوماسيون في العراق، قد أدت إلى تعزيز أوضاع قوى سُنية وشيعية على حد سواء لم يكن أحد يتوقع أن يكون لها شأن ذات يوم، بطريقة ستترك أثراً لا يُمحى على شكل النظام السياسي الذي سيتركه الأميركيون وراءهم·
وعناصر السلطة والنفوذ والرعاية والمحسوبية، التي توفر للناس الوظائف في الشرطة والجيش في هذه المدينة هي نفسها التي ستعطي الأحزاب الشيعية ميزة حاسمة في الانتخابات التي ستجري في 31 يناير ،2009 والتي ستؤدي نتائجها المتوقعة إلى تعزيز النفوذ الذي تمتعت به الأحزاب والجماعات الشيعية في المنطقة منذ الإطاحة بصدام حسين عام ·2003 ويقول المحللون إنه ليس من المتوقع أن تتمكن الأحزاب الدينية غير النافذة، والقوى العلمانية الضعيفة المكونة من تكنوقراط من إقناع سكان الجنوب بقدرتها على تمثيلهم·
يؤكد أبومنعم التميمي، وهو عامل في ميناء البصرة على ذلك بقوله: ''لم يعد لدي أي ثقة في الأحزاب الدينية حيث لم تقدم لنا أي شيء ملموس''·
أما في النجف، فيتوقع حسين عبطان المرشح الرئيسي على قائمة ''جاشاني''، وهو تحالف اسمي يستمد قوته الأساسية من ''المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق''، وهو حزب شيعي سياسي يدير أربعا من محافظات الجنوب التسع، إن قائمته ستكسب الأغلبية على الأقل في المحافظات الجنوبية· أما المنافس الرئيسي لـ''المجلس الأعلى للثورة الإسلامية''، فهو التحالف المبني حول حزب ''الدعوة''، الذي يقوده رئيس الوزراء نوري المالكي· وقد حاول كلا الحزبين التأكيد على هويتهما المستقلة أثناء الحملات الانتخابية· فحزب ''الدعوة'' على سبيل المثال، حاول الوصول إلى القبائل والمجموعات العلمانية بل والجماعات التي كانت تدين بالولاء من قبل لمقتدى الصدر رجل الدين الشيعي الذي قاتل الأميركيين، والجماعات الشيعية الأخرى والجيش العراقي· وبقيامه بذلك حاول حزب ''الدعوة'' صياغة نفسه في صورة حزب براجماتي للإسلام السياسي، يقوم بتغليب الاعتبارات الوطنية على الاعتبارات الدينية· وفي كل لقاء من اللقاءات الانتخابية يذكر ''حزب الدعوة'' الجميع بأنه قد نشأ في البصرة عام 1957 في حين أن منافسه ''المجلس الأعلى للثورة الإسلامية''، نشأ في إيران كما لا يزال يتصرف كمنظمة سرية ويتسم بصبغة طائفية شيعية قوية ويقول ''فايد الشمري'' مرشح حزب ''الدعوة'' في النجف:'' لا يستطيع أحد إقناع الناخبين بالإدلاء بأصواتهم على أساس الولاء الديني فحسب''· وعلى الرغم من أن الحزبين لا يزالان متمحورين إلى حد كبير، حول الدين إلا أنهما يختلفان بشأن دور الحكومة المركزية، حيث يميل حزب ''الدعوة'' إلى تعضيد هذا الدور على اعتبار أن رئيسه المالكي، هو رئيس مجلس الوزراء الحالي، على العكس من ''المجلس الأعلى للثورة الإسلامية''، الذي يسعى إلى تكوين اتحاد فيدرالي يضم محافظات الجنوب التسع، ويتمتع بدرجة من الحكم الذاتي، تقترب من تلك التي يتمتع بها الأكراد في الشمال·
حول هذه النقطة يقول ''أحمد فتلاوي'' مرشح ''المجلس الأعلى للثورة الإسلامية'' في النجف:'' نحن بحاجة إلى منح العراقيين المزيد من الوقت كي يفهموا فوائد الفيدرالية قبل أن نقدمها إليهم بالفعل''·
