صحيفة الاتحاد

ألوان

السعفيات.. جسر تواصل بين الموروث المحلي العربي

أحمد السعداوي (أبوظبي)

كثيرة هي العوامل التي تربط بين أبناء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، خاصة المرتبطة بالتراث والتاريخ، وهو ما كشفت عنه فعاليات مهرجان الشيخ زايد التراثي المقام بمنطقة الوثبة بأبوظبي، والذي تضمن الكثير من أوجه التشارك بين الأشقاء العرب رغم التباعد المكاني وعدم التواصل الجغرافي بين هذا البلد أو ذاك، وتأتي حرفة صناعة السعفيات في مقدمة مظاهر الموروث الشعبي المشترك بين كثير من أبناء العالم العربي، على الرغم من اختلاف الشكل النهائي لأنواع المشغولات السعفية تأثراً بالبيئة المحلية لكل دولة، علماً بأن الخامة الأساسية لكل هذه المصنوعات واحدة وهي سعف النخيل، مع الاستعانة أحياناً بأوراق أشجار تنمو في بعض المناطق العربية، ولكن تم استخدامها بامتياز في صناعة صنوف السعفيات التي زينت كثيراً من الأجنحة العربية استضافها المهرجان التراثي الذي انطلق في الأول من ديسمبر الماضي، وسط حضور جماهيري كبير واهتمام على أعلى مستوى من مسؤولي الدولة، ليؤكد مكانة التراث في النفوس، وأهمية المحافظة عليه وصونه للأجيال الجديدة والعالم في أبهى صورة.

قيمة النخلة

من الشمال الأفريقي، وتحديداً من الجزائر، تقول رقية أبوكريم، إنها تحترف صناعة بقايا مشتقات النخيل، موضحة أن المشاركة في «زايد التراثي» تتمثل في مقتنيات تم إنتاجها من بقايا النخل، من سعف وليف وعصا وعرجون وغيرها من أجزاء النخلة، موضحة أن المميز في هذه الحرفة هو إدراك ممتهنها لقدسية النخلة في التراث العربي والإسلامي، وأهميتها الاقتصادية والغذائية على مر السنين، ومن هذا المنطلق نعمل على نشر هذه المنتجات التراثية العربية الخالصة، والمحافظة عليها من الاندثار في مواجهة ظهور كثير من الأدوات العصرية البديلة عن الأدوات والاستخدامات التي كنا نعتمد فيها على النخلة بشكل رئيس.

«التدرية» الجزائرية

ومن الجناح الجزائري، يقول سيد شعبان، حرفي في صناعة «التدرية»، أي السلال باللهجة الجزائرية، مبيناً أن هناك سلالاً تشبه كثيراً مثيلاتها المصنوعة من النخيل، يتم إنتاجها من الخيزران بألوانه الأبيض والأحمر، أو نبات الحلفا، والصفصاف، مبيناً أن كل هذه المنتجات نباتية ومستوحاة من البيئة الجزائرية، مع وضع إضافات عليها حتى تصير بشكل أكثر عصرية.

ويبين أن السعف يمر بمراحل عدة قبل عمل أشكال مختلفة منه، تبدأ من تجميعه، ثم غسله وتشذيبه أو ما يسمى بالجزائرية «نقشمة»، ثم يتم تلوين بعض السعف والإبقاء على البعض الآخر بلونه الطبيعي، حتى يكون أمام الصناع مجال لعمل أشكال فنية بألوان مختلفة، وإنْ كان يغلب عليها اللون الطبيعي للسعف.

ويضيف أن الكثير من الحرفيين التراثيين قاموا بوضع لمسات عصرية حتى يزيد الإقبال على منتجاتهم مثل عمل قبعات عصرية، وتحويل القفة القديمة إلى حقائب نسائية، كراسي، والأطباق كبيرة الحجم إلى مجموعة علب وأطباق صغيرة تناسب الاحتياجات اليومية الحالية، وتحويل الحصير إلى مفارش لمقاعد السيارات مضادة للتعرق وآلام الظهر، والهدف من كل ذلك هو إعادة بعث جزء من الموروث المحلي للشعب الجزائري.

ومن أبرز المنتجات التي يعرضها، دراجة بخارية صغيرة مصنوعة من الخيزران استغرق صناعتها 9 أشهر كاملة، وتعتبر من أفضل الأشياء التي جلبها للعرض ضمن فعاليات زايد التراثي، نظراً لجودة صنعها وشكلها الفريد، كما أنه من النادر أن نجد قارباً بهذا الطول الذي لا يتجاوز متراً واحداً مصنوعاً من الخيزران بهذا الشكل التراثي البديع الذي جعله يباع في الأسبوع الأول من المهرجان بمبلغ 1800 درهم، لكنه طلب من الشاري الاحتفاظ به حتى نهاية المهرجان ليتمكن أكبر قدر من الجمهور من رؤية ما فيه من إبداع ودقة صنع.

العصر الفرعوني

مسؤول الجناح المصري، أحمد عيد يقول، إن صناعة السعفيات من أساسيات التراث المصري وبدأت في العصر الفرعوني، كون المصري القديم استطاع استغلال الكثير من مكونات النخيل في أغراض متعددة ومنها السعف، حيث كان يتم استخدام مكوناتها كافة وليس هناك أي جزء مهدر منها، واستعمل سعف النخيل قديماً في أغراض الزراعة والسلال التي تحمل فيها المحاصيل، وتخزينها أحياناً، وأواني الطعام، حيث يتميز السعف بأنه مادة لينة في يد صانعيه لعمل أشكال متنوعة ومختلفة الأحجام بحسب احتياجاته، ما يشجع الكثير، ومنهن ربات البيوت في عمل هذه الأوعية والمستلزمات واستخدامها بشكل أساسي في حياتهن على مدى آلاف السنين، كما تثبت الكتب والدراسات التاريخية. كما أن الأواني السعفية تساعد على حفظ الطعام لفترة أكبر من خلال فتحات التهوية التي تتخلل المشغولات السعفية، كما أنها مادة طبيعية ليست لها أي تأثيرات ضارة على الأطعمة، ولذلك مازال الكثير من أهالي القرى في الريف والصعيد بمصر يستخدمون بعض هذه الأوعية المصنوعة من السعف رغم وجود مثيلاتها العصرية.

كما أدخلت السعفيات الآن في عمل أشكال عصرية، مثل الكراسي المستخدمة في الأماكن المفتوحة، وبعض قطع الأثاث، وعمل حقائب يد وأغطية للرأس، وحقائب للكمبيوترات المحمولة لمواكبة العصر، ولكن بمنظور تراثي، ومؤخراً بدأ البعض في إدخاله ضمن أنسجة الملابس بعد معالجته، وهناك محاولات الآن لتصنيع نسيج كامل من سعف النخيل وعمل ملابس منه، وهو ما تعمل عليه حالياً بعض الشركات الفرنسية، لإخراج صيحات جديدة في عالم الملابس تعتمد على نسيج مختلف عن المتعارف عليه عالمياً.

سعفيات عُمان

ومن عُمان، يقول محمد بن سالم بن خميس، المسؤول عن ركن السعفيات، إنه خبير ومدرب لكثير من الحرف التراثية، ومنها صناعة السعفيات، مبيناً أن السعف العُماني ينقسم إلى قسمين، قديم ومطور، القديم وهو السعف التراثي المعروف ويعتمد بطبيعة الحال على السعف باعتباره المادة الخام، أما السعف المطور يلزم إضافات أخرى مثل الخيوط والمواد اللاصقة والشريط المتري والعمل عن طريق طاولة وعمل تصاميم بأبعاد معينة، من مواد الصوف، الأصباغ الجافة، الدانتيل، ولكن يبقى في النهاية منتجاً تراثياً مطوراً يعبر عن بيئة أهل سلطنة عُمان.

وبخصوص السعف القديم، غالبية تصاميمه معروفة لدى أهل التراث، ومن أبرز منتجات السعف القديمة «السمّة» وهو وعاء لحفظ الطعام من الحشرات، «الشت» وهو غطاء للأكل، «الزبيل» أو المبخرة، «خصاف الشواء»، «المكبة» وهي غطاء فوق الطعام لحفظه، «السميم» أو الحصر، «الخباط» الذي يشبه السرود المعروف لدى أهل الإمارات وعبارة عن قطعة من الحصير دائرية الشكل نضع فوقها الطعام، مبيناً أن أشهر أماكن صناعة السعفيات في عُمان هو محافظة سندم التي تقع في شمال السلطنة، وتعتبر مزاراً سياحياً وتراثياً معروفاً.

ولفت ابن خميس، إلى أن هناك كثيراً من الدورات التدريبية تقدم للأجيال الجديدة ولعشاق التراث للتعرف إلى السعفيات العُمانية، وتتم في مناطق عدة من السلطنة بهدف المحافظة على موروثنا المحلي، خاصة أن هناك هيئة مختصة بالسعفيات ترعى شؤون العاملين في هذه الحرفة وتقدم لهم كل أوجه الدعم والرعاية مع ترويج منتجاتهم محلياً وعالمياً، كما أنها تؤهل مدربين متخصصين للعمل على حفظ هذا النوع من التراث وغيره من الأنماط التراثية العُمانية، مبيناً أن هناك جمعيات ومراكز لإنتاج السعف وتجمعات وملتقيات تعنى بالمنتج التراثي العُماني، ومنه السعفيات.

الزينة والديكور

ومن جناح المملكة العربية السعودية، تقول أسماء راشد الخميس، إن النخلة لها قيمتها الكبيرة في المملكة العربية السعودية وسائر دول الخليج، والحرف المرتبطة بها، ومنها السعف، وتعتبر من أقدم المهن التي عرفها الناس في المجتمعات الخليجية، ولكن كل مجتمع أخذ ينتج مشغولات تنسب احتياجاته ورؤية أفراده، مبينة أن السعف يتعرض للعديد من العمليات قبل البدء في عملية تصنيعه، ومنها التلوين حتى يصير أكثر جاذبية في عيون طالبيه، خاصة من الأجيال الجديدة التي تستعين بالمنتجات السعفية في أغلب الأحوال لأغراض الزينة والديكور ووضع لمسات تراثية في منازلهم العصرية، أكثر منها استخدام عملي في الحياة اليومية.

وتوضح أن أكثر الألوان انتشاراً الأحمر والأخضر والبنفسجي، أما اللون الحليبي الذي يغلب على أغلب المنتجات السعفية فهو لون السعف الأخضر بعد تعرضه للشمس لأيام عدة حتى يجف تماماً، ثم يكتسب هذا اللون المميز الذي عرفه الأقدمون منذ مئات السنين، قبل أن نبدأ في تلوين منتجات السعف في العصور الحديثة، ومن أشهر المنتجات السعفية، السلال بأنواعها، ومنها «الزمبيل» و«القفة»، «المهفة» للتخفيف من حرارة الجو، سفرة الطعام، بمختلف أحجامها. وأشارت إلى أن حرفة «سف» الخوص، تتطلب مهارة ودقة شديدة، وغالبية هذه المنتجات تتم بأيدي من ورثن هذه الحرفة عن الوالدات اللاتي اعتمدن قديماً على سعف النخيل في إنجاز الكثير من الأدوات المنزلية مثل الأطباق وعمل الحصير بأشكال جذابة لتزيين منازلهن، موضحة أن هذه الحرفة كان يمارسها الرجال أيضاً، وكانت مصدر دخل للعديد من الأسر التي لا تزال تتخصص في هذا الفن وتعرض منتجاتها في المحافل التراثية كافة التي تقام داخل المملكة أو خارجها.

مهنة عريقة

ومن الإمارات، ذكرت سميرة العامري، ضابط أول تسويق في إدارة الصناعات في الاتحاد النسائي العام، أن صناعات سعف النخيل من المهن التي عرفها المجتمع الإماراتي قبل قرون عدة، خاصة في الأماكن التي انتشر فيها النخيل، حيث عمل أهل الإمارات على استغلال كل مكونات بيئتهم المحيطة، ومنها النخلة التي أعطتنا الكثير من خيرها، وتم استعمال كل أجزائها في العديد من الأغراض الضرورية في الحياة اليومية، وكانت صناعة السعف واحدة من أهم تلك الصناعات التي اعتبرها الكثيرون مصدر رزق في الزمن القديم، والآن صارت واحدة من المفردات التراثية المهمة التي تعطي التراث الإماراتي أبعاداً جمالية فريدة بسبب تنوع الأشكال التي أبدعتها الحرفيات التراثيات الإماراتيات من سعف النخيل.

منتجات سودانية

من السودان، يقول أبوبكر ساكن «صناعة السعف معروفة منذ القدم في السودان، معتمدة على السعف المستخرج من النخيل، وبعض الأشجار الموجودة في البيئة السودانية، ومن أهم تلك المنتجات «طواقي أم غافاي» لحماية الرأس من تأثير أشعة الشمس الحارة، «المشلعيب» هو عبارة عن حامل مكون من ثلاثة حبال أو ثلاثة (أعواد) يستخدم في تعليق المواد مثل اللبن او الطبيخ، وغيره من الأنواع في سقف الغرفة أو المنزل، «القفة» لوضع الدقيق والفواكه والخضروات، «برطيل» جمع براطيل، وهي 3 أنواع منها طبق للوجبة، ومنها وعاء للشراب، والأخير لوضع الخبز، والبرطيل هنا مقصود به فرش لكل واحد من الأشياء السابق ذكرها، «القدّامة» لتقديم الحلوى والتمر والفواكه، «البرش» أي الأبسطة المستخدمة للصلاة أو لفرش الأرضيات، وكل من القدامة والبرش يصنع بأحجام مختلفة بحسب الغرض منه».

ولفت إلى أن السعف يستخرج في السودان من 3 مصادر، أولها النخيل، ثم شجر الدوم، وأخيرا شجرة عالايا، وهي شجرة كبيرة تشابه النخيل في ارتفاعها، ولها أوارق تشبه الجريد، كما يتم استخدام لحاء بعض أنواع الأشجار ومزجه مع المشغولات السعفية. وهناك برش «دوندور» يصنع فقط من سعف النخيل لأنه الأقوى، أما المستخرج من الدوم والعالايا فيكون خفيفاً، وأكثر ليونة في يد الصانع، وبالتالي يستخدم بكثرة في صناعة الحقائب النسائية والمحافظ، وغيرها من المنتجات صغيرة الحجم، والتي تحتاج إلى دقة في صنعها.

أصالة السرود والجفير

تورد سميرة العامري، أن من أشهر تلك المنتجات التراثية السعفية الإماراتية، السراريد (جمع سرود)، وهو شكل دائري بأحجام مختلفة يستخدم كمفارش للأكل قديما، ولا زال البعض يستخدمه لنفس الغرض، أو لتزيين المنازل بلمسات أصالة وعراقة، خاصة مع تعدد أحجامه وألوانه لتناسب كل الأذواق.

أما «الجفير»، فهو وعاء دائري يستخدم في نقل التمر وأنواع أخرى من الأطعمة، و«المهفة»، ويكون شكلها مربعاً وفي نهايتها عصا رفيعة من جريد النخيل، وتستخدم للتهوية، «القفة» تشبه الجفير، ولكن بحجم أكبر وتستخدم في نقل الأغراض المختلفة، «المجبة» لتغطية الأطعمة وحفظها من الهوام والأتربة وتتمتع المجبة بشكل هرمي مميز، وهناك أنواع أخرى عديدة من المنتجات السعفية، ولكن بشكل عصري، بعد إضافة لمسات من الدانتيل والألوان الجذابة عليها، لتشجيع الأجيال الجديدة على اقتنائها، ليصبحوا أكثر اقترابا من ماضي الأقدمين، وهو الهدف الذي يسعى إليه الجميع من وراء الاهتمام بالتراث وإقامة الفعاليات والمهرجانات التراثية المختلفة، ومنها «زايد التراثي»، الذي يعتبر أهمها على الإطلاق، خاصة وأنه يحمل اسم الوالد زايد يرحمه الله، بما له من مكانة وقيمة كبيرة في نفوس أبناء الإمارات والشعوب الأخرى.

تلفت رقية أبوكريم، من الجناح الجزائري، إلى أن كثير من الجزائريات ما زلن محافظات على هذه الحرفة ويعملن على توريثها إلى الأجيال الجديدة، خاصة من البنات والحفيدات في الأسرة، مشيرة إلى أن النخلة في الأصل تخرج لنا منتجاً بيئياً بنسبة مائة في المائة، ولا تعتمد على آلات وأدوات مثل سائر الحرف، وبالتالي تعتبر مصدر رزق للعديد من الأسر التي تقوم بصنع وترويج منتجات سعف النخيل، ومن أشهرها، الحصير، القفة (لوضع الأشياء فيها بديلاً عن الحقيبة)، العلقة (تعلق في الرقبة لوضع التمر فيها أثناء جمعه من أعلى النخلة)، الكسكاس الذي يطبخ فيه الكسكس أو العيش كما يسميه البعض، المكب (ذو غطاء هرمي لحفظ الأطعمة من الأتربة والحشرات)، الجراب (لنقل التمر من مكان إلى آخر)، التدارة (وعاء ذو غطاء أكبر وأعمق حتى يكون صالحاً لحفظ التمر الذي يطحن ويخبأ فيها للعام القادم وحمايته من عوامل التعرية)، أواني الشرب (الأطباق) والسلال بأحجامها (حبال تسلق النخيل)، والمكانس التي تستخدم في تنظيف البيوت. علماً بأن كثير من هذه المنتجات لا يزال مستخدماً على نطاق واسع في المناطق الريفية بالجزائر، فضلاً عن أن هواة التراث والأصالة يحرصون على اقتناء بعض منها لأغراض الزينة والديكور.