الاتحاد

عربي ودولي

في بلاد عرب الشمس ·· والسلطان (4- 10)

مسـقط: خالـد عمر بن ققه - سعيد سالم البادي
كل ما في البيئة العربية من خليجها إلى محيطها يؤكد على حقيقة كونية هي أنها 'أرض الشمس'، لكن حين تمتد بصيرة الإنسان ويداه إلى إحداث تغييرات في مجتمعات مختلفة فإن ذلك يعني أن العرب يوصلون الشمس إلى غيرهم بهدف الدفء والنور والبقاء·· وهكذا لا يرتد إليهم طرفهم إلا حين تشتد العواصف فيضطرون إلى التحايل، لكنهم لا ينتهون من فعلهم -كموناً- بعد مرحلة الظهور، فإذا ما أضيف إلى ذلك شروق الشمس وغروبها كل يوم من أرضهم فإنه يحق لهم عند ذلك أن يكونوا عرب الشمس ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يمتد إلى سلطان العلم والمعرفة والملك، وهو ما سنتابعه في التجربة العمانية·
الشمس والسلطان طرفان إذن لامبراطورية تراجعت من ناحية الجغرافيا، وتلك دولة اليعاربة، لكنها ظلت ثابتة من ناحية القيم والتاريخ وذلك ميراثها، وأضيف إليها الفعل الحضاري البناء، وتلك هي الآن في مرحلة السلالة الخامسة·· ومنهما -الشمس والسلطان- اشتق عنوان هذا الملف الخاص بمشاهدة ومتابعة وتقييم التجربة السياسية العمانية الراهنة·
المدخل إليها هو التاريخ عبر موروث يستحضر الآن بهدف الاتجاه نحو المستقبل، لا تحدده طبيعة السلطة فقط، حيث أمر أهل عمان 'شورى' بينهم، ولكن يظهره التنوع الجغرافي والتضاريس وعلاقات البشر وحكمة أولي الأمر الذين يراكمون الفعل استجابة للسلطان ، تفاعلا معه أو تأييدا لما يذهب إليه·· هنا تقوم المؤسسات على أساس التمكين ورؤية راشدة اختار أهلها طريق الصمود في الماضي والتنمية في الحاضر والإنجاز في المستقبل ·· إنها جملة من القضايا سيتناولها الملف معتمدا التحليل السياسي بناء على وقائع عايشناها وحوارات حمل فيها أهلها همّ تساؤلاتنا ولم تكن بعض إجاباتهم مرضية لنا، وان كانت - على ما تبدو- مرضية لهم دائما، وجولات ميدانية في فضاء واسع تعذر علينا تغطيته بالكامل·
في هذا الملف - الذي ينشر على حلقات - سيكتشف القارئ معنا سيادة التعمير في الأرض وبياض المساكن والقلوب واخضرار الأرض مما أعطى للسياسة معنى آخر وأوجد أحزابا -مختلفة عن تلك التي نعرفها في المجال السياسي- على مستوى الفرد والجماعة والقبيلة اجتمعت كلها لتلبي بشكل متواصل رؤية الرشد عند سلطان جمع بين ارث إمبراطورية وواقعية المرحلة وموقع يحفره لدولته في صخور المدنية الراهنة التي تلفظ من ليس بقادر على البقاء أو العطاء
رجلان وامــرأة ·· ورابعــهم الثقافــــة
ركزت الحلقة السابقة على التراث العماني في شقيه، الأول : المعرفي المتعلق بالمخطوطات والوثائق والآثار، والثاني : الخاص بالموسيقى والأصوات فيما يعرف بالهوية الموسيقية، و قد تجلى الثراء والتنوع ، في الجانبين ، مما يمكن التعويل عليه مستقبلا لتثوير المنطقة ، والاستفادة من التجربة العمانية على الصعيدين الخليجي والعربي في مجال جمع التراث وتوظيفه بما يخدم العصر والتطور·
وفي هذه الحلقة سنركز على دور النخبة العمانية في بناء الدولة الحديثة لجهة المشاركة في الحقل العالمي للثقافة والإبداع ، ورغم أننا - وهذا اعتراف منا بالنقص- لم نلتق بعناصر مختلفة من الفاعلين على المستوى الثقافي - النخبوي- إلا أنه يمكن القول : المثقفون في عمان- كما هي في باقي الدول العربية الأخرى - فريقان متباعدان لاختلاف في الرؤية بينهما حول كثير من الإشكاليات الثقافية المتعلقة بالداخل والخارج العربي والأجنبي رغم تحركهما في فضاء واحد ، ففي الوقت الذي يرى الفريق الأول أن التأقلم مع العالم والعصر لا يمكن تحقيقه إلا ضمن مشروع عربي شامل ، فقط أن يتم ضمن مشاركة عربية واسعة تؤمن بدور الأطراف في دعم المركز، يدعو الفريق الثاني إلى الغرق في المحلية باعتبارها المنقذ من الهزات والسبيل الوحيد لقبول الآخرين بوجودنا ·
نتابع هنا تفصيلات الرؤيتين عبر حوارين ، الأول منهما تحدث فيه الشاعر 'هلال العامري' والدكتورة 'سعيدة الفارسي' - وهي شاعرة أيضا- ، وقد جمعت بينهما رؤية واحدة ، لذلك اعترينا حديثيهما لنا حوارا واحدا ، والحوار الثاني مع الدكتور' عبد الله الحراصي'على اعتبار أنه يمثل الرؤية الأخرى ·· وفيما يلي نص الحوار الخاص بالدكتورة سعيدة الفارسي و هلال العامري :
العرب المنسحبون··كثر
؟ هل يمكن للمرأة العربية إذا أصبحت شاعرة أن تواصل نفس طريق مثيلتها في الزمن الماضي؟ أي هل يمكن أن تؤثر من خلال الشعر أو العملية الإبداعية في صناعة القرار السياسي؟
؟؟ الدكتورة سعيدة: لا يمكن أن نحدد دور المرأة في المجال الإبداعي فقط، ذلك لأنها تشترك في العملية الإبداعية مع الرجل، وظروف الأمة تنعكس على الاثنين معا، فهما جزء من الوطن أو الأمة بإشكالياتها، فإحباطات الثقافة والسياسة تنعكس عليهما، ذلك لانهما يشتركان في نفس الفضاء ،غير انه علينا أن نسأل هل المرأة المبدعة مؤثرة او غير مؤثرة بشكل عام؟ والإجابة هي أن ذلك يتوقف على طبيعة الشخصية حيث التمايز الفردي، فهناك شخصية مؤثرة وفاعلة وهناك شخصية أخرى على غير ذلك، وهناك شخصية منسحبة وما أكثر المنسحبين في العالم العربي ؟ رجال ونساء ؟ وقد يكون ذلك نتيجة الإحباطات أو بهدف إيثار السلامة، فالكل يعيش في برجه العادي، وهذه طبيعة مرحلة، إذن مسألة الفاعلية لا علاقة لها بالمرأة أو الرجل ،إنما بطبيعة كل شخص؟ كما ذكرت سابقا؟ وقد تجد امرأة واحدة أكثر فاعلية من عشرين رجلا·
العمننة والكوتته ·· والمصرنة
؟ هل توافقين على الرأي القائم أن هناك تراجعا على مستوى الكلمة في دنيا العرب وهل يعود ذلك إلى غياب القضايا المشتركة؟
؟؟ الدكتورة سعيدة: نعم هناك تراجع في مجال الكلمة لكن القضايا المشتركة كثيرة، ومهما حاولوا سياسيا تقطيع أوصالنا وعزلتنا ستظل العناصر المشتركة موجودة كانت ولا تزال وستبقى فاللغة والدين والتاريخ والمصير والمستقبل مشترك، وعوامل التوحد بينا كثيرة رغم محاولة بعض السياسيين تمزيق أوصالنا، وأعتقد أن هناك دعوة إلى الإقليمية، وكل منا يدعي الأفضلية، وقد كنت من المشاركين في مهرجان فرانكفورت، وكما تعلمون فان المهرجان يخصص في كل دورة لإقليم معين، وهذه السنة تم تخصيصه للإقليم العربي، وكان يفترض أن يكون هناك مزج شديد بحيث يذوب الكل في منظومة واحدة، ويتحدث بلغة واحدة ،ولكننا لاحظنا ما هو مغاير لهذا، عنصرية غريبة، فكل منا كان يدعو إلى لغة لا يقبلها العالم المعاصر مثل : العمننه والكوتته والمصرنه·
الربيع الوافد
(هلال العامري): كان يفترض أن نتحدث باسم كيان واحد لأننا على متن قارب واحد، وبالتالي البحث عن السلامة يكون لنا جميعا وليس لفريق واحد، وهناك مفردات غابت من كل أعمالنا الإبداعية في القصة والرواية الشعر·· الخ، مثل 'الثورة 'بما في ذلك الفعل الموجود في فلسطين، حيث لم يعد مسموحا التعبير بها في كتاباتنا، وكلمة' التغيير' أصبحت تطلق على هذا الربيع الوافد من الغرب، هناك حرية سوف تطلقها أميركا في العراق، وأخرى سوف تعلمها للفلسطينيين وهناك ديموقراطية منتظرة للعرب، وكأننا قبل هذا لم نكن نعرف الديموقراطية ،ولم نكن أحرارا أصلا، إذن فكاتب النص أو البحث أو القصة أو القصيدة، اختفت كثيرا من المفردات من ذاكرته، وحلت محلها مفردات جديدة·
الدكتورة سعيدة : إضافة إلى ما يقوله الأستاذ هلال هناك انفصام داخلنا، هناك ضدان داخلنا نحن الكتاب، ما أريده داخلي ليس هو الذي أصرح به علنا، حيث مجبورين أن نغرد داخل السرب، لأنه إذا غرد أحدنا خارج السرب فإما أن يتحول إلى مطارد أو أن تصبح عليه علامة( X) أو غير مرغوب فيه·· وعلى العموم فان المواطن العربي يعاني فما بالك بالمبدع
الأمم والتربص·· والمؤامرة
؟ أليس من الوهم الاعتقاد بوجود مشترك بيننا؟ وتبعا لذلك ألا يجب أن نعيد النظر في المتغيرات؟
؟الدكتورة سعيدة : هناك من يريد لنا الوصول إلى هذه الحالة حتى نصل إلى درجة الشك في الثوابت، والحقيقة الواضحة أن أمتنا متربص بها، وليس مبالغة او ادعاء القول إننا نواجه مؤامرة تلو الأخرى، وليست وهما وإنما موجودة فعلا، ولكل أمة على مر التاريخ من يتربص بها، خاصة عندما تكون في مثل موقعنا الاستراتيجي ولها ما عندنا من الثروات الطبيعية بها ومن قوة الرابط الديني فيما بينها، وهناك روابط مشتركة عميقة موجودة، فمن أراد أن يزعزع حتى اعتقادنا بوجود هذه الروابط، فعلينا أن نقول له: إنها موجودة رغم عمل أعداءنا بكفاءة عالية ،وأنا اعترف بأنهم استطاعوا إلى حد ما أن يزعزعوا هذه الثقة حتى في نفوس كبار المثقفين، ولنضرب مثلا، فأوروبا ذات الفروقات والتباين وصلت إلى مستوى عال من التوحد فيما يعرف بالاتحاد الأوروبي، وقد لحقت بها الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي، ومعادية للرأسمالية حيث تحولت من النقيض إلى النقيض، ولم يقل أصحابها انه لا توجد ثوابت خاصة بالدول الأوروبية، المهم أن النقائض تلتقي الآن والكل يلتقي ويتوحد، ونحن لا يمكن أن نبسط أمر الوحدة ··نحن نبحث عن التجزئة وهم يبحثون عن التكامل، هذه مشكلتنا نحن، وأعيد التأكيد على أن هناك تربصا بنا ومزيدا من التربص من أجل السقوط ومن الطبيعي أن تكبر أمة وأن تصغر أخرى وهذه سنة الحياة، بجانب هذا هناك ولاءات متعددة تتنازع المثقفين ،ومنذ أيام فقط عدت من القاهرة وقد تركتهم متفرقين ، فهناك من ينتمي إلى الثقافة الفرنسية ويدافع عنها بشراسة، وهناك من ينتمي للثقافة الأميركية ويدافع عنها بشراسة وهناك من يسمون بالإسلاميين ويدافعون عن توجههم بشراسة ·· ولنترك السياسة ، ولننظر إلى الثقافة فحتى هذه لم نستطع أن نلتقي فيها او نتفق·
المثقف الكبير··وهم
؟ هل هي مشكلة نخبة؟
؟ الدكتورة سعيدة: بالتأكيد هي مشكلة نخبة، فالمثقف الكبير إلى الآن نحن نشك في ولاءاته·
؟ هل يمكن القول إن اعتباره كبيرا في الماضي كان مجرد وهم؟
؟ الدكتورة سعيدة: يمكن أن يعتبر ذلك صحيحا فقد تم تكبيره وتضخيمه إعلاميا وأيضا تضخيمه من جهات أخرى·
الخلاف العراقي - العراقي
؟ ألا ترين أن الأمر لا يقف عند النخبة المثقفة إنما يتجاوزها إلى المعارضة السياسية التي أثبتت إنها أكثر فشلا من الأنظمة؟
؟ هلال العامري: المسألة لا تقف عند حدود السياسيين فقط بل تشمل المهتمين بالدين أيضا، فلننظر كم مذهب نحن، وكل جماعة تدعي أنها الفرقة الناجية، فالأمر يتجاوز ذلك إذ يجب أن تعرف كيف تكون عبادتك للخالق وكيف تكون طاعتك لرئيسك، وهناك واقع نعيشه مختلفين حوله فمثلا في الحالة العراقية نجد من العراقيين من يفهم إن الحرية هي في بقاء الاحتلال الأميركي، وهناك منهم من يرفض ذلك، إذن هناك مفهومين للحرية، وهناك من يفجر نفسه لرفض الواقع، في حالة واحدة لدينا عدة مفاهيم ورؤى، فما بالك بمجمل القضايا الأخرى وعلى رأسها فلسطين، حيث نجد اختلافات كثيرة بين التيارات؟!·
سيف المعز ·· وذهبه
الدكتورة سعيدة: حتى المعارضة العربية تخضع للعصا والجزرة سيف المعز وذهبه، فإما أن تخضع هذه المعارضة بالسيف وإما أن تخضع بالذهب ، وأي معارضة الآن في الوطن العربي يمكن أن تشترى، وفي الستينيات من القرن الماضي أيام المد القومي كان المعارض يستمر في فعله ولا ينكسر حتى وان سلخ جلده ولذلك قتل مجموعة من المعارضين ومنهم سيد قطب مثلا، أما المعارض حاليا يشترى ويباع بسبب ولاءاته، يمكن أن تشتريه أميركا ويمكن أن تشتريه السلطة في الداخل وينقلب من النقيض إلى الضد ومن هناك تكونت أزمة ثقة بين القيادات، مهزوزين حتى في قياداتنا الدينية· وهناك تكريس للإقليمية وتضخم للذات بشكل كبير·
تدمير الرموز الخليجية المبدعة
؟ ماذا عن الأعمال الإبداعية في منطقة الخليج ؟
؟؟ هلال العامري، الآن لو أعدت دراسة عن القصيدة الشعرية مثلا لوجدت إنها في أفضل في منطقة الخليج، وتجد شعراء شباب·
؟؟ الدكتورة سعيدة: الإبداع لا يظهر إلا من خلال الاهتمام الإعلامي ، لذلك دعني أشير إلى وسائل الإعلام العربية وخصوصا تلك التي تبث من الإمارات ،وهي وسائل إعلامية متطورة ،وفي غاية القوة وتصل إلى المتلقي في مختلف أنحاء العالم لذلك أتساءل :لماذا لا تبرز الرموز المثقفة الخليجية؟ لماذا تستطيع أن تذهب إلى الشرق والغرب لتبرز بعض الشخصيات المتضخمة الذات، ولا يرى أصحابها أبعد من أنوفهم نتيجة لاحتقارهم للآخر؟، وللاسف أن هناك عددا من المسؤولين في الصحف الخليجية يحاولون تدمير الرموز المبدعة وتشويهها،·· إنهم عامل هدم في هذه الوسائل الإعلامية، فمثلا تجد في إحدى المجلات الخليجية يفضلون النشر لفلانة من الكاتبات العربيات ولا تجدهم يهتمون او يسعون لإبراز أي صوت أو رأي خليجي، سواء كان شاعرا او قاصا او كاتبا·
هناك عدم ثقة في المواطن، فمثلا تجد الفضائيات الخليجية تفضل المذيع العربي على مواطنها وتقول لك أن هذا المذيع سيعطي قيمة للمحطة، ولا يدرك المسؤولون انهم يعطون هذا المذيع قيمة على حساب مواطنيهم فإذا لم يجد المواطن الخليجي قيمته في بلادهم فأين يا ترى سيجدها ؟! كما لا يدركون أن هذا الوافد إليهم يحتقرهم في نهاية المطاف وهناك تجارب وأمثلة سابقة، وهذا نتيجة تضخم العقدة الذاتية عند هؤلاء واحتقارهم للآخر وللأسف نحن الذين كبرنا هذا التضخم في ذاتهم·
؟؟ هلال العامري: لنتحدث على صعيد الفن والتمثيل والتعاون بين التلفزيونات العربية، فمثلا متى عرض التلفزيون المصري مسلسلا خليجيا أو كويتيا على سبيل المثال، ولي تجربة شخصية مع التلفزيون المصري فقد كنت مديرا للتلفزيون العماني وعرضت على التلفزيون المصري سهرة عمانية ضمن برنامج التبادل بين المحطتين فكانوا يسوفون في عرضها إلا أن أجبرتهم على ذلك بان أوقفت شراء أي مسلسلات تلفزيونية منهم ،وحدث ذلك بعد إصرار وبعد محادثات بين وزيري الإعلام في عمان ومصر، وإني أستغرب مثل هذا التهميش والرفض، في نفس الوقت الذي نصرف نحن أموالنا لشراء أعمالهم حتى وان كانت ضعيفة ولا تناسبنا، ولا نعرف لماذا لا يوجد نوع من التبادل الثقافي؟
رسالة البستان ·· وقادة الخليج
؟ الدكتورة سعيدة: لابد من توجيه رسالة إلى دول الخليج مفادها أنهم إذا لم يحترموا كفاءات أبنائهم، فلن يحترمهم احد، فلا تطلب من الآخر أن يحترمك وانت لا تثق في أبنائك وكفاءاتك، وهناك مثل يقول أن 'الشيخ البعيد سره باتع' ونحن لدينا هذه العقدة فكل من يأتي من الخارج نعتقد انه هو الذي سيكتسح الكون وسيأتي بالمستحيل، وللمعلوم لديكم فان هؤلاء يعطون بقدر عقول من استأجرهم، فعندما استقدم باحثا من الخارج ليدرس لي الأدب العماني فانه يعطيني القشور وفي قرارة نفسه يضحك علي وهو لا يبذل جهدا حقيقيا، وذلك لأنه يعلم تماما أن من استقدمه لو كان لديه قليلا من الفهم لاستغل كفاءات بلاده واستطاع أن يوظفها، ولماذا سيتكبد العناء من تذاكر سفر وإقامة من اجل محاضرة بسيطة لمدة ساعتين، نحن السبب فلا يجوز أن نلقي باللوم على الآخرين تماما وهناك سبب آخر غير نابع من المثقفين، فنحن أوصياء على بعضنا البعض وكل فرقة تلعن أختها والشللية موجودة في العالم العربي ،وكل يزمر بمزمار مختلف، فانا إذا كنت حداثيا فأنني احتقر من يكتب بتجارب أخرى·· وهكذا، والقضية ليست بهذا المفهوم، فالثقافة تريد حرية وتريد تنويعات وكل واحد له صوته فاتركه يغرد بطريقته، وكلما حدث تنوع في البستان بين الزهور والثمار كلما استطعت أن تقطف الحلاوة وتقارن ما بين الغث والسمين، أما أن تعطي لصوت واحد فقط بحجة أنه هذا هو الحديث وهذا هو المعاصر، والحقيقة أن هناك كتاب يكتبون أفضل من الموجود لكنهم لم يحصلوا على الفرصة نفسها، والعقدة أن كل من يكتب كلاما غير مفهوم ومبهم وفيه من البذاءة الكثير والانحطاط الأخلاقي، وفي فرانكفورت كان كل المشاركين يعزفون على نفس النغمة الجنسية الواضحة والمشوهة والشهوانية الحيوانية التي يمكن أن تقضي على كل القيم التي يمكن أن تغرس، وللاسف فقد تجاوز العالم الغربي كل هذا الانحطاط وهؤلاء لا يزالون يتغنون بها وفرحين بإنجازهم وفي اعتقادهم أن ذلك يكشف مدى تطورهم وأننا نستطيع أن نقول كل شيء ،إذن أزمة الثقة فينا نحن ··في أنفسنا من الداخل فلا يجب أن نتهم الآخرين ، وللاسف فان الإعلام العربي لن تجد فيه شخصا مبدعا خليجيا، وإن حدث فانه سيكون من جماعة بعينها ·
نتنقل إلى رؤية أخرى في حوار صريح مع الدكتور عبدالله الحراصي الأستاذ بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس·· وفما يلي نص الحوار:
؟ كيف يمكن لنا قراءة التاريخ العربي؟
؟ لابد من القراءة الواعية للتاريخ ولابد من البحث في التفاصيل وليس في العموميات فالشيطان يكمن في التفاصيل·
وهناك نوع من الخصوصية لابد أن نعترف به بالنسبة للدول من هذه الخصوصية التاريخ والمجتمع ، فلا يمكن أن نأتي الآن ونرمي كل هذا في عرض البحر وأن نتجه إلى وحدة عربية سياسية ، وأنا لا أتحدث الآن عن الوحدة الثقافية او الروحية والدينية فذلك أمر مفروغ منه، فالدين الإسلامي يوحدنا جميعا، لكن فرض رؤية إيمانية بدلا من رؤية سياسية هنا يكمن الخلاف·
ليس بالضرورة أن نحول الرؤية الإيمانية إلى سياسة، ولابد من التعامل مع الواقع ويجب أن ننطلق من النظرة الإيمانية إلى مبدأ الدولة وليس بالضرورة أن نجتمع جميعنا في دولة واحدة، فالدولة العمانية مثلا تتعاون مع الدول الأخرى بكل روح أخوية وحميمية وكأننا جميعا أسرة واحدة والدول الأخرى كذلك وكل له كيانه المستقل·
الأمة··إيمان نعم ··سياسة لا
؟ أن الدولة القطرية الآن تقف كنقيض أساسي لمفهوم الأمة ونحن في السابق بعد التحرير كان لدينا هاجس هل نتحد أولا أم نحرر فلسطين أولا ولم نفعل أيا منهما، والآن الدولة القطرية تتجه نحو الذوبان والتراجع لمفهوم الأمة مما يؤدي بالدولة القطرية إلى التقزيم والتقسيم، وفي نهاية المطاف إلى تفككها، فما رأيكم في ذلك؟
؟ هناك أحلام وطموحات ولكنها ليست واقع ويجب أن نقيس هذه الطموحات بمقاييس الواقع ، ولابد من أن نرى الواقع للانطلاق منه لتحقيق الطموح·· ثم أن فكرة الأمة ستتحد بعد تحرير فلسطين ربما لم يشترك فيها الجميع ،فالتركيز كان دائما في قلب الوطن العربي في الشام ومصر بالأساس ولكن في إطراف العالم العربي لم يتحدث أحد عن هذا الحلم·· نعم جميعنا نتمنى تحرير فلسطين، ولكن ليس بالضرورة أن ننطلق من ذلك التحرير إلى توحيد الأمة سياسيا ،والواقع انه لم يقل بذلك أحد من قبل، فلماذا نفترض أن هذه حقائق وهي ليست كذلك ؟ نعم ربما تكون هناك رغبات ظهرت وانتشرت إعلاميا فسادت ثم تسيدت، لكننا لا نشترك فيها جميعا وذلك بالمطلق، ومفهوم الأمة ليس سياسيا بل دينيا وروحيا واجتماعيا ، لكنها لم تكن أمة واحدة منذ البداية·
؟ لكن مفهم الأمة الواحدة يتجاوز البعد العقائدي إلى المجال السياسي حسب تجارب الماضي وحسب مساعي الحاضر من الأحزاب الإسلامية على اعتقاد أن هذا من الأهداف الكبرى للدين ؟
الإسلاموية ·· والحلم
الآن تنطلق هذه الرؤية من مفهوم الإسلاموية وأرجو الاحتفاظ بالواو في الكلمة··فكل واحد له رؤية يعتقد أنها رؤية إسلامية والواقع ليس كذلك، والدولة مسؤولة عن شعبها أولا·· وهي مسؤوله عن حمايته ورفاهيته أولا·· ثم الانطلاق إلى الأشقاء والجيران ، وهذا لا يتعارض مع مفهوم الأمة· وهناك خلافات سياسية بين الدول العربية لكنها لا تمنع وجود وحدة روحية ولغوية، وكما نرى فانه بالرغم من عدم وجود واصل تاريخي بين دول مجلس التعاون غير أن هذه الدول بينها تعاون واندماج في كثير من الأمور الاقتصادية والعسكرية وهذا لن يمنع في يوم ما من تكوين وحدة سياسية ·· صحيح أن هناك بعض التباين في وجهات النظر لكنها لا ترقى إلى أن تكون خلافات أو تصل إلى تصادم او حروب، والخلافات يفرضها تضارب المصالح ، وأحيانا تكون لها أبعاد لكن يتم احتواءها بعد فترة،والمشكلة أن القضايا عندما يتناولها الإعلام ويصورها على إنها حقائق ووقائع وهي مجرد أحلام ضبابية تمنع الإنسان والشعوب من معرفة الوقائع كما هي، ولا يوجد تعارض بين الدول القطرية والوحدة السياسية - وأنا هنا أتحدث عن التجربة الخليجية؟ فهناك خصوصيات لهذه الدول المستقلة، ونحن لا نعارض وجود الحلم·
أم النار ·· والحضارة
؟ لكن ألا تلاحظون توجه دول العالم إلى مزيد من التكتلات؟
؟ إن الحديث عن اتجاه العالم إلى التكتلات اليوم أمر غير واقعي فيجب أن ننظر إلى كل تجربة على حده، فمثلا في عمان هناك نظرة إلى الوجه الغربي مع الخليج وهناك بالفعل مجلس تعاون قائم مع هذه الدول الشقيقة وهو يعتبر تكتلا اقتصاديا وسياسيا يتحرك بكل نجاح ولما فيه الخير، وهذا التعاون مستمر حتى من قبل إنشاء مجلس التعاون، ثم هناك الوجه الشرقي لعمان وهو تكتل الدول المطلة على المحيط الهندي وعمان شريكة في هذا التكتل او المنظمة·· هذه هي الحقائق الجغرافية والسياسية او الجيو سياسية ومنها ننطلق إلى التحرك الديني والسياسي والثقافي والاجتماعي وهذا هو الواقع ، وهذا لا يمكن أن نقول انه ينطلق من رؤية عروبية او رؤية إسلامية ، ولكن يجب أن تسايره الرؤية او الشكوك حول إمكانية تطبيق الوحدة السياسية بين الدول العربية·
هناك رؤية إيمانية ولكن لها مدلولات سياسية ولننظر إلى علم الآثار·· مثلا في جنوب عمان وجدت آثار تدل على وجود حضارات ودول مستقرة منذ عهد بعيد ،وكذلك في مواقع أخرى في شمال عمان ،وفي مواقع أثرية عدة كذلك في دولة الإمارات وفي موقع جزيرة ام النار القريبة من ابوظبي وكذلك في مواقع أخرى في مدينة العين كلها تؤكد على وجود حضارات في هذه المنطقة من العالم فليس صحيحا إننا كنا قبائل متناحرة·
نحن لابد أن نبحث عن الأسباب التي أدت إلى انهيار هذه الحضارات القديمة، وهناك آثار وخطوط قديمة في أماكن عدة من الجزيرة العربية تدل على وجود حضارات قديمة سادت في هذه المنطقة ثم بادت، والقرآن الكريم يدعونا إلى الوحدة الإيمانية·وأنا لا أستطيع أن اربط علاقة السماء بالأرض وبالدولة فلا أجد منفذا أضع فيه هذه العلاقة بين الله سبحانه وتعالى وواقع سياسي، فكيف يمكن أن نصنفها·
خيل الرسول·· وعبد وجيفر
؟ هذا حيث يخص الحضارات البائدة ، لكن الذي يهمنا هو علاقة الأرض بالسماء لجهة الوحدة السياسية ·· فكيف تراها؟
؟ لابد أن نسلم بوجود حضارات قبل الإسلام في هذه المنطقة وكذلك بعد الإسلام ،ومن المعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل رسالة إلى ملكي عمان 'عبد وجيفر ابني الجلندي' مما يعنى ذلك وجود الدولة، واعتراف بوجودها، فقد دعاهم الرسول الكريم إلى الإسلام كدولة·
وهنا لابد أن نعود إلى التفاصيل مرة أخرى، وقد جاء في رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم 'اسلما تسلما وإلا فان خيلي ستطأ أرضكما' وهي دعوة إلى الملكين وكانا كما هو معروف شقيقين إلى الإسلام، وذلك يعني أن دخول الملك في الإسلام يعني دخول الشعب كذلك·
، وكان عمرو بن العاص هو الذي حمل رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ملكي عمان وأصبح مرشدا دينيا لهم عندما دخلوا الإسلام طواعية·
وكان عبد وجيفر يحكمان عمان مناصفة ومقرهما في صحار، وبالتالي فقد كانت هناك دولة كما ذكرنا وساهمت في نشر الإسلام في المنطقة وما جاورها وفي حروب الردة، ثم إنها لم تنضم تحت لواء الدولة الأموية فيما بعد·
أما فترة الحكم العثماني فقد كانت فترة ظلامية على الوطن العربي وقد رفضت عمان السلطنة العثمانية ولم تهتم الدولة العثمانية بإخضاعها، ثم عندما جاء الاستعمار البرتغالي إلى المنطقة طرده العمانيون وطاردوه إلى أن أخرجوه من سواحل الهند وطردوا الفرس من البصرة وسيطروا على بندر عباس بأكمله وبلوشستان·
والمشكلة الآن في الايدولوجيا القومية والاسلاموية في كونهما تتجاوزان هذه التفاصيل بأكملها ،وتحاولان فرض أفكار معينة على الناس وليست رؤى او أفكار صحيحة في جوهرها والناس والمجتمع في وضع لا يسمح لهذه الايدولوجيات أن تنجح ، ففي الواقع لا يمكن أن نقيم دولة إسلامية من اندونيسيا إلى المغرب العربي ··هذا مستحيل في وقتنا الحالي نتيجة لأوضاعنا الحالية من ناحية الواقع السياسي، ونحن نتحدث عن ضرورات اقتصادية وعلمية ، أم في الجانب المعرفي فإن الواقع مخيف ،فإذا تحدثنا على الترجمة مثلا فإن العرب ترجموا كما ورد في تقرير التنمية البشرية العشرة آلاف كتاب من العصر الأموي حتى الآن ، وترجمت دولة إسرائيل هذا العدد خلال خمس وعشرين سنة وأسبانيا خلال سنة واحدة، وأنا اذكر لك أسبانيا على سبيل المثال ،لأنها في ذيل أوروبا·
ويجب أن ننظر إلى حقائق العصر فالواقع العربي الحضاري متخلف وذلك أمر مفروغ منه ،والدول العربية ليست دولا منتجة، والمجتمع العربي ليس مجتمعا منتجا ،وبالإضافة إلى هذا الوضع الحضاري هناك دول مثل دول الخليج مثلا تحاول تجاوز هذه الأوضاع من خلال تنمية بشرية حقيقية، ولا يمكن أن نقفز على هذا الواقع البشري ونقول هيا بنا إلى الوحدة، فكيف نفعل ذلك إذا كنا لا نستطيع ترجمة كتاب او أن ننتج شيء ما، كما يجب ألا نقفز على واقعنا المتخلف فهناك معارك ضد التخلف يجب تجاوزها من أجل الوصول إلى مجتمع منتج·

اقرأ أيضا

10 قتلى في غارات روسية على إدلب