وفي محافظة ''الحيرة'' تتحكم ثلاثة عناصر رئيسية هي القبيلة والتقاليد والسلطة· وربمـــــا قـــــد لا نستطيع العثور على رجل لديه ثقة بالنجاح في المحافظات الجنوبية مثل ''محمد ثابان الشبل''، السياسي وزعيم القبيلة التي يقول إنهــــا تتكون من 70 ألف عائلة·
يقول ''الشبل'' بثقة: ولذلك السبب تجد أن جميع الأحزاب السياسية تحاول التقرب منا''· و''ثابان'' يمثل نموذجاً لشيوخ القبائل الذين عزز البريطانيون نفوذهم بعد الحرب العالمية الأولى، والذين أغدق عليهم صدام حسين العطايا، والذين يحاول المالكي في الوقت الراهن خطب ودهم، وتعتبرهم الأحزاب عنصراً جديداً وحاسماً في العراق·
يقول ''الشبل'' إن ذلك وضع طبيعي ''لأن القبائل هي القوة الوحيدة القادرة على رأب الصدع الطائفي ولأنها تمثل تقاليد العراق الراسخة وهويته وتاريخه كما أن لشيوخها نفوذاً هائلاً''، وينظر ''الشبل'' بتشكك للأحزاب الدينية التي حاولت التغول على الدور التقليدي للقبائل في هذه المنطقة، وكذلك لمؤسسة رجال الدين الشيعة في النجف حيث يعيش السيستاني المولود في إيران، والذي يحظى بنفوذ كبير· ليست هذه هي نظرة رجال القبائل إلى مقتدى الصدر الذي يحظى بدعمهم، وهو ما يرجع إلى السمعة الحسنة التي كان يتمتع بها والده ''محمد صادق الصدر'' المولود في العراق- وليس في إيران -والذي اغتيل عام ·1999 وفي الآونة الأخيرة نجح المالكي في تحقيق اختراقات في هذه المناطق من خلال تأسيس ما يعرف بمجالس الإسناد العشائري، التي تحظى هي الأخرى بمنافع وعطايا من المالكي، مما جعل بعض معارضيه يحتجون بأنه يعيد تطبيق نفس التكتيكات التي كان صدام حسين يطبقها في العراق·
أما في الناصرية، فيقول المحللون إن التيار الصدري، وإنْ كان لا يزال قوياً في المدينة، فإنه فقد بعضاً من نفوذه بعد الحملة التي شنها عليه المالكي في البصرة وفي معقله بمدينة الصدر في بغداد· علاوة على ذلك فإن الدور الذي قام به ''جيش المهدي'' الذراع العسكرية للتيار الصدري جعل من غير الممكن للحزب الحصول على أي تأييد من جانب السُنة على الرغم من محاولات الحزب خطب ودهم·
ويُشار إلى أن القوى المستقلة والعلمانية في الجنوب، وخصوصاً في البصرة تشتكي دوماً مر الشكوى من نقص الموارد والافتقار إلى التنظيم· وليس هناك سوى مرشح واحد فقط يبدو مهيئاً للحصول على جزء من الأصوات هو إياد علاوي· أما البعض الآخر فيتبادلون الأحاديث حول الرعاية التي تضفيها الأحزاب الدينية على أنصارها، وعلى الوظائف التي توفرها لهم بنفوذها في الشرطة والجيش والسيارات التي يوزعونها على وجهاء القبائل فضلاً عن النفوذ الذي يتمتعون به في اللجان الانتخابية المشرفة على الانتخابات·
يعلق التميمي على ذلك بقوله''الناس ستصوت للأشخاص الذين سيكونون غير مضطرين لوضع حواجز واقية من الانفجار حول منازلهم''، وهو ما لا ينطبق بالطبع على المستقلين وعلى العلمانيين والتكنوقراط، الذين لا يمتلكون عصابات تقف وراءهم وتفتك بخصومهم عند اللزوم·

أنطوني شديد- البصرة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا